الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > ريبورتاج > الإنارة الداخلية في المنزل المعاصر آفاق مستقبلية وفضاء غير محدود
الإنارة الداخلية في المنزل المعاصر آفاق مستقبلية وفضاء غير محدود


د. حسام دبس وزيت

يعتبر الضوء أحد أهم المكونات البصرية التي لابد أن ترتبط بالآلية التي يقوم عليها عمل أي مصمم في دراسته لأي فراغ داخلي، والتي تطول عدداً من محددات الفراغ الوظيفية والجمالية، وهذه المحددات ترتبط بدورها بمجموعة من القيم التي يعمل المصمم على تضمينها في العمل المصمم.
ثم إن تاريخ التصميم الداخلي لابد أنه ارتبط في محتواه البصري والجمالي بعنصر الضوء، ولاسيما أن الفنان المعمار في العصور القديمة كان له الدور الأول في رسم الإطار المعرفي والنظري لاستخدام الضوء الطبيعي في العمارة والتحكم بتوضع الفتحات والنوافذ بهدف ايصال هذا الضوء إلى الفراغ الداخلي. ومع اكتشاف الكهرباء واستخدام تطبيقاتها في الإنارة الاصطناعية انتقل هذا الدور إلى الفنان والمصمم الداخلي ليعيد رسم الصورة المرئية للمشهد البصري في الفراغ من خلال توظيف تقنيات الإنارة الداخلية في عملية إنتاج الفراغ.


وإن تصميم المنزل في عصرنا الحديث والذي تأثر بعدد من المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي فرضت نفسها بقوة على نمط حياتنا وأسلوب عيشنا، يتجاوز في أهميته تصميم الفراغات العامة والتجارية، ففي حين تكون تلك الفراغت انتقالية أو مؤقتة، يكون المنزل هو السكن والحاضن الرئيس الذي يبعث في الإنسان الإحساس بالاستقرار والأمان. ومن هنا فإن دراسة هذا النوع من الفراغات تحتاج إلى مستوى أكبر من الوعي والمسؤولية باتجاه عملية إعادة ضبط وتحديد القواعد والأسس التي تنتظم من خلالها عملية تصميم تلك الفراغات، وذلك لما يكون من مختلف المكونات البصرية وأساليب صياغتها من أثر بالغ الأهمية على حواس الٌإنسان وعلى مستوى ونشاطه ونوعية أدائه.
القليل هو الكثير
لقد طبع مفهوم الحداثة أغلب التصاميم الخاصة بالمنزل المعاصر، والذي تمت ترجمته باستخدام اتجاه فن الاختزال والتجريد الذي نادى به ميس فان دي روه عبر مقولته الشهيرة: “القليل هو الكثير Less is more” والتي استعارها من الشاعر روبرت برونينغ وترجم فيها توجهه نحو عمارة البساطة Minimalism والتي نحت باتجاه التجريد وابتعدت عن الزخرفة والتزيين.

وقد سايرت التقانات الحديثة في أنظمة الإنارة الداخلية هذا التوجه الجديد في مجال عمارة المنزل العصري، بل ربما لبت الأنظمة الجديدة تلك الحاجة الماسة إلى مستويات جديدة من التشكيل البصري لعنصر الضوء في الفراغ الداخلي يستطيع أن أن يتفرد في محاكاة ذلك التجريد وتلك البساطة التي نادت بها أو نشدتها تيارات الحداثة. كما قدمت تلك الأنظمة حلولا أكثر فاعلية في مجال ارتباطها بتحقيق الأثر البصري والدور الوظيفي المطلوب للإنارة الداخلية في الفراغات السكنية.
تقانة حديثة
إن التطور التقني في مجال الطاقة وإعادة انتاج تلك الطاقة في الحبيبات الضوئية وشرائح الضوء إضافة إلى تطور تقانات الحاسوب ودارات التحم الرقمية ووسائل اتصالها قد فتح الباب عريضا أمام كل من الفنان والمصمم الصناعي والداخلي على حد سواء، وذلك باتجاه ابداع حلول جديدة فاقت كل تصور أو خيال. فقد فتح انتاج الحبيبات الضوئية بداية ،والمعروفة بـ Led، المجال أمام أشكال جديدة من عناصر وأجهزة الإنارة الداخلية التي استطاع أن يوظفها المصمم في إعادة نحت الفراغ ضوئيا، إن صح التعبير، حيث قدمت هذه التقنية المرونة اللازمة للمصمم الفنان في استخدام تلك الحبيبات بالشكل واللون الذي يريد ومنحته الحرية في التلاعب بالمكونات البصرية ودمجها تقنيا مع تلك الحبيبات الضوئية بهدف الوصول إلى تشكيلات جمالية جديدة. وقد تمت ترجمة هذا الأمر في الفراغات السكنية والتجارية، إلا أن المميز هنا هو الصبغة الفردية التي استطاعت تلك التقنية الجديدة أن تقدمها إلى المستخدم في منزله من ناحية القدرة على تحقيق أي تصور بصري ينشده ويتماشى مع رغبته. ومن خلال توظيف تلك الحبيبات باستخدام دارات التحكم الرقمية التي تستطيع أن تعيد انتاج المشهد البصري الذي يرغب فيه المستخدم في كل جزء من المنزل، كما قامت عدة شركات متخصصة في هذا المجال في تصميم وتنفيذ بيئات رقمية تفاعلية يتم تركيبها في المنازل بحيث تعيد انتاج أو محاكاة لنماذج إنارة محددة مسبقا بحسب الزمان أو المكان أو بحسب نماذج يحددها الزبون.
وفي حين فتحت الحبيبات الضوئية المجال لتطبيقات جديدة في مجال الإنارة الداخلية للمنازل، فقد قدم التطور التقني الجديد في مجال انتاج الشرائح الضوئية، المعروفة بـ Oled، صورة جديدة كليا لمفهوم وشكل الإنارة الداخلية على وجه الخصوص، ومع التشابه في التقنيتين، إلا أن هذه التقنية الجديدة شكلت نقلة نوعية من ناحية الكفاءة الوظيفية من جهة والتي تقدمت على سابقتها، ومن ناحية النماذج والأشكال التي يمكن أن يستطيع المصمم ابداعها باستخدام هذه التقنية من جهة أخرى. وأصبح بالإمكان تصنيع وانتاج تلك الشرائح المضاءة بشكل متجانس كليا وبالشكل واللون الذي يريده المصمم، أضف إلى ذلك إمكانية تحريك تلك النماذج من أجهزة الإنارة الداخلية باستخدام أنظمة التحكم الرقمية، وبالتالي الحصول على تشكيلات بصرية زمنية من الإضاءة بالغة التعقيد والجمال.

والجديد هنا، هو وصول التطبيقات الحاسوبية التي تستطيع أن تتحكم بأنظمة الإنارة الداخلية إلى الهاتف الذكي، حيث أضحت للمستخدم إمكانية ترجمة تلك التكوينات البصرية للضوء في المنزل، من شكل ولون وتأثير ونماذج محاكاة، من خلال هاتفه أو حاسوبه اللوحي، وبالتالي فإن موضوع الإنارة الداخلية لم يعد نظاماً ولوناً يفرضه المعماري أو المصمم على الإنسان.
تأثير الضوء
إن هذا التطور التقني الجديد والمتسارع في مجال الإنارة الداخلية ومع أنه قدم حلولا ابداعية تجاوزت كل تصور منظور، والذي استطاع أن يرتقي بمستويات الأداء الوظيفي للفرد داخل الفراغ، ومع ما قدمت هذه التقانات الجديدة من حلول مادية انسجمت مع التوجهات العالمية في مجال التخفيف من استهلاك الطاقة والسعي نحو عمارة مستدامة، إلا أن التحدي أمام المصمم اليوم، بات أكثر جدية، من ناحية تحديده للمشهد البصري في الفراغ الداخلي عامة وفي المنزل خاصة، وخصوصاً بما يرتبط بعنصر الضوء وتأثيراته على طبيعة استجابة الإنسان الحسية في الفراغ، حيث إن الاستخدام اللاواعي لذلك الهامش من الحرية في تحديد أو محاكاة الضوء عبر تلك التطبيقات أو الأنظمة الرقمية الذكية قد يقود إلى نتائج سلبية تطول مستخدم هذا الفراغ.
إنارة وقيم
إن تصميم الإنارة الداخلية للمنزل يستند إلى عدد من الاعتبارات الوظيفية التي يمكن تحديدها بسهولة في كل جزء منه، حيث يتم توظيف أنظمة الإنارة العامة والخاصة والموضعية في كل ركن من أركان المنزل وبحسب الصورة أو المشهد المراد الوصول إليه في كل جزء. لكن الجزء الصعب من عمل المصمم يقوم على عدد من المستويات بالغة الأهمية التي ترتبط بطبيعة النتائج والأهداف التي ينشدها في التصميم.
ونبدأ بالمستوى الجمالي الذي غالبا ما يتحقق من خلال الخبرة ذات المنشأ الأكاديمي التي تستطيع بناء المشهد البصري استنادا إلى مجموع العناصر المكونة للتصميم من خط ولون ومساحة وضوء، والضوء هنا هو أحد العناصر بالضرورة كما أنه العنصر الأساس في ترجمة وإظهار المشهد بصورته النهائية لما من قيم الظل والنور وتأثيراتها من أهمية في إظهار الشكل واللون والملمس ولارتباط الضوء العضوي بعملية إدراكنا لذلك المشهد. أما المستوى الآخر الذي يمكننا أن نوليه القدر ذاته من الأهمية فهو المستوى التعبيري حيث تحاكي عملية اضاءة المشهد في الفراغ الداخلي للمنزل اضاءة خشبة المسرح من ناحية القيم التعبيرية التي يفردها التصميم في كل فراغ، وفي حين أنها قيم خاصة على الخشبة، فإنها تكون عامة أكثر في التصميم الداخلي إذ يمكن أن تطرح معاني من الدفء، والحب، والشاعرية، والقوة والعظمة. وغيرها من المعاني. ويبرز لنا أيضاً مستوى أو عامل لا يقل أهمية عن المستويين السابقين وهو المستوى الحسي الذي يرتبط بتحديد طبيعة الاستجابة الحسية لعنصر الضوء وتشكيلاته في الفراغ، اذ يقوم الضوء بحسب موقعه في الفراغ وبحسب شدته ونوعه ولونه وعلاقته بالضوء الذي يليه بتفعيل استجابة معينة لدى الإنسان وتحدد تلك الاستجابة الحسية من جهة إدراكنا البصري لمجموع المكونات في الفراغ من إدراك الشكل واللون والعمق كما تحدد طبيعة التأثير النفسي الذي يتولد فينا من جهة أخرى.

لا بد لنا أخيراً من التأكيد على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار كافة المحددات الوظيفية منها والجمالية في تصميم الإنارة الداخلية للمنزل والاستفادة من محدثات التقانة في هذا المجال، فهذه المحددات ترتبط بالضرورة بعدد من المستويات آنفة الذكر، ونؤكد هنا على دور المصمم الداخلي الأول في موضوع الإنارة كجزء لا يتجزأ من المشهد التصميمي، وعلى أن يكون الهدف نهاية، هو الارتقاء بحياة الإنسان شاغل الفراغ ومستوى رفاهيته بداية، والحرص على ايفاء أنماط الاستجابة الحسية الملائمة له ذات المحتوى الايجابي والفعال.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: