الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > أيام معهم > د. ملكة أبيض.. سيدةٌ من زمن الإبداع رسالةٌ قوميةٌ ومشروعٌ ثقافي مديدٌ
د. ملكة أبيض.. سيدةٌ من زمن الإبداع رسالةٌ قوميةٌ ومشروعٌ ثقافي مديدٌ

جهينة-أحمد علي هلال
في مرايا تجربتها الخصيبة في المكان والزمان والمنعطفات، يمكن لمتأمل ليس عابراً أن يقف عند غير علامة فيها، تجربة تتكامل مع تجربة رفيق دربها الشاعر الراحل سليمان العيسى، لكأننا نتأمل جدليةً حفرت في الزمان وفي الذاكرة ما يشي باستحضارها، ذلك العمق الإنساني والثراء المعرفي معاً، تلك السعة المعرفية التي راحت تلوّن كل علاماتها الإبداعية وبخصوصية لافتة كانت عليها ولمّا تزل الدكتورة ملكة أبيض فيما تحيلنا إليه كلماتها وأوراقها ومواقفها، بل حياتها المكتنزة بما هو دّال.
أصالة النشأة وصيرورات العطاء
في النصف الأول من القرن العشرين نشأت ملكة أبيض في بيت ثقافي بحلب، إذ هي واحدة من تسع بنات لأب مستنير ومتعلّم ويعرف من لغات العالم الكثير، لكن بذور وعيها الثقافي الأول عاضدته مكتبة منزلية لطالما جهد الأب في تأسيسها، ورفدها بألوان المعرفة المختلفة، ومع جبران خليل جبران كانت بدايتها بالمعنى المعرفي ليأخذها إلى عوالم من لغته المسبوكة ذات البلاغة الوارفة، ورغم تعرّضها لضغوط شتّى لمنعها من إتمام دراستها إلا أن تفوّقها وحصولها على منحة للدراسة الثانوية شجعا والدها على التمسك بإتمام دراستها، كان التفوق إذن هو الحامل الأول لانطلاق موهبتها في مواجهة الضغوط والقيود الاجتماعية المختلفة، وهذا ما عبّر عنه بالمضمرات النسقية التي كانت تطبع طرائق التفكير آنذاك، الأمر الذي حملها باطراد وعيها على أن تشارك شأنها شأن نسوة نافحن ضد الشرط الاجتماعي وقساوته لتشارك في تظاهرات ضد الاحتلال الفرنسي، تقول د. ملكة أبيض: (كنت أشارك في جميع التظاهرات التي كانت على أشدّها ضد الاستعمار الفرنسي، ما جعل إدارة المدرسة تحجب عني المنحة فاضطررت للعمل أنا وأخواتي في التطريز والخياطة والدروس الخصوصية لإتمام دراستي، فحصلت على (البكالوريا) بتفوّق وعملت على تثقيف نفسي بحيث لا أترك وقتاً للفراغ). وفعلاً كان للدكتورة ملكة أبيض الطالبة آنذاك أن تُوفد في بعثة إلى بروكسل لتدرس اختصاصين في آن معاً: التدبير المنزلي والعلوم التربوية والنفسية.
تلك المصادفة.. تلك الضرورة
أثناء عودتها من بروكسل إلى حلب في إجازة الصيف، عندما فوجئت بذلك الشاب المدرّس والمثقف الذي كان يعطي الدروس لأخواتها، لكنه لم يكن مجرد مدرّس، بل كان شاعراً مقتدراً مشبعاً بالثقافة الوطنية منذ مناهضته للانتداب الفرنسي ودخوله السجن، كان هو سليمان العيسى الشاعر والذي وجد نظيرته في الحوار والموقف والثقافة التي جمعت بينهما كقاسم مشترك أعظم، ليكونا جنباً إلى جنب في الندوات والمحاضرات وأنشطة مدينة حلب الثقافية، لكنّ تلك العلاقة تطورت ليصبحا زوجين عام 1950. إذاً كانت موهبته وأدبيته اللافتة هما ما زرعا داخلها الأمل في المستقبل بعدما كادت تتخلى عن مواصلة دراستها الجامعية، وهكذا استطاعت أن تواصل دراستها بتشجيع من زوجها الشاعر سليمان العيسى لتحصل على الماجستير في التربية من الجامعة الأميركية في بيروت، ودكتوراه الدولة في التربية من أميركا، فضلاً عن إنجازها عشرات الكتب العلمية في حقول التربية والاجتماع والنقد الأدبي، فقد وجدت د. ملكة أبيض أن فكر سليمان العيسى هو حصيلة لواقع عاناه والأمة العربية خلال فترة طويلة من تاريخها منذ انتهاء الدولة العباسية وقيام حكم المماليك والاحتلال العثماني.. وحين وجد سليمان العيسى لواءه وقريته معرّضين للسلخ والإلحاق بتركيا بدأ يفكر ولم يكن وحده في ذلك، بل ثمة مجموعة بزعامة زكي الأرسوزي، وجدت أنه من أجل أن نحمي بلادنا يجب أن ننهي التجزئة ونسير في طريق الوحدة العربية، وهو القائل في إحدى قصائده: (أطلي علينا وحدة/ طيف وحدة/ بريقاً سراباً/ كيفما شئت فأقدمي).
معادلة الفن وخدمة القضية
تقول د. ملكة أبيض: (ولمّا كان سليمان العيسى يمتلك الكلمة، فقد جعل منها سلاحاً لتحقيق هذا الحلم، لقد قاتل بالكلمة والقصيدة والقلم.. والإنسان الذي يملك الكلمة بشكل جيد يستطيع إقامة معادلة بين الفن وخدمة القضية، ويحاول أن يجعل الفن متطوراً ويعمل على تحقيق هذا الهدف في الوقت ذاته)، وتضيف د. ملكة أبيض: (نحن نعرف جيداً أن سليمان وضع هذا المفهوم للشعر المتمثل في أنه سلاحٌ لخدمة القضية موضع التطبيق، فعندما قامت ثورة اللواء أنشدها بكل ما يملك رغم أنه كان طفلاً، لكنه أدرك أن هناك مؤامرة لسلخ هذا اللواء وإلحاقه بتركيا، وعندما قامت الثورة الفلسطينية لم يقصّر سليمان في إنشادها والكتابة عنها، واستمر يتابع شهداءها الأبطال وكل ما يخصّ القضية الفلسطينية، وجمع كل ما كتب في كتاب سمي (الفلسطينيات)، ثم تتالت الثورات في الوطن العربي وسليمان العيسى يتابعها بشعره، فكتب للجزائر (الصلاة لأرض)، وتابع أحداث جنوب لبنان أيضاً).
إذاً، لم تكن علاقة زوجين فحسب، وهي تجلو صورة سليمان العيسى ومآثره واحترامها لتجربته الغنية، على الرغم من مشاغلها كأستاذة جامعية خصصت قسطاً كبيراً من وقتها لمتابعة أعماله وإعدادها للنشر والكتابة عنها، وذلك لإيمانها بأن خدمة هذه الأعمال تمثل خدمة للعروبة والحلم الذي آمن به سليمان العيسى وهو تحقيق الوحدة العربية الكاملة بوصفها الحل للمشكلات التي تحيط بنا. فهما سيرتان تتماهيان في نسيج واحد هو الإبداع والثقافة والعمل ليكوّنا ذلك الثنائي المدهش، وذلك المركب الذهبي من الإيمان بالحلم والأمل والإيثار، وصولاً إلى غاية عليا توحّد أهدافهما بالمعنى الإنساني والوطني والقومي، هذه الثلاثية التي طبعت حياتهما المشتركة بطابعها الخاص جعلتهما معاً وأبداً كسطر واحد في مدونة الإبداع، سطرٌ خالدٌ كثيفٌ وارف العلامات.
وحينما تخفق ذاكرتها بنبض حميم تتذكر د. ملكة أبيض أنها حينما تعاقدت مع جامعة صنعاء للتدريس فيها وبقيت هناك خمسة عشر عاماً، كان سليمان العيسى برفقتها متفرغاً لعمله الأدبي ونشاطه الثقافي ضمن الوطن العربي، لأنه كان يُدعى إلى معظم المهرجانات والأمسيات والندوات الثقافية التي توزعت بين مشرق الوطن العربي ومغربه، ولقد خصّ اليمن بديوان كبير ومازالت تُذكر القصيدة الأولى التي ألقاها عام 1981 ومطلعها: (ماذا عن الشهقة الحمراء أختزن/ أمشي وتئنين يا صنعاء، يا عدن/ تقصف العمر في جفني وفي شفتي/ وما تزال وراء الدمعة اليمن).
وعلى الأرجح أن سليمان العيسى زرع في داخلها الكثير من التفاؤل، وفتح لها آفاقاً ثقافية واسعة، فإبان اشتعال الثورة الجزائرية وقدوم الشاعر الجزائري مالك حداد، وهو قطب من أقطاب الثورة إلى حلب ليستقطب الدعم لها، وكان يتكلم الفرنسية ولا يجيد العربية، فبدأت هي وزوجها سليمان العيسى بترجمة الكتب التي أحضرها لهما من الفرنسية إلى العربية، وأولها ديوان (الشقاء في خطر)، فترجمته بمساعدة سليمان العيسى الذي كان يدقق ويراجع، وليصدر في الستينيات ديوان مالك حداد بترجمة ملكة أبيض ومراجعة العيسى، ثم أرسل لها كاتب ياسين روايته المشهورة (نجمة) وعدداً من المسرحيات باللغة الفرنسية، فترجمتها إلى العربية. لكن تجربتها التي تماهت بكل معانيها مع تجربة سليمان العيسى، وتفرّغها التام له إيماناً بقيمه الوطنية والأدبية، جعلا عملها في الترجمة معه يتوقف عام 1956 بعد خمسة عشر عاماً من زواجها، وبعد حصولها على الدكتوراه التي استغرقت عشر سنوات عادت إلى العمل في التأليف والترجمة، فضلاً عن تنسيقها أعمال زوجها –سليمان العيسى- ومساعدته والترجمة معه في أدب الأطفال، فقد ترجمت رسالة الدكتوراه بعنوان (التربية والثقافة العربية الإسلامية في بلاد الشام في القرون الثلاثة الأولى للهجرة)، ورسالة الماجستير بعد أن أضافت إليها دراسةً مكملةً ومقارنةً اجتماعيةً عن قيم الشباب في جامعة دمشق آنذاك، ووازنت بين الدراستين لتخرج بكتاب (الثقافة وقيم الشباب)، ثم ترجمت في العلوم التربوية والنفسية، وقامت بالتدريس في دبلوم التأهيل التربوي مادة التربية المقارنة والدولية، فضلاً عن ترجمتها كتاباً في التربية المقارنة، وترى د. ملكة أبيض أن تلك المواضيع جديدة في ذلك الوقت، وأكثر ترجماتها كانت من الإنكليزية لأن الكتب العلمية متوافرة فيها أكثر ككتاب (علم النفس الثقافي).
تطويع الترجمة
بجدٍ واجتهادٍ ذهبت إلى تطويع الترجمة ونقل العلوم والمعارف، وكانت تعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم، هذا إلى جانب التأليف والتدريس، وصولاً إلى عملها على طباعة الأعمال الأخيرة لسليمان العيسى بعد طباعة الأجزاء الثلاثة الأولى، وصولاً إلى الجزأين الرابع والخامس، معتبرةً أن نتاج سليمان هو جزء من التراث العربي وليس من تراث سورية فقط، وتضيف: عندما كان يكتب قصائده القومية كانت تصل إلى آخر البلدان العربية، ويتناقلها الشباب في المغرب العربي واليمن، وكان الجزائريون مثلاً يتأثرون بها كما يتأثر السوريون، وكان الشباب في ذلك الوقت يقولون: «نحن أخذنا الفكرة القومية من سليمان العيسى»، وكان بعضهم يوفّر من مصروفه الشخصي لكي يشتري ديواناً من دواوين العيسى.
لقد كانت د. ملكة أبيض تمشي في حقول الثقافة والتربية مخلصةً لهما ووفيةً لفكرة زوجها ومنظومة قيمه، والزمن كان النهر الخصب الذي سار معها تماماً، فقد ربحت الرهان على جدلية علاقتها بالإبداع والترجمة والتدريس الأكاديمي كمرأة سورية مثقفة وواعية أجادت حمل رسالتها، وهي لمّا تزل تبدع في الترجمة فضلاً عن محافظتها على تراث زوجها الشاعر الراحل سليمان العيسى لتقدم لوطنها والعالم أصالة تجربة حية في الزمن المعاصر، ربما لها مثيلاتها في العالم، لكن خصوصية التجربة وصيروراتها الإنسانية والإبداعية تذهب بنا إلى استجلاء فواصلها الباهية في معنى رحلة الكفاح والكدّ والتميّز الذي تظل علاماته مشعةً بمستوى الاستحضار والتلقي الفاعل، ليس في الذاكرة الفردية فحسب بل في الذاكرة الجمعية السورية، سيدةٌ من زمن سليمان العيسى كانت ولمّا تزل مجاز وطن أعطى الكثير ولا يزال.

سطور وعناوين

• ولدت في حلب عام 1928.
• تلقت تعليمها في حلب وتخرجت في جامعة بروكسل حاملة إجازة في العلوم التربوية، ثم نالت الماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت، والدكتوراه في تاريخ التربية من جامعة ليون الثانية بفرنسا.
• عملت مدرّسة جامعية في سورية واليمن.
• عضو جمعية البحوث والدراسات في اتحاد الكتّاب العرب.
• من مؤلفاتها ومترجماتها (الجثة المطوقة، والأجداد يزدادون ضراوة) مسرحيتان لكاتب ياسين ترجمة عن الفرنسية.
• تسع قصص لذرج سالنجر ترجمة عن الإنكليزية.
• التربية المقارنة، تاريخ التربية وعلم النفس عند العرب، علم الاجتماع التربوي، أنماط التعليم العالي في الوطن العربي، طريقة منتسوري للأم والمعلّمة في تربية الطفولة المبكرة، مجموعات من القصص والمسرحيات للأطفال مترجمة عن الفرنسية والإنكليزية بالاشتراك مع سليمان العيسى.
• زوجة الشاعر الراحل سليمان العيسى.
• تجربتها في مجال التربية تجربة لافتة باختياراتها ومواضيعها ودلالتها المعرفية، وهي أغنت المكتبة العربية بالعديد منها.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: