الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > الإفتتاحية > باختصار.. وبكل مسؤولية
باختصار.. وبكل مسؤولية
مع تسارع الأحداث وما يعيشه العالمُ من تحوّلاتٍ في قيمه وبناه الاجتماعية والفكرية والسياسية وانقلابٍ في مفاهيمه وأهدافه، وفي ظلّ عصر العولمة وثورة التكنولوجيا، اعتلى الإعلام بوسائله المختلفة وفي الأغلب الأعمّ من البلدان سدّة المؤثرات التي تصوغ وتصنع الرأي العام الجمعي، وبات سلطاناً على عرش “الأولويات” في المجتمعات الإنسانية المتقدّمة، وتطور مفهوم الحاجة له كسندٍ قويّ في تحقيق المصالح الوطنية والاستراتيجية لتلك المجتمعات، ومن ذلك بالتأكيد إعلامنا السوري الذي يقف اليوم بمواجهة حروبٍ بأشكالٍ عدة تتقدمها الحرب الإعلامية، ما يستدعي تحصين هذا الإعلام وتشريح مشكلاته، الذاتية والموضوعية، سعياً للارتقاء بمستوى أدواته وأدائه وخطابه وأهدافه، كي يكون بحجم التحديات التي فُرضت عليه، ولاسيما خلال السنوات الأخيرة.
إننا بأمسّ الحاجة اليوم لمراجعة حقيقية ودراسة علمية وجديّة لتحديد مكامن الخلل التي جعلت الإعلام السوري قاصراً وفاقداً في بعض الأحيان العوامل التي تزيد من فاعليته، وخاصة في ظلّ تغيير بيئي ومجتمعي ناشئ، خلّفته الحرب على سورية، ووضع العقل الإعلامي بمواجهة متغيرات خطيرة لا يملك أدوات كافيةً للتعامل معها، إذ لم تعد مهمّة الإعلام محصورةً في ردة الفعل وحسب، وإنما يجب أن يمتلك قدرةً تأثير كبيرةً وعاليةً وفق منظومة فكرية بنّاءة ومتكاملة، وخطة إعلامية استراتيجية تُبنى على أسس علمية واضحة مدروسة قادرة على مخاطبة المواطن السوري وكسب ثقته، وتفويت الفرصة على الإعلام “الأجنبي” أو المعادي للتأثير عليه، الأمر الذي يشكّل بيضة القبّان في معادلة الدولة القوية القادرة على مواجهة الأزمات، آخذة بعين الاعتبار معاناة هذا الإعلام بوسائله كافة من نقاط ضعف مهنية وتقنية ولوجستية ينبغي الوقوف عندها بكثير من التأني والمسؤولية.
لقد كثُرت الأحاديث والرؤى والمجادلات خلال الآونة الأخيرة حول صوابية قرارات ونشاطات عكست نيّة الحكومة السورية لترميم الشروخات ورأب التصدّعات التي بدت واضحةً في الجسم الإعلامي ضمن ما أُعلن عنه بضرورة بناء مفهوم جديد “متطور” ينظّم آليات العمل الإعلامي وتشريعاته، وقوبلت تلك “المقدمات” وفي جزء منها باتهامات حادة وانتقادات واسعة في الأوساط الإعلامية والمهتمة عبر العديد من المقالات والأعمدة التي حَفِلت بها الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وتتحدث عن افتقاد الحكومة الإرادة - في هذا الظرف الاستثنائي- للبدء بإصلاح جذري لمؤسّسات هذا الإعلام، وتشير إلى رغبة كبيرة لكنها لم تُترجم يوماً إلى أداء مسؤول يعي أهمية الإعلام في بناء الدول، ويحيّد معايير المحسوبية والأنانية وتغليب المصالح الشخصية، معتمداً الكفاءة المهنية والنزاهة في اختيار مُديري المؤسّسات الإعلامية ومفاصل التحرير، الأمر الذي يشير أيضاً - بكل أسف- إلى أن عامل الثقة بالأداء الحكومي تجاه الإعلام بات مفقوداً. فيما ذهبت آراء أخرى إلى أنه ورغم الحصار ومحاربة القنوات الفضائية السورية والتشويش عليها، فضلاً عن شحّ الإمكانات المادية وقلّة الكوادر البشرية المختصة والمشكلات المزمنة التي عشّشت في مفاصله، فإن إعلامنا الوطني بقطاعاته كافة، العام والخاص والمشترك، استطاع أن يواجه أعتى وأشرس حملات التزييف والتضليل وقلْب الحقائق التي مارستها وسائل إعلام موجّهة ومموّلة من قوى ودول معادية لسورية، وأن تلك القضايا – على خطورتها- لن تقف عائقاً في وجه تطوير هذا الإعلام وردم الفجوة التي نشأت نتيجة الحرب على سورية، سواء بين المواطن وإعلامه المحلي أو بين الحكومة والإعلام نفسه، معترفين جميعاً بأن إصلاح الإعلام يستلزم –كما قلنا آنفاً- معالجةً جذريةً ومراجعةً جادةً لمشكلاته لاجتراح الحلول المناسبة.
وعلى هذا، يمكن القول وباختصار شديد جداً: عندما ندركُ أن الإعلام هو معيار أساسي لقوة الدولة وهيبتها، فإن هذا يقودنا إلى وقفة وطنية ودعوة إلى أنه كي نجسرَ فجوة الثقة لابد من أن نباشر سريعاً بإيلاء الإعلام العناية القصوى، متسلّحين بإرادة صلبة وأمل الحقيقة الثابتة بأن من استطاع مواجهة هذا النوع من الحروب لا يمكن له إلا أن ينهض مواكباً أداء قيادة سياسية أثبتت كفاءتها في ابتكار أساليب المواجهة وفنونها لتحصين الذات أولاً، وتحقيق النصر على الأعداء أخيراً.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: