الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > تحقيقات > عريس الغفلة.. الزواجُ بالوكالة والتعارفُ عبْرَ مواقع التواصل!
عريس الغفلة.. الزواجُ بالوكالة والتعارفُ عبْرَ مواقع التواصل!

جهينة-وائل حفيان:

ظروف عدّة فرضتها الحرب على سورية التي طالت كافة مناحي الحياة، وكان الزواج حاضراً بواقعٍ مؤثرٍ، إذ أصبحت حالات كثيرة من واقعات الزواج التي تسجل رسمياً تتم بموجب وكالة قانونية عن الزوج المسافر خارج القطر بهدف الحصول على عقود زواج معترف بها وتقديمها من أجل طلب (لمّ الشمل) أو استعمالها لتسجيل أطفالهم وحصولهم على الجنسية السورية مستقبلاً، وهذا ما دفع الكثير من الشباب إلى الاعتماد على أقرباء لهم في الداخل لتزويجهم بشكل رسمي عن طريق (الوكالة)، ما جعل بعضهم عرضةً للاستغلال من قبل أشخاص يعملون تحت مسمى (مسيّري معاملات)!.
زواج لم يكتمل!
ستة أشهر زواج على ورق كانت كفيلة بخلاف بين العروسين، قالت حلا: قبِلتُ الزواج بشرط إجراء معاملة (لمّ الشمل) لكي أستطيع مغادرة البلد بشكل شرعي، مضيفة: تزوجتُ من شاب مقيم في ألمانيا بوكالة كان قد وكّل فيها والده الذي دفع لي كل مصاريف العرس والمهر، وأتممت جميع التجهيزات، ولكن بعد ستة أشهر طلب مني السفر بطريقة غير شرعية بعد أن فشل في إجراءات (لمّ الشمل)، وهذا ما لا أقبل به. وتابعت حلا: من هنا بدأت معاناتي مع أصدقائي وأهلي عندما قرر زوجي أن يطلقني عن طريق الوكالة نفسها بسبب رفضي الخروج بطريقة غير شرعية وإلزامي بدفع كل مصاريف العرس الغيابي التي أرسلها والتي تقدّر بمليون ليرة سورية.
وكالة لزواج ثلاثة!
أما أبو أحمد في العقد الخامس من عمره فقال: مع بداية الأزمة التي عصفت بسورية اضطر أقربائي وخصوصاً الشباب منهم للسفر خارج القطر ما دفعهم لتوكيلي بوكالة عامة لتسيير أمورهم، مضيفاً: إن الوكالة التي وُكّلت بها تخولني أن أزوج هؤلاء الشباب، فمثلاً ابن خالي (سعيد)، مقيم في السويد، تعرّف إلى زوجته عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وأحبا بعضهما واتفقا على الزواج، فقمت بموجب الوكالة التي وكّلني بها بتزويجه الفتاة التي أحبها، ويتابع أبو أحمد: بموجب الوكالات التي وُكّلت بها استطعت تزويج ثلاثة من أقربائي غير سعيد ابن خالي.
وأشار أبو أحمد إلى أن هناك حالات حصلت فيها عمليات نصب واحتيال على شباب لا يستطيعون إرسال وكالات لتزويجهم أو تسيير أوراق لهم بسبب تكلفة الوكالة خارج سورية، حيث يقوم أشخاص باستغلالهم بحجة أنهم يستطيعون عقد القران من دون وكالة.
6 أشهر انتظار
نجلاء ذات العشرين عاماّ قالت: تزوجتُ منذ عامين من ابن خالتي بموجب توكيل لوالده، ولكن إجراءات (لمّ الشمل) لم تُحل بعد، علماً أنني سافرت إلى تركيا وبقيتُ فترة ستة أشهر، ولم أستطع مغادرتها إلى السويد مكان إقامة زوجي فاضطررت للعودة إلى سورية، مبينةً أنه إذا لم تتمكن من السفر فسوف تطلب الطلاق بالطريقة نفسها التي تزوجت بها.
100 ألف ليرة أجور العقد!
وعن الوكالة الخارجية ومدى شموليتها وصحتها قال المحامي عز الدين: عادةً ما يحصل المحامي على وكالة تتضمن تفويضاً بالزواج من موكله المقيم خارج البلد، ومنظّمة لدى كاتب عدل، ومصدّقة أصولاً من السفارة السورية ومن وزارة خارجية ذلك البلد المقيم فيه، فبدوره يقوم المحامي بتصديقها من الخارجية السورية ومن العدلية، وتصبح سارية المفعول مدى الحياة، إلا إذا ورد عليها عزل الذي يتمّ بالإجراءات والتصديقات نفسها والحصول على الوكالة، ويأخذ إتمام عقد القران من الوقت نحو 15 يوماً، ويكلّف ما يقارب 100 ألف ليرة سورية.
زواج على الورق
ولكي يضمن الفتاة التي أحبها بعدما اضطر للهجرة بسبب الأوضاع المعيشية، قام مازن (35 عاماً) قبل سفره إلى السودان، ومنها إلى فرنسا، بتنظيم وكالة عامّة لخاله تتضمّن تفويضات الزواج والطلاق، وهكذا تزوج من سهام (23 عاماً) على الورق بانتظار أوراق «لمّ الشمل» لتتمكن من اللحاق به.
تكاليف مرهقة
يرى عمر وهو مقيم في ألمانيا أنه لا يوجد حلٌ لنا كسوريين في المغترب إلا هذا النوع من الزواج، ويقول إنه تعرّف إلى فتاة من دمشق عبر (سكايب)، وبقيا أكثر من عام على علاقة، ولكن صعوبة وتكاليف الوكالة حالت بينهما بعد أن اتفقا على الزواج، حيث اضطر للجوء إلى أحد (مسيّري) المعاملات ليقوم بإجراءات الزواج بمبلغ كانا قد اتفقا عليه ليستطيع البدء بإجراءات «لمّ الشمل» وجلبها إلى ألمانيا، ولكن هذه الطريقة لم تجدِ نفعاً لأنه وقع في فخ النصب والاحتيال، ما استدعى الانتظار حوالي خمسة أشهر إضافية لإرسال وكالة إلى والده لإتمام الزواج.
ومثله يرى جابر، المقيم في السويد، حيث يعتبر أن «الزواج بالوكالة حلٌ لا بد منه أمام انغلاق أبواب الحياة في وجه السوريين، ولا سيما فئة الشباب وعدم قدرتهم على الزواج من فتاة في أوروبا نظراً لارتفاع التكاليف التي يقوم الآباء بوضعها على من يتقدم لطلب يد ابنته».
بانتظار الفرج
أيضاً رؤى، مقيمة في دمشق، أتمّت إجراءات عقد زواجها بالوكالة عن زوجها المقيم حالياً في النرويج كما تقول، وتضيف: إنها تنتظر أن تسمح الفرصة لها لتنتقل إلى النرويج، وتؤكد أن أختها الأخرى أيضاً واثنتين من أقاربها تزوجن بالطريقة ذاتها من أقارب ومعارف في ألمانيا وتركيا ولكن من دون أن يحضر العريس إجراءات زواجه كما هو معتاد.
زواج الوكالة تهوّر
يارا طالبة علوم سياسية تفضّل العيش حياة العزوبية طوال عمرها على أن تتزوج بمثل هذه الطريقة التي تصفها بالتهور، وتتعجب من الفتيات اللواتي يقبلن بالزواج من شباب من دون أن يلتقين بهم شخصياً، متسائلة كيف ستعيش فتاة مع شخص لم تشاهده إلا كما أراد أن يكون في ساعات حدّدها للحديث معها؟، مشيرة إلى أن اللقاء المباشر يساعد المرء على كشف عيوب وخفايا الآخر، ويوافقها الرأي لؤي الذي يرى أن الزواج عبر الإنترنت فاشل لأن الخوف والشك والقلق بين الطرفين ستظل موجودة طوال سني العمر.
وكذلك لم تفلح محاولات (أم علاء) المستمرة وأمانيها بتزويج ابنها كما تشاء، فالمواصفات التي كانت تطلبها شبه خيالية ونادرة الوجود معاً، (فالبياض والشقار والعِلم والأخلاق والمال والحسب والنسب إضافة إلى تحديد وزن وطول معينين لن تجدها مجتمعة في فتاة واحدة) كما تقول، فبقيت أكثر من 10 سنوات تجوب البيوت وتطرق الأبواب بسبب نكدها وإصرارها على العثور على فتاة مطابقة لمقاييسها وأحلامها، لكنها حالياً اقتنعت بأن الزواج قسمة ونصيب، وتمنت لو أنها خطبت لابنها بنفسها، فهو (اليوم) سافر إلى أوروبا وتزوج من أجنبية لا تعرف أصلها وفصلها.
.. وانتشر بكثرة
المحامي حسان. م. العامل في مجال الأحوال الشخصية تحدّث لـ(جهينة) قائلاً: من المعروف أن الأوضاع العامة المختلفة لأي فئة سكانية تؤدي إلى تغيّر كل المفاهيم لديها، ونحن هنا لا نتكلم عن المبادئ، بل المقصود بذلك هو المفاهيم الخاصة بالشكليات العامة الناظمة للعلاقات الاجتماعية، ومنها الزواج بالوكالة الذي بات منتشراً في دمشق مثلاً بشكل كبير، حيث يتم تنظيم العقود مناصفة بين الوكالة وبين الحالة الطبيعية التي يكون فيها كلا الزوجين موجودين في مقر المحكمة، ويتبادلان عبارات الإيجاب والقبول بالشكل المتعارف عليه في تثبيت عقد القران الشرعي.
نصبٌ باحتراف
يشير المحامي عز الدين إلى أن الوكيل قادر على تجهيز جميع الأوراق المطلوبة للزواج بموجب الوكالة من إخراج قيد، تقارير طبية، موافقة شعبة التجنيد، ويضيف: قبل عدة سنوات كانت مثل هذه الوكالات قليلة، حتى إنها لم تكن معروفة بين أوساط العامّة قبل موجة الهجرة الكبيرة، والتي طالت الشباب السوري في السنتين الأخيرتين، كما بيّن عز الدين ان هناك الكثير من حالات النصب والاحتيال التي تحدث بشكل يومي بهذا الشأن، ما دفع القضاة لطلب حركة خروج لمقارنتها بتاريخ الوكالة.
الشرع أجاز
يشرح القاضي الشرعي الثاني في محكمة دمشق كمال المسكي الجانب القانوني في المسألة، فيقول لـ «جهينة»: «أجاز قانون الأحوال الشخصية الوكالة في الزواج، حيث يجوز لكل من الزوج أو الزوجة أن يوكل أي شخص في تزويجه، مضيفاً: إن المحكمة الشرعية تعتمد على قواعد إثبات في القضاء الشرعي، بمعنى إن الأمور الشرعية تثبت بالشهادة عن طريق شاهدين، وهذه الوكالة نافذة.

وفيما يتعلق بآلية عمل الوكالة، قال المسكي: لا تستعمل الوكالة في الدعوة من أجل الحضور إلا إذا كانت مصدّقةً أصولاً من مراجعها الأصولية، مشيراً إلى أن الوكالة التي تنظّم في الخارج لا نقبل بها إلا إذا تم تصديقها من وزارة الخارجية، أما الوكالة التي تنظّم في الداخل فهي لا تحتاج إلى أي تصديق من الخارجية.
وكالات مزوّرة
وعن الوكالات المزوّرة التي يتم استخدامها، بيّن المسكي أن هناك حالات كثيرة تم كشفها، ففي بداية الأمر كنا نطلب بيان مغادرة من الهجرة للتأكد من صحة الوكالة، بمقارنة بسيطة يتبين لنا أنها مزوّرة من خلال تاريخ المغادرة وتاريخ الوكالة.
(العُرفي) للقاصرات
وحول زواج القاصرات بموجب الوكالة، أشار المسكي إلى أن الزوجة عندما تبلغ تكون كاملة الأهلية فتتزوج بعقد عُرفي، وبعد أن تقطع سن الـ 13 بيوم واحد تستطيع الحضور إلى المحكمة وتثبّت زواجها برفقة ولي عنها كجدها أو والدها وفي حال عدم وجود أي منهما يبقى القرار بيد القاضي.
وعن زواج الوكالات وكيف ينظر الشرع إليها، قال المسكي: إنها صحيحة وهي مشرعنة، وبالتالي نحن نعمل ما شرّعه المشرّع، مبيناً أنه لا إحصاءات تظهر عدد الوكالات التي تتضمن تفويضاً بالزواج، إلا أنه، ووفقاً للتعامل اليومي مع قضايا الزواج في المحاكم الشرعية بدمشق، هناك الكثير من عقود الزواج ومعاملاته ودعاواه تجري بموجب تلك الوكالات.
(سكايب) صحيح
وبالنسبة لصحة الزواج عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، قال المسكي: إن الزواج عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر برنامج (سكايب) بات صحيحاً بعد أن يكونا معروفي النسب وبشهود الشهود، ويثبّت ذلك في المحكمة بشكل قانوني، مشيراً إلى أن هناك حالات كثيرة تتم بهذه الطريقة.
وأخيراً..
بين خوف من مجهول وقلق على مصيرٍ ينتظرهنّ، توافق أغلب الفتيات مستسيغاتٍ على الزواج عبر الإنترنت أو بالوكالة، ويقمن أعراساً افتراضية من دون عريس خوفاً من إدراج أسمائهن على لائحة العنوسة، ومنهن من تغادر بطريقة شرعية، وأخريات ينتظرن (لمّ الشمل) للقاء هذا العريس الافتراضي.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: