الأربعاء, 29 آذار 2017
مجلة جهينة > أيام معهم > د. نذير العظمة: أنا أصوات متعددة لحنجرة واحدة
د. نذير العظمة: أنا أصوات متعددة لحنجرة واحدة

جهينة-أحمد علي هلال

لأقانيمه الكبرى ما بين الشعر والترجمة والنقد والثقافة والانتماء الوطني، تعدّد وثراء، غنى وحيوية جعلت منه قارةً من الإبداع الذي ما انفكّ يخصّبه على الدوام بينابيع رؤيته، بما امتلك من غنى ثقافي رسّخ حضوره النوعي في المشهد الثقافي الفكري والأدبي، فهو ذاكرة ثقافية بامتياز، ممتدة بلا ضفاف، تماهى بأساطيره فكان الجسر الذي عبر التراث عليه إلى الحداثة، وظلّ صوتاً مفارقاً لسواه فيما بناه من عماراته الإبداعية السامقة، إنه الشاعر والناقد والمفكر د. نذير العظمة.

روح الشعر وشغف البدايات
لطالما مثّل له الشعر جاذبية ذات خصوصية راحت تتعدّد أبعادها وتتجذّر مكوناتها، منذ أن تفتّحت عيناه طالباً في احتفالات الجلاء يشارك شفوياً ويصغي للمونولوج والمسرح الشعبي، وأكثر من ذلك حينما تنبّه له معلمه باثاً فيه الرغبة بالتراث الشعري العربي، والأدل فيما غرسه معلموه في ذاته التواقة هو محبة الشعر وممارسته التي لا تستقيم إلا بالاطلاع على الموروث الشعري والإبداعي، فضلاً عن شاعريته الحاضرة والتي ساعد في تفجرّها القرآن الكريم، ومعرفته البلاغة والعروض، شاعرية أولى حضرت على مساحة أحلامه وهواجسه وهو على مقعد الدرس، ليحاكي عمر أبو ريشة ونزار قباني وسعيد عقل وبدوي الجبل، وهم معاصرون آنذاك، ولعلّ تلك المحاكاة الواعية منحته سيطرة على اللغة الشعرية والإيقاع الشعري، وقد جذبته اللغة المحكية اليومية فبدأ بنظم قصائده التي يلتقط بها نثر الحياة، يضبطها بالوزن ويقرّبها من اليومي، ليكتب قصيدة «الحارة، والبيوت الطينية»، هكذا نزل الشاعر إلى الشارع وتجوّل في الحارات ليلتصق بالواقع ويحاكيه عن قرب، وليحدث الفرق في الرؤيا شاعر مجبول من طينة هذه الأرض ومن صخر قاسيونها وندى ياسمينها، فكان احتكاكه مع الشعر ومرئياته ويومياته ولحظاته، وليكتب ديوانه المترع بشرف التأسيس بذائقة سوف تتكشف بوصفها ذائقةً نقديةً ومعرفيةً، ألهمها الواقع وألهمتها الطبيعة في تكوينات أولى، حملت صوته ليشكّل عوالمه الشعرية الأكثر انفتاحاً على الناس والتاريخ والحياة والأزمنة والمواقف والأمكنة، وأكثر من ذلك صَالحَ الموروث بالحداثة، واشتق منه صيغاً معاصرة ذهبت لاستلهام الأساطير وبثّها لابسةً أثواب الحياة بفعل دينامية وعيه، وحضور حدس الشاعر القارئ والعارف والمسكون بوجده وأصالته في غير فضاء من الرومانسية إلى الصوفية إلى الوطنية إلى الإنسانية.
تعرّف في الخمسينيات من القرن الماضي إلى الشاعر مدحت عكاش، وذلك في المعهد العربي الإسلامي، الذي درّس فيه عكاش البارع الإلقاء، ما شكّل لدى الشاعر نذير العظمة تلك الجاذبية الإضافية والتي حملته على أن يضع قصيدته «عتابا» المؤلفة من مئة بيت، سعى فيها -العظمة- إلى توليفات وموتيفات من الحياة اليومية السورية، بمفارقاتها الإنسانية ومحكيات فضائها الشعبي، لتُنشر على نفقة الشاعر/ المعلم مدحت عكاش، الذي رأى فيما اختاره الشاعر نذير العظمة من موضوعات، أنها الأكثر جدارة بالنشر لا سيما في ثنائية الحب والطبيعة، وكيف استطاع الشاعر نذير العظمة أن يحوّل اللغة المحكية الشعبية إلى شعر، أي بمعنى إنه استطاع تفجير لغة ثرية ومختلفة، ولعلّ القصيدة ذاتها كانت سبباً في تعرّف الشاعر نذير العظمة إلى الشاعر نزار قباني في بيته، لتنشأ بين الاثنين صداقة عائلية متميزة، يذكر الشاعر العظمة حكاية تلك الصداقة وخصوصيتها اللافتة حينما استلم قسم اللغة العربية في جامعة برمانة في بيروت، وكان نجل الشاعر نزار «توفيق» مصاباً بثقب بالقلب، فأوصاه بالعناية بابنه.
«فرلين» دمشق
لكن الصلة بين الشاعرين لم تأخذ الفضاء الاجتماعي فحسب، بل تعدّته لتصبح صداقة إبداعية، كانت ثمارها مشاركته في تأسيس مجلة «شعر» إلى جانب خليل حاوي ويوسف الخال وأدونيس ومحمد الماغوط، والتي كانت تكتمل بندوة أسبوعية اسمها «خميس شعر» ، يتداول فيها الأدباء الشعر والإبداع والترجمة، ومن صداقاته الإبداعية صداقته مع الشاعر يحيى الشهابي، وهو أول من نطق بكلمة «هنا إذاعة دمشق» عبر الأثير، وقد سجّل نذير العظمة أولى قصائده بصوته في الإذاعة بمعاونة الشهابي الذي خصّص آنذاك زاوية أسبوعية في الإذاعة السورية لإبداع الشباب، وبعد إلقاء الشاعر نذير العظمة الشعر في جمعية الفنون الشعبية، قال له الشاعر شكيب الجابري: اليوم وُلد الشعر في الشام... نذير العظمة «فرلين» دمشق، وهكذا اجتمعت لنذير العظمة مكونات وإرهاصات لتكتمل شعريته بفعل تجربة مديدة راحت تتفتح لزمننا الراهن.
من بيت طيني في سفح قاسيون إلى أميركا
من بيته الطيني أطلّ الشاعر نذير العظمة على دمشق ومشى في دروبها، ممتلئاً بعطر وحكايات حاراتها، فهو الدمشقي حتى الصميم، ابن جبلها وحاراتها وترابها، السابح في نهر يزيد والعامل في الحريقة وسوق الهال والبزورية، وعاش الحياة الشعبية بكل تفاصيلها، فضلاً عن أن المرأة في شعره كان لها حضور كبير، فهي المرأة العاشقة والمرأة التي لا يستطيع امتلاكها.  كما أن موروثه الصوفي لدى عائلته من جده أورثه ماهية الفكر الصوفي ليصبح بالنسبة له أكثر اتصالاً بالينابيع الروحية واكتشاف الذات، وليظل يردّد أنا شاعر ودمشق هي قبيلتي، وتردد في مراهقته على حلقات الشيخ أحمد كفتارو، ومارس الفكر الصوفي في التأمل، وكان ذلك هو الخيط الأول الذي ساهم في بناء شخصيته الشعرية، التي عززت صلته بالشعر الإنكليزي وبالشاعر وليم بريك، الذي ترجّم له قصائد «التجربة  والبراءة»، وألقى ذلك في «خميس شعر» في بيروت، لتبدأ آفاقه إلى العالمية، بذهابه إلى لبنان وتعاقده مع مدرسة الكويكرز حيث أصبحت الطريق ممهدة للذهاب إلى أميركا، ليدرس ويعمل فيها ويكتسب لشخصيته غير بُعد حيوي، وليعود إلى دمشق مرة أخرى ومنها إلى بيروت ليكون مع المقاومة بخطوط الميدان، ليكتب هناك مجموعته الجديدة بعنوان «سيدة البحر»، وظلّ في بيروت عامين أثناء حصارها، ويعود مع السفن التي حملت المقاتلين العرب، ويلقي الكثير من قصائده التي سعى من خلالها إلى رفع معنويات المقاومين من خلال قصائده الوطنية النابضة بالحماسة والحس الوطني العالي.
ما بين الناقد والمبدع
تذهب بنا قصة الإبداع لدى الشاعر نذير العظمة إلى تخوم بعيدة، هي علاقته بالمخزون والتراث، تلك العلاقة التي وجدت معادلها في الإبداع، لكن سُلْطةَ الناقد داخله كانت تضبط إيقاعها ليتمكّن من كتابة قصيدة كاملة من دون أن يرجع إليها ويبدّل في كلماتها، وكما يقول: التكوين الإبداعي لديه يخلق قصة الرقابة الإبداعية، فالإبداع لا يأتي من فراغ، وهذا الموضوع عاناه الشعراء الكبار في أوروبا وغيرها، ولا يمكن أن يكون هناك إبداع شعري من دون أن تُعَمّر الذاكرة من نماذج من تراثك ومن التراث الإنساني، وأن تكون تجربتك غنيةً معناه أن الإبداعات تنبض من قلبك ومن وجدانك، وليس محاولة لمحاكاة نماذج وتجارب لأحد غيرك.
رحلات في الحياة انفتحت على فضاءات وأزمنة وأمكنة ولغات وثقافات كان بينها د. نذير العظمة أكثر من جسر وأكثر من أفق، فمن دمشق وعراقتها وتاريخها كان كطائر السمرمر يحلّق في أمداء واسعة شكلّت لديه حضورات ثقافية وإناسية وفكرية، فضلاً عن أن قصة الإبداع التي كتب سطورها بتجربته ووعيه امتدت إلى العالم الآخر لتكثّف فهمه للإبداع بفعل ذائقة عالية وحساسة لطالما كان يردد: كتبت كل الأشكال، كما أضفت اللغة المحكية وأضفت أيضاً القصيدة المدورة وهي على البحر الخفيف، وأحياناً لا يوجد في البيت صدرٌ وعجزٌ، ويصبح الصدر والعجز واحداً والإيقاع هنا يحدث جرياناً، ألغيت القافية وجعلت القصيدة كأنها روح واحدة، ولذلك كانت قصيدته «عشر شموع» هي ابتكاره لذلك الشكل الجديد من الشعر، والذي منح فيه حريةً للجملة الشعرية، وسكباً متقناً لتصبح الكتابة لديه هي وعي العالم، لكنه في مكابداته كان المتحدّي للصعاب والمتقحّم لها، حتى لو ذهب شهيداً وهو القائل: دمي مقاومة وروحي قومية.
هوية حضارية
في مواجهة الغرب وتياراته لم يكن نذير العظمة سوى الواقف على أرضه الصلبة من موروث عريق وتاريخ وقومية وهوية حضارية، فدمشق هي مهد الحضارات ومنها خرجت الأبجدية، وهي من ظلّت في قلبه ووعيه ودرسه الأعلى، ومازالت دمشق تنبضّ في وجدانه، في مساءات عمره كقصيدة تكتبه، فهي أيقونته أنّى ذهب وارتحل، شأنه في ذلك شأن بُناة العالم الذين يمنحون أعمارهم للحياة شهوداً عليها في صيروراتها وفي انكشافها لمبدع خَبِرَ الجمر ومشى عليه طوعاً، وأصبح كثافة دمشق في مرايا العالم.
نذير العظمة في سطور وعناوين:

• د.نذير العظمة مواليد دمشق 1930.
• من مؤسسي وروّاد مجلة «شعر» إلى جانب المبدعين العرب.
• لعب دوراً مهماً في تطوير القصيدة الحديثة وعروضها الجديدة.
• تخرّج في الجامعة السورية عام 1954، ومارس التعليم والنشاط الثقافي في الشعر والنقد والمسرح والفكر السياسي حتى عام 1962.
• أكمل دراساته العليا في الجامعات الأميركية في بيروت والولايات المتحدة، وحصل على الماجستير في الأدب الإنكليزي، والدكتوراه في فلسفة الأدب، ودرّس في جامعة هارفارد وجورج تاون وإنديانا.
• درّس الأدب الحديث والمقارن في لبنان والمغرب والسعودية حتى عام 2001.
• من مجموعاته الشعرية (عتابا، جرحوا حتى القمر، اللحم والسنابل، نواقيس تموز، طائر الرعد، الطريق إلى دمشق، جراح من فلسطين، جسر الموتى، أور تبحث عن جلجامش)، وله الكثير من المسرحيات الشعرية والنثرية والدراسات النقدية والترجمة أهمها: المعراج والرمز الصوفي، سفر العنقاء، حفرية الأسطورة، ورواية بعنوان (الشيخ ومغارة الدم).
• قال إبان ترشيحه لوزارة الثقافة: اتركوني للشعر والثقافة وخذوا كل المجد، فأنا حصلت على مجد ثقافي وإبداعي من مختلف أطيافه وجوانبه.
• قال في ذكرى رحيل الشاعر نزار قباني: هو شاعر مبدع وأضاف إلى الحركة الشعرية الكثير، فشعره في المقاومة هام، إذ شكّل رافعة للنضال، وشعره في المرأة متميز والأجيال الحديثة ترغبه، فصوره سهلة ولغته سهلة مؤثرة تعبّر عن الحواس. وعن محمود درويش قال: عاش في ميدان المقاومة وعاش التجربة بكل ما فيها، لكنه استفاد من حركة الحداثة الشعرية، وينقل عنه قوله الشهير: لا أريد أن تحاسبوني على كيفية خدمة قصيدتي للمقاومة، فقصيدتي جميلة بذاتها.أما الشاعر أدونيس فقال عنه: هو شاعر وناقد مفكّر في آن معاً، لكن الصناعة الشعرية عندماتزاحم الرؤية والتجريب تلعب دوراً سلبياً وإيجابياً، لكن أدونيس استطاع أن يعبّر عن الإنسان بطريقة أدونيسية. أما سليمان العيسى فقال عنه: بقي لصيقاً بالقصيدة العمودية رغم تجديده في الصياغة، وهو شاعر كلاسيكي جيد،  وأعطى للقصيدة الكلاسيكية صورة حديثة، كما بدوي الجبل
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: