الأحد, 26 شباط 2017
مجلة جهينة > الإفتتاحية > ترامب في قيادة المرحلة "الواقعية"!
ترامب في قيادة المرحلة "الواقعية"!
 

على الرغم من الكمّ الهائل لتحليلات المسؤولين الغربيين وتصريحاتهم التي تحذّر، في مجملها، من أن وصول المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة الأمريكية سيجرّ معه الويلات على الاقتصاد والسلام العالميين، إلا أن من البديهي القول: إن الانتخابات الأمريكية لم تكن يوماً ديمقراطيةً ونزيهةً حتى تكون منافسةً بين الخير والشر، وإنما هي صراع مشاريع جاهزة يتحكّم بوصولها إلى دائرة التنفيذ المصالح الأمريكية والمناخ الدولي، وتتجلّى تلك المنافسة بمن هو الأقدر على تنفيذ مشروع المرحلة المقرّر سلفاً، ولولا ذلك لما جاء جورج بوش الابن غير المؤهل  إلى الحكم ليقود حرباً "مجنونةً" خارج إطار الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، حرب أدخلت العالم في دوامة من العنف، ورفعت شعار "أمريكا الثور الهائج" ومن الحكمة تفاديه، ولما جاء باراك أوباما الرجل الأسود في مرحلة التقاط الأنفاس ليقود مرحلة تنفيذ المشروع الأمريكي بالوكالة، تحت يافطة ما سمّي "الربيع العربي" لتفتيت منطقة الشرق الأوسط.

وفي سجالات الحملة الانتخابية لاختيار قائد المرحلة المقبلة، كان المشروع المتنافس عليه _قيادة أمريكا_ في منعطف خطير وحاسم سيحدّد شكل العالم القادم الذي ستكتمل خرائطه بالتراجع الأمريكي في سورية، والتوجّه نحو الخليج، الأمر الذي تعجز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون عن القيام به، فكان انتخاب رجل تلك المرحلة "الواقع" دونالد ترامب.

بحسب التقديرات والتوقّعات الأولية سيشكّل وصول ترامب نقطة تحوّل كبيرة في عملية إرساء خريطة ثابتة للمنطقة لمئة سنة قادمة، في ظلّ بروز قوى إقليمية ودولية شكّلت واقعاً لا يمكن تجاهله بعد اليوم، وخاصة أن وصوله إلى الرئاسة سيرفع حظوظ إبطاء إيقاع مشاريع سابقة في ظلّ الانعطافة الأمريكية التي أصبحت ناضجةً باتجاه مشاريع أخرى.

ووفقاً لما أعلنه ترامب، تبدو الجولة القادمة في معركة القرن للشرق الأوسط والمنطقة، التي كادت تتحول مراراً إلى حرب عالمية ثالثة، تحكمها "الواقعية"، فروسيا الاتحادية لا تلوّح كلامياً فقط، وإنما أسلحتها النووية جاهزة في أية مواجهة محتملة، فيما على الخليجيين الاعتراف بإيران قوةً إقليميةً، كما ينبغي عليهم محاربة الإرهاب بدلاً من إقناع الرئيس الأسد ب«الرحيل».

مما لاشكّ فيه أن رياح الانتخابات الأمريكية، جاءت على عكس ما يتأمله الخليجيون الذين قادوا أكبر حملة مالية وإعلامية ضد المرشح الجمهوري دونالد ترامب، بما يمثّل من مشروع قضّ مضاجعهم، وبرزت ملامحه خلال حملته الانتخابية، وها هي نتائج الانتخابات تتردّد صداها في عواصم المراهنين على فوز هيلاري كلينتون، مع الانتصار المدوّي للمشروع القائل: "عليكم أن تدفعوا كل ما لديكم.. وأن الخريطة الحالية والمراكز المالية لم يعدْ مقبولاً بقاؤها كما هي الآن"!.

إنه مشروع الربيع الخليجي الذي دخل حيّز التنفيذ مع وصول من يمثله إلى سدّة الرئاسة، أبرز سماته الابتعاد الأمريكي عن جماعة «الإخوان المسلمين» في المنطقة بعد فشل مشيخات الخليج وتركيا في الوصول إلى النتيجة المرجوة، على الرغم من الدعم المطلق وتلزيم أمور المنطقة لهم كحكام «أقوياء» بما يريح رأس واشنطن، إذ قال مستشار الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب في ذلك: إن الأخير يرى جماعة الإخوان من أخطر الجماعات التي تغذّي الفكر الإسلامي الجهادي المتطرف، لذا فهو يسعى لتوجيه ضربة عسكرية للتنظيم الإخواني، وليس احتواؤه سياسياً، مثلما فعل أوباما وهيلاري كلينتون إبان وجودهما في البيت الأبيض.

إذاً، انتصار ترامب هو إعلان لبداية المشروع الخليجي الذي طرح له عنوان "إن السعودية ستكون في ورطة كبيرة قريباً، وستحتاج إلى مساعدتنا.. لولانا لما وُجدت وما كان لها أن تبقى، وحتماً ستزول في حال تخلّي أمريكا عن دعمها". من هنا يجدر القول: إن من عليه القلق الآن هم أصحاب شعار "الاعتدال" رغم إعلانهم تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهم من حرصوا لعقود على جعلها طيّ السرية والكتمان، وهذا ما يكشف عمق المأزق السعودي المتحسّس لنهاية باتت قريبة جداً.

الآن، سوف يدرك حكام الخليج _وإن متأخرين_ أنهم هُزموا، وقد جاء رجل من بلاط سادتهم يعلن  صراحةً أن الحلف المقاوم في سورية هو الأقوى، والبقاء للأقوى، كما جاء ليعلن أيضاً أن تلك المشيخات ليست إلا "بقرةً حلوباً" متى جفّ ضرعها ستتحوّل إلى وليمة سهلة، والعنوان الرئيسي: لو لم يجفّ "حليب" أولئك الحكام لما أتى ترامب إلى سدة الرئاسة في هذا التوقيت بالذات.

أما في سورية، التي شكّلت أحد أبرز ملفات الحملة الانتخابية، فلا نقول: إن سورية جاءت بترامب رئيساً للولايات المتحدة، وإنما لا يمكن إغفال أن الصمود الأسطوري للسوريين جيشاً وشعباً وقيادةً قد ساعد محور المقاومة برمته على التصدّي للمشروع الخليجي _ الصهيوني في المنطقة. وها نحن اليوم نشهد اتساع جبهة المنضوين تحت رايته عبر التنسيق الأمني والعسكري مع الحكومة العراقية، وهو ما كان يزعج مشيخات النفط في الماضي، الذين زجّوا بعصاباتهم الإرهابية المسلحة، ودفعوا الكثير من الأموال في سبيل تأجيج الخلافات بين سورية والعراق، فضلاً عن بروز التعاون السوري _المصري في الحرب على الإرهاب، وانعتاق القاهرة من الشِبَاك السعودية لرميها إلى ضفة العداء لسورية، الأمر الذي أدركه جيداً الرئيس السيسي، ليصبح موقفه من سورية نقطة تحوّل في علاقاته مع السعوديين. أضف إلى ذلك مجيء العماد ميشيل عون لرئاسة لبنان والذي تصدّرت كلّ من سورية وإيران قائمة المهنئين له.. تطورات ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار بأن خريف آل سعود أُعلن رسمياً مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

إنها الاستدارة الحادّة الموعودة لواشنطن، والتراجع الأمريكي الذي يقوده ترامب، وإن كنّا في سورية لا نعوّل على تراجع هنا ولا نتخوّف من تصعيد هناك، فقد رمى أعداؤنا كل ما في جعبتهم في حربهم «المجنونة»، فيما كان شعارنا دائماً ومنذ البداية: افعلوا أسوأ ما لديكم لأن الشعب السوري وقيادته قد اختاروا المواجهة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: