الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > أيام معهم > الأديب عباس حيروقة: الشاعر فاعلٌ إبداعيٌ ومخلوقٌ تنويريٌ تغييريٌ
الأديب عباس حيروقة: الشاعر فاعلٌ إبداعيٌ ومخلوقٌ تنويريٌ تغييريٌ


أحمد علي هلال

في فضاءات الإبداع للشاعر أن يحتفي بالإنسان والمكان والزمان، بوصفه ذلك الكائن الذي يتعدد إلى كائن لغوي وجمالي، تمتحن ذاكرته مدلولات الأشياء التي تعايشها ذاته الشاعرة، وكيف يستولد من القمح أرغفة الكلام المشتهى، وكيف يجعل من عبق أيامه كل ما يتصادى في أسفاره الشعرية، ثمة ميراث للغناء وترجيع لأمكنة الحلم.. هكذا ندخل إلى عوالم الشاعر عباس حيروقة الذي خَبِرَ فتيل روحه في اشتعالات الإبداع منذ طفولته المفتوحة على مواويل (الحاصودي)، ومفردات بيئة خصبة لوّنتها البيادر، وحملت أناشيدها أسرابُ الحمام والعصافير.
قوس قزح الشعر
تلك الطفولة المضرّجة بالحلم والمنقوشة فوق صخور الجبال، والمنداة تحت ظلال البلوط والزعرور غدت قوس قزح رحلته في الزمان والمكان، طفولة ما كان لها إلا أن تكون صدى لحكايات الأمهات والأجداد في ليالي القرى المترعة بالنعناع البري، طفولة حافية على أرض السهول تلملم خطواتها الراعشة والعاشقة بآن معاً لتذهب في طريق راحت تطول.
ولعلّ ما يخلق حوافز الإبداع لدى الشاعر عباس حيروقة، هو أن يكون في إثر الضوء الذي يستقيه من عوالم القراءة الواعية لزمنها وتاريخها وتراثها، قراءة سوف تظل مفتوحةً لتشكل كل ما أمكنه من مرئيات مترعة بالحلم وهواجس الإبداع.
نشيد البدايات
يقول الشاعر عباس حيروقة عن بداياته إنها جاءت كمثل أية حالة في ريف بعيد نقيةً بريئةُ، فكان خروجي إلى المدينة (مصياف) في وقت مبكر، ومن ثم إلى حلب، أتاح لي الاطلاع والمثاقفة والانخراط بالجو الثقافي العام، فعملتُ على القصيدة واللغة الشعرية، وبدأت أنشر في الصحف والمجلات، والمشاركة في المسابقات الأدبية على مستوى المحافظات فالقطر ثم الوطن العربي، ونلتُ العديد منها لأخرج مشاركاً في الأمسيات والمهرجانات الشعرية في مختلف محافظات ومدن القطر.
الإبداع أرقى أنواع النشاط الاجتماعي
ولكن كيف تأتى للشاعر أن يزاوج بين المفردات الشعرية وذاكرة الزمان والمكان، وكيف ينفتح على المتخيّل والمحلوم به والمشتهى، لتعمل ذاكرته على بث تلك الصور الموقّعة بالحنين والمتعالقة مع انخطافات ذاته الشاعرة، التي كتبته على نحو مبدع، فيه من الجمال والاختلاف كقيمتين مضافتين، ما يعني غير تأويل لتلك الرحلة ومرئياتها بحواس قصائده الذاهبة إلى مطلق الشعر ومحكياته، يقول عباس حيروقة: إن ذاكرته في كل ما تدفقت به وانفتحت عليه، وذهبت إليه، هي «الكل الإجمالي» للنماذج الذهنية للواقع، والنشاط اللاحق هو الإبداع الذي يعد أرقى أنواع النشاط الاجتماعي.
إذاً يعود الشاعر عباس حيروقة إلى فطرته المؤسسة لينتج منها غير كون شعري، متواتر الحلم ومقدوداً بشغفه الممكن، ليظل في إثر كل كتابة يكثّف بها شعرية العالم، بدءاً من قريته الوادعة، ووصولاً إلى ارتطامات ذاته الواعية بالمدينة، وفي هذا المسار الذي يعني صيرورته الشعرية والمتواشجة مع شواغل كينونته يبقى للشعر فيه أن يكون قضيةً وموقفاً من العالم، على مستوى الجمال وتحسّس القضايا الأخرى، بعين رائية سوف تتصل بمفهومه للمثقف الواعي، الذي وُجد في قلب التحديات الكبرى الراهنة والمستقبلية، لطالما كان الشاعر يؤكد حقيقةً باهرةً يجهر بها على نحوٍ مبدعٍ، وهي أن الشاعر فاعلٌ إبداعيٌ ومخلوقٌ تنويريٌ تغييريٌ، ويؤكد على دلالة التنوير، بل انفتاح دلالتها بالقول: «لأننا في زمن قلب المصطلحات والمفاهيم، زمن التضليل والديماغوجية، كان لابد من الحقيقة، من الثقافة والإبداع الذي عرّفه ألكسندر روشكا بأنه من أرقى أشكال النشاط الاجتماعي، وهو ذو قيمة وأصالة وابتكار، هذا النشاط الذي هو أيضاً الشكل الأساسي لعلاقة الإنسان الفاعلة بالعالم الخارجي، الإنسان الموضوع فطرياً في حلبة الإبداع الاجتماعي».
ولكن هل كانت مأساة الأمة بأزماتها وانكساراتها ذات تأثير في الشعرية المعاصرة خصوصاً والثقافية عموماً، الشعرية المأزومة والمهزومة على أنامل الشعراء وعلى قسماتهم استهلكتها القذائف والقنابل والرصاص وشلالات الدماء؟، هل كان كل ذلك ما جعل من المبدع فصامياً غريباً بين المُثل والمثالية، والقيم المفقودة التي يعمل بوعي جمالي حضاري على تعزيزها؟.
يقول الشاعر عباس حيروقة في بيان ذلك: نعم واجب على المثقف بثّ الحمية الوطنية والقومية العربية وتعزيزها، لأنه لا يتصور حالةً إبداعيةً حتى لو اجتماعية اقتصادية سياسية تنأى بنفسها عن ذلك الشعور الخلاّق باعتزازية الانتماء للوطن والعروبة والتاريخ الحضاري، ولعلّه يذهب إلى مكاشفة ما في هذا السياق حينما يجهر بأن أشد حالات الرعب، التي تنتابه لدى سماعه من بعض المثقفين الذين حملتهم الإحباطات والانكسارات وأبواب السفارات التي وجدتْ ضالتها بهم، سماعه ذلك التحامل على الوطن بترابه ورموزه ومبادئه، حملتهم إلى طرح إيديولوجيات ونظريات تتناقض مع العرف الأخلاقي عند المواطن العادي، فكيف المثقف؟!.
ويؤكد الشاعر عباس أن من المحزن جداً أن نرى إلى يومنا هذا بعض المثقفين يترقبون رجحان كفة ما، يترقبون الأحداث بصمت وربما بخبث من دون إبداء رأي واضح وصريح، رأي يتناسب وحراكهم النقدي الإبداعي الذي عُرفوا به لعقود من خلال إصداراتهم التي تنوء بها رفوف مكتباتنا ونصوص محاضراتهم، التي شهدتها منابر المراكز الثقافية واتحاد الكتّاب العرب.
*تعزيز ثقافة الجمال والحب
هكذا هي سورية في وعي شاعر يعي أدوار الكلمة وقيمتها، وعي مثقف يعيش هاجس إمكانية إعادة القراءة النقدية العقلية لكل ما هو تاريخي، والوقوف بجدية عند الحقائق، لكنه يتساءل في أتون ذلك كله، أين المؤسسات الثقافية والإعلامية ودورها، ولاسيما أننا نعيش حرباً حقيقية بكل المعايير؟، ويستمر تساؤله حول الورش الوطنية الواجب إقامتها وإعلانها بحالة انعقاد دائم على كل المنابر الثقافية، ورش تضم كتّاباً ومفكرين ونقاداً وأدباء، وتحاول جاهدة رسم الملامح الحقيقة لما يجري في وطننا.
ربما هو دور الشاعر في الأزمنة المختلفة، الذي يعي أن خطابه الشعري هو خطاب ثقافي بامتياز، قائم على تشكيل وعيه ودوره في أشكال من الممارسة الواعية لما يعنيه حضور الوطن فيه، (شهداء هم شهداء/ قمر ينام على/ وسادة من يحب/ بلا رداء أو غطاء).
وفي استحضاره للمرأة لا يبتعد كثيراً عن رؤيته تلك حينما يقول: (يجوب بوحك أوراقي فيرعشها/ فيسجد القلب بين الماء والطين/ ويرسل الشكر للباري ويخبره/ عن حال نبضي بين الحين والحين).
ضرورات التكوين الثقافي
يقول الشاعر عباس حيروقة: لا يمكن الحديث عن الأدباء الشباب إلا من داخل ضرورات التكوين الثقافي، بدءاً من امتلاكهم التاريخ أو التراث، إذ إن قراءة التاريخ أو التراث معرفياً تمكنهم من اتخاذ مواقف جادة تجاه حركات فكرية وأدبية، وتمكنهم أيضاً من طرائق التفكر تجاه ما نحياه اليوم، والتاريخ كما وصفه ابن خلدون بأنه مخبر التجارب الإنسانية، هذه التجارب تمنحنا النتائج العملية التي تحمّل الأديب مسؤولية تعزيز وتأسيس الوعي الأخلاقي الجمالي للمجتمع ومقاومة المثبطات المتتالية، ولينأى بنفسه عن الماديات المستهلكة واضعاً نفسه مثلاً وقيماً تتربى عليها الأجيال.. فإذا كانت الطبيعة هي المعادل لما دوّنته ذاته الشاعرة فإن الوطن هو المعادل الأكبر لوعيه الشعري.
إذاً، هي صورة الشاعر حينما تتشكل في مرايا الطبيعة بكل تجلياتها ورمزياتها ليصوغها رؤيا تليق بما تصطفيه ذاكرته وحدسه ولغته على مستوى جمالي وفكري.


سطور وعناوين:


• مواليد 1972- مصياف المحروسة.
• عضو اتحاد الكتّاب العرب.
• عضو جمعية الشعر.
• عضو اتحاد الصحفيين.
• عضو جمعية العاديات.
• يكتب الشعر والقصة والبحث الأدبي.
• نال العديد من الجوائز الأدبية محلياً وعربياً في مجالي الشعر والقصة.
• صدر له: تراتيل الماء/ قيامات الفرات/ سغب الضفاف/ ماء وأعشاش ضوء/ محزونة القصبات ضفة نهرنا.
• شارك في العديد من الندوات النقدية والمهرجانات.
• في مفردات قصائده تبدو الطبيعة مكاناً يلوذ به هرباً مما يلوث طبيعة النفس الشاعرة.
• يقول عن قصيدة النثر: قصيدة النثر المتقنة جميلة ماتعة مدهشة، فأنا معها لأنها شكلت وتشكل حيزاً مهماً في حركة الشعر والإبداع، ولكني لست مع النظريات التي يحاول بعض كتّابها إقناعنا بها بشكل توفيقي تعسفي أو حتى تبريري، مثل استنفاد قصيدة شعر التفعيلة أدواتها، أو انقراض قصيدة العمود إبداعياً بالكامل، إذ يجعلون من قصيدة النثر الحامل الأساسي للشعرية العربية.
• نظرته لنتاج الأدباء الشباب يلخصها بالقول: لا مقياس محدداً لنتاج الشباب أو لمفهوم الشباب أدبياً حتى الآن، أما ما أراه شخصياً في النتاج الأدبي للشباب، هو تلك الحركة الحيوية في الأدب، ومن دون هذه الحيوية لا أتصور إلا شاهدات مقابر ليس إلا.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: