الجمعة, 26 أيار 2017
مجلة جهينة > زوايا > دفاعاً عن الاختلاف
دفاعاً عن الاختلاف


كلما استمعت إلى أغنية «وقت الشبه محتل الكل» التي كتبها ولحّنها المبدع اللبناني نديم محسن عام 1998، تزداد كراهيتي للنمطية في كل شيء، ولا ألبث أفكر ببعض تلك الأنماط، حتى أشعر نفسي، فجأةً، كأنني داخل «مدجنة» تعمل على تفريخ آلاف الصيصان المتشابهة والسيئة النوع، ليس فقط من ناحية الشكل، فالـمقارنة بين الـ«شلفون» البلدي وكتاكيت المداجن، أشبه بالمقارنة بين فلاح مفتول العضلات بحكم العمل بالأرض ومناكفة عُقَدِ التُّراب، وبين شاب يُريد أن يُصبح مثل «جاسن ستيثمن» بمجموعة إبر هرمونية، بحيث إنه قد يمتلك الشَّكل إلى حين، لكن جذوة القوة لديه ستكون خائرة، ورُبَّما يسقط في النِّزال من أول جولة، ومن دون ضربة قاضية.
هذا بالضبط ما نشاهده على الفضائيات من «تفريخ» كتاكيت الفيديو كليب، وديكة البرامج السياسية، ودجاجات المسلسلات العاطفية، ويتعدى الموضوع الفضائيات ليدخل في كل تفاصيل حياتنا، من الملابس وتسريحات الشعر والماكياج، إلى أسلوب التحية ووجبات الطعام ووسائل الترفيه، إلى نمط التفكير وطرائق التعبير، وحتى شكل الأبنية والمحلّات واللافتات وغير ذلك الكثير، لدرجة بات من المستغرب معها هذا الكمّ من الاستسلام للنمطية، وعدم القدرة على تجاوز بشاعة التَّماثل، وكأن هناك رغبة دفينة بالاتكاء على من أُسمِّيهم «مُهندسي العدم»، فالاختلاف يُحقِّق حيويةً وبهاء من نوع خاص، في حين أن التشابه يُكوِّر الأشياء في برودة الفناء، حيث يخبو كل بريق للحياة بحُكم التكرار.
 هناك «إهمال جماليّ»- إن صح التعبير- على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع ككل، وإلا ما الذي يُبرِّر كل هذا التكاسل وعدم الرغبة بالخروج من «المدجنة» الأثيرة؟ رغم معرفتنا بأن تعزيز تلك الأنماط الإعلامية والثقافية والاقتصادية والمعرفية والفكرية، لا يتم بطريقة طبيعية، وإنما عبر حقن منتجاتها بالهرمونات العضوية الضّارة، لتصير سلعة لها سوقها والراغبون باقتنائها، وكذلك المدافعون الشرسون عنها، رغم علمنا المُسبق بأن ترسيخ التشابه يتضمن في ثناياه تعزيزاً للموت، بصيغة أو أخرى، أو لنقل دفناً لأهم موازين الحياة وهو «الاختلاف».
الحديث هنا يقودني إلى فيلم «الجدار» لكاتبه «روجر واترز» ومخرجه «آلان باركر» والمشهد الذي يسير فيه طلاب مدرسة ابتدائية، على وجوههم أقنعة متشابهة، إلى ماكينة «الفرم»، هذه الرؤية السينمائية السريالية تناهض التلقين، وتكوين أنماط إنسانية متماثلة في شكلها وطرائق تفكيرها، والتي تؤدي إلى ما يشبه «المرتديلا» البشرية أو «النقانق» الفكرية، فيها لحوم رديئة مع بهارات قوية تُضيِّع النكهة. فمن منّا لا يُفضِّل الخيار «البلدي» على «البلاستيكي» مثلاً؟ ولماذا نتقبَّل شِفاه وخدود السيليكون التي تُشبه «عمود كهرباء مُتَغَضِّن» بحسب قول الشاعر الراحل «رياض الصالح الحسين»، ولا ننحاز إلى الوجوه «المورِّدَة» لأمهاتنا وجدَّاتنا التي ما برح آباؤنا وأجدادنا يتغزَّلون فيها؟ ثم لماذا كل ذاك الانجرار وراء التقليد الأعمى لصَرعات الغرب، كـ«تبويزة البطّة.. Duck Face»، وغيرها من مظاهر تَصِل بنا حدَّ القرف، وخاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشرها بغزارة؟ بمعنى أليس من جمال الكائنات الحفاظ والدفاع عن حقيقتها بدل تشويهها وتعديل جيناتها ثم تسليعها وبيعها كنمط رديء؟ ثم ما الأجدى والأقلّ ضرراً على المجتمع، الشّبَه أم الدفاع عن التميُّز والخصوصية والإبداع؟ هذا السُّؤال برسم كل من يعتبر نفسه إنساناً، وليس مُجرَّد فرد في قطيع يُساق كل يوم إلى «مذبحة الشَّبَه المحتلّ
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: