الجمعة, 26 أيار 2017
مجلة جهينة > ميديا > عندما يترجّل الكبار .. ملحم بركات .. الصوت الذي لا ينطفئ
عندما يترجّل الكبار .. ملحم بركات .. الصوت الذي لا ينطفئ

جهينة ـ خاص.
هل للموت أن يغيّب من نحب؟ وهل لمبُدِعِ حُفِر نِتاجُه في قلوب الملايين أن يتجرأ عليه الموت، ويمحو وجوده بمجرد أن (قلبه توقف عن الخفقان)؟ أحقاً يمتلك الموت تلك السطوة التي يرعبنا بها أم تراه لا يقوى إلا على الجسد؟

   ربما تكون له سطوة وجبروت ولكن عندما يطول المبدعين تكون السطوة والخلود لما سطّروا من إبداعات يصعب على الزمن أن يتجرأ على النيل منها، فهي راسخة في عقول وأفئدة كل منا،  فقد شكّلت ذاكرة دغدغت أحلام الناس يوماً، ولامست أفئدتهم، ورسمت الابتسامة على ثغورهم، إنها تلك الذاكرة الجمعية التي أسّس عليها أعماله لتبقى بصمته واضحة وحضوره راسخاً في المجتمع، هي التي يراهن عليها بعد رحيله فإن غاب جسداً حضر إرثاً فنياً وموسيقياً يحفر في الذاكرة عميقاً.

 هكذا هي حال الموسيقار ملحم بركات الذي غيّب الموت جسده بعد مسيرة فنية وإنسانية غنية، أعطى فيها بلا حدود، لكن سيبقى ما خلّفه من أعمال قصة تشهد على حياة كاملة عاشها بألمها وفرحها وحزنها وتعبها، ويبقى له مكان من الصعب أن ينال منه الصدأ يوماً مهما مرّت عليه السنون.. وبفقدانه اليوم نكون قد خسرنا أحد أعمدة الموسيقا العربية الذي استطاع التسلل إلى وجدان كل العرب، إذ استقبلوا أعماله بالحب نفسه الذي قدّم خلاله موسيقا وأغاني لامست شغاف القلوب.

 

ـ أغنيته الأخيرة,,  

   بعد صراع مع المرض ضعُفت عضلة القلب, ولم تجدِ معها نفعاً محاولات الإنعاش فما لبثت أن توقفت عن الخفقان، فترجّل عن صهوة جواده تاركاً علامات الحيرة في العيون، لقد رحل عنا الموسيقار ملحم بركات إلى ديار الآخرة بعد ظهر يوم الجمعة (28 تشرين الأول 2016) عن عمر يناهز الواحد والسبعين عاماً (1945 ــــ 2016)، حيث توفى في مستشفى (أوتيل ديو) تاركاً وراءه محبة كبيرة في الوسطين الفني والشعبي.

   إن تدهور حالته الصحية استوجب دخوله إلى العناية المركزة في المستشفى فلم يتحمل جسده جرعات العلاج الكيميائي لمرض السرطان الذي استطاع النيل منه غدراً، وخلال هذه الفترة كثرت الشائعات حول وفاته، وخاصة أن حالته الصحية وصلت إلى مرحلة حرجة بعد اكتشاف إصابته بمرض السرطان، لا بل إن هناك مواقع إخبارية تناقلت خبر الوفاة وكان لايزال على قيد الحياة، لكن الشائعة تحوّلت اليوم إلى حقيقة برحيله.

  كان الراحل يعيش أغانيه وموسيقاه حتى اللحظات الأخيرة، فأثناء وجوده في المستشفى وقبل وفاته بأسابيع قليلة آثر الذهاب وإحياء حفل رغم ألمه، كما نقل أصدقاؤه صورة الأيام الأخيرة من حياته داخل المستشفى بأنه كان دائم الابتسام والموسيقا لم تفارقه أبداً، حتى إن الشاعر (طوني أبي كرم) أوضح خلال حديثه لإذاعة (أغاني أغاني) أنه أسمع الراحل في المستشفى كلمات شعره فلحّنها الموسيقار فوراً، مؤكداً أن هذه الأغنية التي قام بتسجيلها داخل غرفة المستشفى على هاتفه سيغنّيها الفنان فارس كرم، وهو الأمر الذي أكده الشاعر نزار فرنسيس فيما بعد، في حين قال الفنان فارس كرم خلال لقائه مع الإعلامي نيشان على قناة (mtv): إن في جعبته أربعة ألحان بصوت ملحم بركات سترى النور قريباً، مشيراً إلى أن ذلك يعدّ نعمة كبيرة بأنه ترك له ألحاناً بصوته، وفي البرنامج نفسه كشف الفنان إيلي أيوب أنه قبل أسابيع من وفاته وهو في المستشفى لحّن لماجدة الرومي أغنية من كلمات نزار فرنسيس.

 

ـ مثواه الأخير..

  موكب مهيب ينوس بين جلال الموقف وعمق الحزن الذي أصاب القلوب على فقيد لن يتكرر،  خلّدته ألحانه وموسيقاه، وما إن أشيع خبر الوفاة حتى بدأت التحضيرات لموكب الجنازة، فرحلة الجثمان تمتد من مستشفى (أوتيل ديو) إلى الكنيسة فمسقط رأسه، ثم مدافن العائلة. 

  وما إن وصل النعش إلى كنيسة مار نيقولا تتقدمه صورة كبيرة للراحل كُتب عليها (بخاطركن) حتى استُقبل برش الورد والأرز، وفي الكنيسة التي امتلأت بالمشيّعين من شخصيات رسمية وفنية وشعبية ومن محبيه وأهله وأصدقائه، وبعد صلاة الجنازة ألقى المطران إلياس عودة كلمة تأبينية، مشيراً إلى مناقبه: (ملحم بركات لم يكن يحتاج إلى ألقاب، اسمه صنو الفن والإبداع، موسيقاه زرعت الفرح في القلوب، وألحانه أطربت الجميع)، كما ألقى الشاعر نزار فرنسيس قصيدة رثاء لصديق عمره.. وفي موكب مهيب نُقِل الجثمان إلى بلدته (كفرشيما) التي زينت بشرائط بيضاء، ورفعت فيها لافتات سوداء كتب عليها (العظماء لا يموتون)، وعلت عبر مكبرات الصوت أغاني الراحل، ثم حُمل على الأكتاف في رحلته الأخيرة من مفرق (كفرشيما) وصولاً الى مثواه الأخير، حيث وُوري الثرى في مدافن العائلة بكنيسة القديسين بطرس وبولس.

  وقد نعى وزير الثقافة اللبناني ريمون عربجي الفقيد قائلاً: " برحيل ملحم بركات تغيب قامة فنية مشرقة في عالم الغناء والموسيقا والتمثيل.. شاهدناه على الشاشات، سمعناه طويلاً، صوتاً، أداءً طربياً متميزاً أثرى حفلات لبنان وبرامج التلفزيون، تألق مع الرحابنة، ومنح أصوات المطربات والمطربين في لبنان موسيقا متجددة وألقاً طربياً ساحراً". كما أصدرت نقيب الفنانين المحترفين في لبنان شادية زيتون دوغان بياناً نعت فيه الراحل، جاء فيه : " كبير هو في عطائه الفني، ملحم بركات سافر اليوم الى دنيا البقاء، تاركاً لنا ثروة من روائع الألحان ليبقى أبداً حياً في تاريخ أسرتنا الفنية والوطن لبنان".

ـ سورية في القلب ..

   كان يعلو صوته دائماً منتصراً لكلمة حق ومواقف لم تثنه عنها العواصف العاتية، حمل في قلبه الودّ والوفاء لسورية، واستشعر بوصلته التي احتكمت لميزان الأخلاق والمعرفة والثقافة، فسورية التي احتضنته أربعة عشر عاماً بحب كبير بادلها الحب نفسه، وعبّر عنه في أكثر من مناسبة، لا بل جاهر به حتى في أحلك الأوقات غير آبهٍ بالظروف والضغوط، وغنّى لها أجمل الألحان، يقول في تصريح لإذاعة (سورية الغد): " إن شاء الله يكون الغد من أحلى الأيام لسورية،  ويعيش الشعب السوري أسعد حياة في الدنيا، لأنه شعب طيّب، أتمنى له الخير".

 وتحدّث الراحل أكثر من مرة  عن الحالة الصعبة التي مرّ بها خلال فترة الحرب الأهلية في لبنان وانتقاله إلى سورية، حيث كانت انطلاقته منها لأن فيها مجالاً أوسع للفن، ففي برنامج عرض على قناة (otv) اللبنانية قال: (سورية بلد العروبة وبلد الخير والعطـاء، احتضنتني أربعة عشر عاماً وشهرتي بدأت منها)، وهو لا ينسى فضلها عليه، وغنّى لها أغنية بقيت في الوجدان بعنوان (حبّوا سوريا حبّوا .. حبّوا أسدها حبّوا).

وفي حديثه عن الأوضاع في سورية أكد أنها قوية، مشيراً إلى أن تنظيم (داعش) الإرهابي يصبّ في مصلحة (إسرائيل)، وفي أحد حواراته الصحفية شدّد على أن الفنانين لم يلمسوا سوى الخير من سورية التي تحبهم وهم يبادلونها الحبّ بحب مثله.

  والراحل ملحم بركات فنّان وطني أحبّ وطنه، وتغنى به من خلال عدة أغانٍ، وعاش هذا الشعور قولاً وفعلاً، فعندما تعرضت بلدة (القاع) في لبنان لهجمات إرهابية حمل السلاح مبدياً استعداده للدفاع عنها.

 وحول حزب الله قال في برنامج (المتهم) الذي قُدم على قناة (lbc) : (حزب الله هو الأقرب إليّ..  لقد حرّر البلد)، مشيراً إلى أن سورية ساعدت حزب الله بمعارك كثيرة ضد (إسرائيل).

