الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > ريبورتاج > ملتقيات دمشق الثقافية على تنوّع موضوعاتها.. هل تنشّط الحراكً الثقافي وتفعّله؟
ملتقيات دمشق الثقافية على تنوّع موضوعاتها.. هل تنشّط الحراكً الثقافي وتفعّله؟
أحمد علي هلال
ربما أتاحت الأزمة التي تمرّ بها سورية، وعلى مستوى المشهد الثقافي، ظهور ملتقيات ثقافية عدة وتحت عناوين ومسميّات لعلّ القاسم المشترك فيها هو الوطن، ولهذا شهدت دمشق العديد من التجارب في هذا السياق حتى إنه يمكن للمتابع والقارئ أن يذهب إلى أسئلة تتعلق بالجدوى على مستوى الكم والكيف وتنوّع الأداء، أسئلة في خصوصية المشهد الثقافي ومدى مقاربته للأزمة/ الحرب على سورية، وكيف تنتج الثقافة أفعالها في لحظة متغيرة، تشي بغير فعالية لنخب وتجمعات هي بطبيعة الحال ليست بديلة عن المؤسسات الوطنية، ولعلّ هاجسها الأكبر كان أنها توسلت أن تكتمل بما تنجزه المؤسسات، لا أن تعلّل فراغاً بعينه في الساحة الثقافية؟
لكننا مع ملتقيات دمشق الثقافية التي اُستحدثت مؤخراً، منذ أطلق الأستاذ حمود الموسى مدير ثقافة دمشق فعاليات متنوعة فضلاً عن جائزتين للشعر والقصة، حملتا اسم الشاعر الراحل نزار قباني، والقاص الراحل سعيد حورانية، سنقف على سؤال الجدوى وذلك من خلال تأكيد – الأستاذ حمود الموسى- أن ذلك جاء تعزيزاً للرؤية الجديدة والمغايرة في العمل الثقافي، وخصوصاً في إطار البرمجة والخطط الثقافية في مديرية الثقافة. وانطلاقاً من تجربته في العمل الثقافي يقول الموسى: إن البرامج الثقافية لم تكن مدروسةً بما يكفي، وإن مهمة المراكز الثقافية يجب أن تكون مع التواصل المباشر مع المبدعين في جميع المجالات والبحث عنهم ودعوتهم.
ملتقيات دمشق الثقافية التي انطلقت في 19/12/2016، والتي حملت عناوينَ لافتةً في سياق المشهد الثقافي، بدءاً من الفن التشكيلي والملتقى الفكري وملتقى السرديات والملتقى الشعري، وبإشراف مثقفين كان الأستاذ الموسى قد طرح عليهم بوصفهم عاملين في الحقل الثقافي فكرة هذه الملتقيات التي أصبحت، كما يبدو، حقيقةً مجسدةً، وتكتمل بدوراتها الخمس، وصولاً إلى دورات جديدة ستحمل حساسية المشهد الثقافي على غير صعيد.
ويقول د. عاطف البطرس مشرف ملتقى السرديات: إن الهدف منها هو إعادة النظر في الكثير من المعارف، وتقديم أجوبة جديدة عن أسئلة قديمة، والبُعد عن التلقين، على أرضية تشكيل وإحياء ثقافة تقوي اللحمة الوطنية، وتعمل على إعادة التوازن والانسجام والتوافق في النسيج الاجتماعي، حيث دأبت محاولات القوى الظلامية على تمزيقه وتبديده، إذاً هي ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت.
لكننا ونحن نثير أسئلة تتعلق بضرورة ردم الهوة بين الثقافي والإعلامي، وصولاً إلى المتلقي وتثمير حوافزه ليكون هو المستهدف من تلك الملتقيات بوصفها رافعةً وإطاراً يذهب فيه – هذا المتلقي- إلى ما يمكن تسميته بالوعي الجديد، المؤَسَس على التشاركية في الثقافة، وبعودة أدوارها التاريخية، والأدلّ في هذا السياق هو ترسيخ مناخات الحوار الهادف والذي من شأنه الارتقاء بآليات التفكير وصولاً إلى السلوك، لطالما كان عنوان الحرب على سورية هو عنوان ثقافي بامتياز، ما يعني حرباً على اللغة وعلى الهوية وعلى الشخصية السورية حضوراً وقيماً.
وما أراده القائمون على هذا الملتقى بصفتهم المشرفين على أنشطته المتنوعة والمختلفة، هو أبعد من ذلك بما يتجاوز سقف الراهن إلى الطموح الفعّال بالوصول إلى لوحة سورية متكاملة تُغني الثقافة وتعمّق دلالتها، لطالما كانت هذه الملتقيات بإشراف رسمي من قبل وزارة الثقافة، ما يعني اضطلاعاً جديداً بتعميق قيم الحوار والمشاركة والمواطنة الواعية، ذلك أن الثقافة هنا هي بحجم أسئلتها الكبرى مادامت ضمن ذلك المناخ التواصلي، والذي يشهد عليه مستوى الحضور الفاعل الذي واكب هذه الملتقيات، وسعى إلى جسر الهوة، ويردم فراغاً محتملاً في المشهد الثقافي.
وعليه، فإن المكان التي تجري به الملتقيات لن يُختزل بها، بل سيتطير إلى فضاءات أوسع بحيث تصبح المراكز الثقافية – وهذا طموح مديرية ثقافة دمشق والقائمين عليها- أكثر استجابةً لأفعال الثقافة وعودة جمهورها إليها، محمولاً على ذات الشغف بالمعرفة والحضور، ولطالما كانت الشكوى في المراكز الثقافية من غياب الحضور، بحيث لا يتعدى بضعة أشخاص بعينهم، وذلك لا يعكس حقيقة المشهد الثقافي برمته، بل في جانب منها تسعى الملتقيات عموماً لتكون في قلب الثقافة، إنتاجاً فكرياً وحوارياً غنياً، يستحضر الشخصيات الوطنية السورية ويحتفي بها، ويؤشر في الوقت عينه إلى دينامية متجددة تذهب إلى أسئلة الأصالة والمعاصرة، والوعي المغاير كما جاءت إجابات المشرفين، ومع ذلك من شأن تلك الملتقيات- ما خلا التي انطفأت مع بداية الأزمة أو منتصفها بقليل- أن تنطوي على ظاهرة إيجابية في العموم، والذهاب إلى حراك ثقافي ينبغي استثماره على غير مستوى لجهة الفعل الثقافي في استراتيجيته البعيدة، وبمعاينته للأنماط المنتجة للثقافة على مستوى الأجناس الأدبية المختلفة، فإذا كانت بشكل ما أو آخر تستأنف تقاليد ثقافية، كان أبرزها في العقود الماضية، ظاهرة الصالونات الأدبية التي واكبها كبار الكتّاب والمثقفين والمبدعين، فإنها اليوم تبدو أكثر إلحاحاً لاستحقاقات ثقافية حضارية بعيداً عن الارتدادات السلبية التي جعلت الثقافة في معنى الاستهلاك أو الاستهداف.
إذاً هي تشاركية ما بين المؤسسات المعنية والملتقيات الثقافية على مستوى الطموح بصوغ سياسات ثقافية بعيدة المدى، تعود بالناتج المعرفي على الجمهور وعلى الذائقة وعلى التاريخ الأدبي، حتى ترتقي أفعال وأدوات الثقافة في مشهدنا الثقافي السوري تأصيلاً لإبداع يليق بالحياة.
ويمكن للمتتبع لصورة الثقافة الآن وعبر تجلياتها، أن يرصد هذه اللحظة وبمنظور مستقبلها، ويلتقي مع طموح هذه الملتقيات اختباراً ومساءلةً منتجةً، لا احتفاءً فحسب، بل بعودة القيم الثقافية أكثر من ذي قبل لتكون واسطة العقد بين ما أُنجز وما هو مأمول.
ويؤكد المشرفون على تكاملية الإبداع ما بين افتتاح معرض تشكيلي يحتفي بالفنانين المخضرمين، ويفتح حواراً مع الأجيال الجديدة، وبين الاحتفاء بأعلام الموسيقا وتكريمهم، وصولاً إلى الإصغاء إلى إبداع الشباب وحضورهم في الراهن الإبداعي، وكذلك ما تعنيه الملتقيات الفكرية في استحضارها أسئلةً جادةً ومثمرةً على المستوى الفكري والثقافي، من شأنه أيضاً أن يعيد الألق إلى ثقافة سورية الهوية بكل ما تعنيه من معنى.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: