
عندما تغني (سليمى) تعيد المتلقي إلى الزمن الذهبي للغناء العربي، فصوتها يتميز بنبراته القوية، وفي نفس الوقت عذب يشجي المسامع، تختار كل ما هو صعب من الألحان الأصيلة
وتؤديها بإحساس مرهف، صوت بهذا الحجم والغنى والتوهج يضعك أمام عدة أسئلة، أولها لماذا لا تقدم هذه الفنانة مشروعها الخاص بعد كل هذه السنين في دراسة الموسيقى داخل سورية وخارجها، ومثلها كل المغنيات السوريات الأكاديميات، ربما الأزمة في إيجاد الكلمة طالما أن الأصوات موجودة وبعدد لا يستهان به.
هذه الأمور وأشياء أخرى ناقشتها "جهينة" مع الأوبرالية السورية سوزان حداد في الحوار التالي:
جهينة- إدريس مراد:
تم اختيارك مؤخراً لتغني شارة مسلسل "أنا القدس" ماذا تحدثينا عن هذه التجربة؟.
عندما سمع صوتي الفنان نصير شمة وهو من وضع الموسيقى للمسلسل المذكور، طلب مني أن أغني الشارة، وهذا الطلب أسعدني ووافقت عليه بكل سرور، وأعتبر هذه التجربة رائعة ونقطة تحول جديدة في مسيرتي الفنية، وخاصة مع الفنان شمة، فالتعاون معه ليس بقليل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الغناء للقدس بحدّ ذاته متعة وواجب لكل فنان عربي، بل لكل فنان لديه رسالة إنسانية، وضع كلمات الشارة الشاعر الكبير يوسف الخطيب وسجلناها منذ أيام وستسمعونها قريباً.
وجولتك في الأرجنتين، ماذا فعلت هناك؟.
كانت بدعوة من المغترب السوري اللبناني هوراسيو منير حداد، الذي تربطني به صلة قربى، وهو من صرف على دراستي الموسيقية في أوروبا، وكانت أمنيته الأخيرة أن يستضيفني في الأرجنتين ويقيم لي عدة حفلات، وفعلاً حقق هذه الأمنية الأخيرة لأنه رحل إلى جوار ربه في منتصف زيارتي، التي قدمت فيها عدة حفلات وأديت فيها التراث السوري، حيث شاركتني الحفل عازفة بيانو أرجنتينية بعد أن نوّطت لها البرنامج وبدورها ذهلت بموسيقانا، كما قدمت شيئاً من التراث العراقي، وأغنية لزكي ناصيف والأغنية الأرجنتينية (لا تبكي من أجلي يا أرجنتينا) وهي من كلمات الملكة أفيتا، كما أديت بعض أغاني التانغو، وحضر حفلاتي العديد من الشخصيات العربية منهم سفير الجامعة العربية والسفير السوري، كما التقيت موسيقيين مهمين، وطُلب مني أن أعمل هناك في دار الأوبرا (كولون) وهي رابع أهم دار في العالم، وهو عرض مهم ما زلت أفكر به ولكن لا أستطيع أن أعيش خارج سورية أكثر من ثلاثة أشهر، فسورية بالنسبة لي كما الأم للطفل الرضيع.
من المعروف أن دراستك في الغناء الأوبرالي، ما هو سبب كثرة حفلاتك الغنائية الشرقية في الفترة الأخيرة؟.
ربما صدفة، ولكن لا أنكر حبي للغناء العربي حتى يكاد يكون حاجة أساسية لي، أجد نفسي في الغناء العربي أكثر من الغناء الكلاسيكي الغربي، فعندما أغني عربي أصبح أقرب للمستمعين بصوتي وأشعر بهم أيضاً كما يشعرون بي، وكأنه اتصال روحي إضافة لذلك لا جمهور للغناء الأوبرالي كما يجب.
آخر حفلة لك بالغناء العربي كانت في دار الفنون(Art House) مع مرافقة آلة بيانو فقط، حدثينا عن هذه التجربة؟.
ليست الأخيرة بل قدمت عدة حفلات بعدها، ولكن أستطيع القول إن هذه الحفلة كانت نقطة تحول في تجربتي جربت فيها الغناء العربي بمرافقة آلة البيانو فقط والتي تعتبر آلة موسيقية غربية بحتة لا تحتوي على أرباع التون التي تميز الموسيقى العربية عن الغربية .وقد استمتعت بهذه التجربة، ولكن كان هناك شيء ناقص خصوصاً عندما كنت أغني مقامات عربية وأرباع التون. فضّلت بعد هذه التجربة الغناء مع عدة آلات إضافة للبيانو، كالتشيلو والفيولا والناي والإيقاع.
متى سنرى مشروعاً خاصاً بك، بكلمات وألحان جديدة؟.
قريباً إن شاء الله، وهذا ليس أمراً سهلاً، فهو يحتاج الى جهود كبيرة وتعاون بين مؤلف موسيقي مبدع ومغن متمكن وكاتب الكلمات، هدفي أعمال غنائية جادة وذات قيمة وهذا يحتاج الى الكثير من التفرغ والاستعداد المادي والتعاون بين عدة جهات أكون أنا إحداها.
إلى متى سيبقى التقليد هاجساً للمغنيات السوريات الجادات...؟ هل الأزمة في الكلمة أم في اللحن؟.
الأزمة في كل شيء، فهذا الزمن هو زمن انحطاط الفن، زمن تحكم المادة بكل شيء والمغنيات الجادات لا حول لهن ولا قوة.
تجربتك في الداخل معروفة، هل تحدثينا عن تجاربك في الخارج؟.
كما تعلم أنا درست في أوروبا علم الصوت والغناء الكلاسيكي والأوبرا وحصلت على الماجستير، خامة صوتي صنفت بالنادرة من حيث القوة والجمال والنوع (كونتر ألتو) قدمت أثناء الدراسة الكثير من الحفلات الكلاسيكية، وشاركت بعروض الأوبرا بأدوار رئيسية وغنيت الأوراتوريو وهو الأعمال الدينية، وكان هذا في كل دول أوروبا ، النمسا، سويسرا، ألمانيا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، إيطاليا وغيرها، بعد إنهاء دراستي فضّلت العودة إلى وطني سورية وفضّلت الغناء بلغتي العربية ولكن بأسلوب جديد خاص بي، سخرت له علم الصوت والحس العالي الذي أصله الغناء الكلاسيكي.
الآن أسافر كثيراً وأشارك عندما تأتيني دعوات للمشاركة كان آخرها في النمسا وجنيف وأود القول إني أرفض عقود عمل في الخارج، كان آخرها مع دار الأوبرا العالمية في فيينا وقد يبدو هذا مستغرباً.. ولكن الحقيقة أني لا أحب الاغتراب فأوروبا بالنسبة لي سجن كبير وغربة قاتلة وسورية رغم الفرص القليلة هي أرحم.
كرست بعض السنوات من عمرك لدراسة الغناء الأوبرالي، ألا تعتقدين بأن هذه السنوات ذهبت هباء طالما العمل في البلد بهذا الاتجاه قليل؟.
درست خمس سنوات في المعهد العالي للموسيقى بدمشق وحصلت على الإجازة في الموسيقى والغناء ودرست خمس سنوات في الكونسر فاتوار بمدينة ماسترخت هولندا، بالإضافة للدراسة الخاصة في فرنسا وبلجيكا، علم الصوت علم رائع. لم أندم أني درسته ولن أندم فأنا أملك مدرسة غناء وصوت مهمة جداً، ليس الغناء الأوبرالي الذي تمكنت منه فحسب بل مدرسة الصوت أيضاً التي تساعدني على غناء أي لون أريده.. عربي، غربي، وحتى مرتلة بيزنطي أو مرتلة للقرآن، علم الصوت هو علم أقدمه لتلاميذي هنا أيضاً. وقد قال لي شيخ يرتل القرآن وهو مشهور، حضر لي حفلة غناء عربي بدار أوبرا دمشق بأني أغني كما يرتل الشيوخ وأتميز عنهم بقوة النفس، هذا الكلام أسعدني.. وإن دل فهو يدل على أن علم الصوت الغربي هو نفسه علم الصوت الذي يجيده مرتلو القرآن.
بعد حوالى عشرين عاماً من تأسيس المعهد العالي للموسيقى، برأيك أين وصلت الموسيقى السورية وأين تتجه؟.
ليس عندي إجابة عن هذا السؤال!!؟؟....
دور الإعلام في نشر الثقافة الموسيقية التي تسعون إليها أنتم كأكاديميين؟.
للإعلام دور كبير في نشر الثقافة الموسيقية الراقية سواء الغربية أم العربية، ولكن على حد علمي يوجد برنامج واحد على المحطة الأرضية الأولى واسمه لغة العالم يعدّه ويقدمه فاهيه تمزجيان وهو شخص محب للموسيقى الكلاسيكية وملم بها.
عموماً أنت مقلة في حفلاتك.... فما هي مشروعاتك القادمة؟.
أنا كمغنية شابة أمتلك مقدرات غنائية على مستوى عالمي، أعاني هنا في بلدي من مشكلة كبيرة وهي انعدام شيء اسمه إدارة أعمال الفنان، أعاني من عدم معرفة الجمهور بي فأنا معروفة من القلة النخبة فقط وهنا يأتي دور الإعلام للتعريف بنا، مشاريعي القادمة ستكون في أمريكا اللاتينية- الأرجنتين.
بصراحة.. إذا طُلب منك حفلة تختارين الغناء فيها فماذا ستغنين غربي، أم شرقي؟.
سأختار الغناء العربي بمرافقة أوركسترا سيمفونية وقائد أوركسترا مليء بالحيوية، يعني سأغني غناء عربياً والموسيقى المرافقة موزعة لأوركسترا وأتمنى تحقيق ذلك قريباً.
سوزان حداد في سطور
بدأت دراستها الموسيقية بالسلالم الموسيقية الشرقية في عام 1994، ثم التحقت بـالمعهد العالي للموسيقى بدمشق لدراسة الغناء الأوبرالي على يد الأستاذة غالينا خالدييفا.
تخرجت من المعهد بنجاح عام 1999. وفي الوقت نفسه تابعت دروس الغناء مع الأستاذة ومغنية الأوبرا السورية آراكس تشكجيان، وفي عام 2002 سافرت إلى هولندا وبدأت الدراسات العليا في الغناء الأوبرالي والصوت بمدينة ماسترخت مع الأستاذ البلجيكي آكسل افررت والأستاذة ميا بيسلينك، وحصلت على الماجستير في الدراسات الصوتية والأوبرا، في عام 2005، ومن ثم التحقت بالعديد من ورشات العمل مع مغنين عالميين مثل إليانا كوتروباش في فرنسا وفيوريكا كورتيز في إسبانيا وإللي ايميلينغ في هولندا.
قدمت سوزان العديد من حفلات الغناء الأوبرالي إفرادياً في أوروبا وأميركا اللاتينية والدول العربية وغنت العديد من الأعمال الهامة من أبرزها: دورها "دايدو" في أوبرا دايدو واينياس للمؤلف هنري بورسل في تونس ضمن مشروع أوروبي متوسطي مشترك تحت رعاية الاتحاد الأوروبي. ودورها "تسيتا" في أوبرا جان سكيكي للمؤلف بوتشيني في هولندا، ودورها "ستورمه" في أوراتوريو يافت للمؤلف هاندل الذي قدم في جينيف – سويسرا، بالإضافة إلى الكثير من الأدوار الإفرادية في أعمال مثل: كارمينا بورانا للمؤلف كارل أورف، القداس الجنائزي للمؤلف موزارت، قداس متى وقداس يوحنا للمؤلف باخ، آلتو رابسودي مع كورال الرجال للمؤلف برامز، كما غنت في ساحة الفاتيكان لقداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني في أثناء احتفال تطويب أحد القديسين، وأيضاً أثناء القداس الاحتفالي الذي أقامه بابا روما عندما زار سورية في الهواء الطلق بملعب العباسيين، بالإضافة إلى حفلات كثيرة داخل سورية وفي العالم سواء في الغناء الأوبرالي أم في الغناء العربي.