 

ـ مسيرته وبداياته..  

  ملحم بركات من مواليد لبنان (كفرشيما) 15 آب 1945، بزغت موهبته الأصيلة منذ نعومة أظفاره، فكان في غياب والده النجار يستعير عوده ليدندن عليه، حتى باتت الموسيقا بالنسبة إليه عشقاً وهوى، وسرعان وما ترجم هذه الموهبة موسيقا تطرب لها الآذان، وأول ما اختاره كان أغاني محمد عبد الوهاب لتكون بداية ما يقدم، حيث تأثّر به كثيراً في تلك الفترة،  كما غنّى لأم كلثوم، حتى بات اسمه في بلدته بين رفاقه (مطرب الضيعة)، أما شرارة الانطلاق في التلحين  فقد ظهرت حين قام بتلحين وتأدية كلمات أخذها من إحدى الجرائد اليومية في حفل مدرسي،  وأول لحن قام بتأليفه هو نشيد مدرسته، وما لبث أن أثنى الموسيقار حليم الرومي على موهبته عندما سمعه، وحين بلغ السادسة عشرة فضّل أن يترك المدرسة خفية عن والده ليلتحق بالمعهد الوطني للموسيقا (الكونسرفاتوار)، حيث كان يخبّئ كتب المعهد في كيس ورقي يخفيه أمام مدخل منزله، وعندما علم والده بالأمر تقبّل ما فعله ابنه، وبقي ملحم بركات أربع سنوات في المعهد يدرس (الصولفيج) والغناء الشرقي والنظريات الموسيقية والعزف على آلة العود، ولكنه ترك المعهد قبل إكمال دراسته فيه، وعندما شارك في برنامج تلفزيوني للمواهب الناشئة أثار اهتمام كبار أهل الفن الذين اختبروه، وأجمعوا على أنه يمتلك طبقات صوت كاملة وموهبة أصيلة.

  وبدأت في تلك الفترة من حياته مرحلة عمله مع الرحابنة، حيث انضم إلى فرقة الأخوين رحباني، وبقي فيها مدة أربع سنوات لينطلق بعدها باحثاً عن أفقه الخاص محاولاً تكريس هويته الفنية وشخصيته الموسيقية، وفعل ذلك بناءً على نصيحة ابن بلدته فيلمون وهبي الذي نبّهه إلى خطورة البقاء ضمن عباءة الرحابنة، لأنه في هذه الحالة لن يصل إلى الشهرة التي يطمح إليها، فجعل تعامله معهم ضمن إطار طلبهم، وبالتالي فرض نفسه شريكاً فعلياً، وكان قد شارك في العديد من مسرحيات الرحابنة، فأول مسرحية لعب دور البطولة فيها إلى جانب سلوى قطريب كانت (الأميرة زمرد) 1976، وفي عام 1984 قدّم مع رونزا مسرحية (الربيع السابع)، ومن ثم (ومشيت طريقي)، ومن المسرحيات التي شارك فيها فيروز (أيام فخر الدين) و(الشخص) و(يعيش يعيش) و(هالة والملك).

 أما البداية في الغناء فكانت من خلال أغنية (الله كريم) كلمات توفيق بركات وألحان فيلمون وهبي الذي لحّن له أغنيته الثانية (سافر يا هوا) كلمات مصطفى محمود، أما أول ألحانه فكان لأغنية (بلغي كل مواعيدي) التي قدّمها مع جورجيت صايغ وحققت حضوراً لافتاً. وقد تعاون ملحم بركات مع روميو لحود، وشارك في مسرحيات لصباح (الفنون جنون) و(حلوة كتير)، ومما قدّمه خلالها من أغاني هي (ليش لهلّق سهرانين، المجوّز الله يزيدو، صادفني كحيل العين)، وعبر مسيرته قدّم ألحاناً للكثير من المطربين، منهم: وديع الصافي، صباح، سميرة توفيق، ماجدة الرومي، وليد توفيق، باسكال صقر، ربيع الخولي، وغسان صليبا.. كما خاض تجربة التمثيل السينمائي من خلال فيلم (آخر الصيف) عام 1980، وفيلم (حبي لا يموت) عام 1984، وفيلم (المرمورة) 1985، وبلغ رصيده ثلاثة عشر ألبوماً وأكثر من مئة وسبع أغنيات.

نال ملحم بركات العديد من الجوائز والأوسمة خلال مسيرته الفنية، وشكلت العديد من أغانيه فيصلاً وقت إطلاقها، وامتلكت أسباب ديمومتها وتفرّدها، فهو يعدّ (سابقاً لعصره) ومجدّداً في الأغنية العربية واللبنانية، لم يغنِ إلا باللهجة اللبنانية، وكان لا يفضّل تسجيل أغانيه ضمن الاستوديو وإنما في حفلاته، لأن تفاعل الجمهور يحرّضه كل مرة ليقدم الأفضل والمختلف
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: