الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > ميديا > سهيل عرفة.. إرث فني وموسيقي يحفر في الوجدان والذاكرة
سهيل عرفة.. إرث فني وموسيقي يحفر في الوجدان والذاكرة

جهينة ـ خاص
شيّعت دمشق في السادس والعشرين من أيار الماضي الموسيقار الكبير سهيل عرفة إلى مثواه الأخير، والذي وافته المنية بعد صراع مع مرض السرطان، والراحل من مواليد حي الشاغور في دمشق عام 1934، ويعتبر آخر عمالقة الموسيقا وقد لحّن لكبار المطربين العرب، وخلّد التاريخ أعماله بماء من ذهب، فقد تسللت ألحانه إلى الوجدان وانتشت بها النفوس. وبعد رحيله نسأل: هل للموت أن يغيّب من نحب؟ أحقاً يمتلك الموت تلك السطوة التي يرعبنا بها أم تراه لا يقوى إلا على الجسد؟ ربما تكون له سطوة ولكن عندما يطول المبدعين تكون السطوة والخلود لما سطّروا من إبداعات يصعب على الزمن أن يتجرأ على النيل منها، فهي راسخة في عقول وأفئدة كل منا، وشكّلت ذاكرةً لامست وجدان الناس يوماً، إنها تلك الذاكرة الجمعية التي أسّس عليها أعماله لتبقى بصمته واضحةً وحضوره راسخاً، فهي التي راهن عليها بعد رحيله، فإن غاب جسداً حضُرَ إرثاً فنياً وموسيقياً يحفر في الوجدان والذاكرة.

بين الغناء والتلحين
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، وإنما اصطدم حبه للفن برفض والده الذي لم يتوانَ عن أن يكسر له العود الذي كان يعمل فترة بعد الظهر ليجمع ثمنه، كُبر وبقي حبه للموسيقا هاجسه، وتأثر في بداياته بفريد الأطرش، يقول في أحد لقاءاته: (على الرغم من أن فريد الأطرش كان في مصر إلا أن مخزونه الموسيقي سوري، كما أن الكلمات التي غناها كانت باللهجة المصرية ولكن فيها الروح والهوية سورية، وعندما تسمعها تجدها سهلةً وتنفيذها فيه متعة. ولديه ألحان وأغانٍ تخاطبنا نحن الشباب آنذاك وكأنه يتحدّث عنا) ، انتقل بعد ذلك لتعلّم العزف على العود، وعندما شارك في برنامج (ألوان) غنّى (نورا يا نورا)، فسأل المذيع المستمعين إن استطاعوا التعرّف إلى الصوت؟ فأتى 70% من الإجابات بأنه صوت فريد الأطرش.
ولكن نصيحة عدنان قريش وأمير البزق محمد عبدالكريم وحسن دكزلي بأن لديه موهبة التلحين بقيت حاضرةً في ذهنه، وكان وقتها فترة الوحدة بين سورية ومصر التي شكّلت أحد أسباب تسجيل أول أغنية من تلحينه بصوت فهد بلان (يا بطل الأحرار)، كما كانت أول أغنية لفهد بلان أيضاً فكان حينها في (الكورس)، وحدث ذلك في إذاعة دمشق عام 1958. وفي هذه الفترة كان والداه قد توفيا، وانصبّ جلّ همّه على تعلّم الموسيقا الشرقية وقواعدها والنوطة، وساعده في ذلك كلٌ من ميشيل عوض في الموسيقا الشرقية ومطيع المصري في مبادئ التوزيع الهارموني، إضافة إلى توجيهات عدنان قريش وأمير البزق، حيث كان يُسمِعهم اللحن قبل أن يُسمِعه للجنة في الإذاعة.
التراث والتجديد
الهمّ الذي دأب الراحل سهيل عرفة على العمل ضمن إطاره هو أن يكون حارساً للأغنية السورية، مستلهماً من تراثها ومحافظاً على هويتها متيقناً بأهمية التجديد فيها، فعلى سبيل المثال أول أغنية سجّلها في لبنان كانت أسطوانة (قدّك الميّاس)، كما قدّم لشادية في فيلم (خياط للسيدات) أغنية (يا طيرا طيري يا حمامة) بأسلوب العصر وإطار جديد، ونجحت واستمرت إلى اليوم.
أما الفنان الأصيل صباح فخري فكانت تربطه به علاقة وطيدة، وأول تعاون بينهما كان عبر قصيدة (حكاية شهيد) للشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود، التي تُعدّ من الأعمال الخالدة، أما التعاون الثاني فحدث في فيلم (الصعاليك) بطولة مريم فخرالدين ودريد لحام ونهاد قلعي، وحلّ فيه صباح فخري ضيف شرف من خلال أغنيتين، هما (ميلي ما مال الهوى)، و(يا مال الشام) لأبي خليل القباني وهي جملة لحنية صغيرة تتكرر عدة مرات في الأغنية بكلام آخر، والقصد من ذلك سعيه إلى تقديم الأغنية بأسلوب العصر عبر توليد جملة ثانية وثالثة من الجملة الأصيلة، وكتب لها عمر الحلبي كلاماً جديداً، وما حدث أن كلتا الأغنيتين بإطارهما الجديد (يا مال الشام) و (ميلي ما مال الهوى) احتلتا مكان القديم حتى إن صباح فخري بات يغنيهما.
ألحان طربية
قدّم الراحل خلال سني عطائه ألحاناً لأهم المطربين العرب، منهم صباح التي غنّت (عالبساطة، شِن غليلة، آخد قلبي سكارسة، مش رح اتجوز يا خالي، يا رب تشتي عرسان..)، شريفة فاضل (سكابا يا دموع العين)، سميرة توفيق (سيروا يا رجال على ما قدّر الله ..)، نجاة الصغيرة (يا غزالاً عني أبعدوك)، نجاح سلام (رمانا بحبو يا قلبي، والله لأنصب تلفون، والله يا سعدو.. قلبي غيرك ما بدو.. وخلي الحساد يجنوا.. وفخار يكسّر بعضو، روق يا عم ولا تحمل هم)، دلال الشمالي (من قاسيون أطلّ يا وطني)، أمل عرفة وفهد يكن (صباح الخير يا وطناً)، كما لحّن قصيدة محمود درويش (نحن بخير طمّنونا عنكم)، وقد وضع موسيقا الكثير من الأفلام السينمائية المهمة مثل فيلم (الفهد)، إضافة إلى المسلسلات التلفزيونية.
الموسيقا والطفل
وضع الموسيقار سهيل عرفة ألحانه على العديد من أغاني الأطفال، واشتغل عليها بعناية ودقة، وخلال لقاء سابق لنا معه تحدّث حول هذا الموضوع، قائلاً: رغم أن العديد من الملحنين يعتبرون أغنية الطفل بسيطة إلا أنها على العكس من ذلك تماماً، فهي الأصعب لأنك من خلالها تخاطب الطفل وهو لا يعرف المجاملة، فإما أن يقول لك: (نعم أو لا)، وقد قدّمت العديد من أغاني الأطفال حيث كان الشاعر عيسى أيوب يخاطب الطفل بالكلمة بينما مهمتي كانت إعطاءه فكرة الأغنية، كأن نقدم أغاني عن المهن المختلفة، ونعرّف الأطفال بها (الخبّاز، النجّار ..)، ونعطيه فكرة عن الحيوانات ولماذا سمّي الجمل بسفينة الصحراء وما ميزاته، وحرصت كموسيقي على أن أقدم في الأغاني الآلات الموسيقية الشرقية والغربية ليتعرف الطفل عليها.
يذكر أنه في عام 1999 اشتركت أغنية (يا أطفال العالم) في مهرجان (النقود الذهبية) في إيطاليا، وهي من تلحينه وغناء هالة صباغ وتأليف عيسى أيوب، ومُنِحت الجائزة للأغنية لأن فيها سحر الشرق.
محطات
(نحن كجيل كان طريقنا مفروشاً بالشوك، ومن هذه المعاناة مهّدنا الطريق للجيل الجديد..)، هذا ما أكده الراحل في أحد لقاءاته، وقال: في كتابي الأخير الذي أصدرته وزارة الثقافة باسم (النغمة والموسيقا في حياة سهيل عرفة) تحدثت فيه كيف تعبنا حتى فرشنا للأجيال القادمة دروبهم بالورد.
تم تصنيفه ملحناً في إذاعة دمشق عام 1958، كما صُنف (ملحن درجة أولى) في لبنان، وانتسب في ستينيات القرن الماضي إلى جمعية الملحنين والمؤلفين في باريس، وحدث ذلك بتشجيع من صديقه الملحن حليم الرومي، هو عضو في نقابة الفنانين السوريين منذ عام 1968، وقد حصد العديد من الجوائز والتكريم من داخل سورية وخارجها، من أهمها وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة، كما نال عام 1999 لقب موسيقار من جامعة الدول العربية.
قالوا في وداعه:
كثير من الفنانين والمبدعين أصدقاء الراحل عبّروا عن مقدار حزنهم على الحدث الجلل، وشكل (فيسبوك) متنفساً ليبثوا من خلاله لواعجهم النابعة من الصميم، حيث نعاه الكاتب والشاعر توفيق عنداني واصفاً إياه بالأخ والصديق لأكثر من خمسين عاماً، وعاد في الذاكرة إلى الوراء قائلاً: (باﻷمس وفي عام 1963 تعارفنا في دكانتك الصغيرة في السنجقدار، كنت يومها في أول الطريق مثلي تماماً، عندك تعرفت إلى أمير البزق محمد عبدالكريم وإلى محمد آيات، ومعك كانت اﻷغنية الأولى للودي شاميه « يا الله يا أهل الدار «.. استرجع شريط أربعة وخمسين عاماً قضيناها معاً لحنت لي عشرات الأغاني للعديد من الفنانين والفنانات..)، أما الكاتبة ابتسام أديب فقالت: رحل صاحب أجمل الألحان التي أصبحت تاريخاً في الموسيقا والسحر، سحرنا بأنغامه الخاصة جداً، لكنه لن يرحل من ذاكرتنا وقلوبنا.. لروحك الرحمة والسلام.
الملحن صديق دمشقي كتب (رحيل آخر عمالقة الموسيقا السورية)، بينما وصفته المطربة سهام إبراهيم بآخر العمالقة المحترمين، أما الكاتب حسن م. يوسف فقال: (ليدم ذكره العطر في قلوب الناس)، وخطّ الكاتب إلياس إبراهيم على صفحته قائلاً: (سيغيب صوتك الذي عوّدتني عليه في صباح كل عيد، سيغيب صوتك ولكنك ستبقى في القلب وسأفتقدك صديقاً كريماً ودوداً وصادقاً وطيباً ومبدعاً عظيماً)، في حين أشار المخرج العالمي أنور القوادري إلى أن الراحل يعتبر علماً من أعلام الموسيقا العربية في زمن الفن الأصيل، قائلاً: بكثير من الحزن والأسى تلقيت نبأ وفاة الموسيقار الكبير سهيل عرفة (رفيق درب والدي المرحوم تحسين القوادري).
بدوره أشار الكاتب غسان شهاب إلى مقدار حزنه، وكتب قائلاً: (ما غرسته في تربة الفن طوال حياتك سيبقى منهلاً ثراً وخالداً من الإبداع والجمال والذوق الرفيع والأصيل، وستزهر في فضاء حياتنا معاني النبل والطيبة والشهامة التي نثرتها أفعالك في حنايا أرواحنا). أما المخرج فردوس أتاسي، فقال: كتبت وداعاً للراحل سهيل عرفة ثم محوتها، فلم أجده يوفي هذا الرجل الذي دخل إلى عقول الناس وقلوبهم بحيث أصبح ممتزجاً بروحهم وذكرياتهم، نعم من يصنع مجداً لا يستطيع أحد أن ينزع هذا المجد من قلوب الناس.. أبا عادل لن أنسى ابتسامتك ومكانتك فأنت لم تطرب فحسب بل أسعدت الناس.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: