الخميس, 9 أيلول 2010
مجلة جهينة > نافذة عربية > نساء غزة يتحدين الفقر والحصار بمشروعات صغيرة من البيوت الفقيرة
نساء غزة يتحدين الفقر والحصار بمشروعات صغيرة من البيوت الفقيرة
عمدت الكثير من النساء في غزة إلى إقامة مشاريع صغيرة في بيوتهن، لكي يتحدين ويواجهن ضيق العيش والفقر الذي سجل أعلى معدل في غزة، بسبب الحصار المفروض عليها منذ حوالى الأربع سنوات، حيث وصلت نسبة الفقر في غزة، وحسب آخر الإحصائيات، إلى نسبة 86% من عدد السكان.
فمن داخل البيوت الفقيرة الإسمنتية حيناً والقرميدية حيناً خرجت تلك المشروعات وبأيدٍ نسوية خالصة، فتلك اشتركت مع جاراتها، وأخرى استعانت بصاحباتها، وثالثة اعتمدت على نفسها ومجهودها الذاتي، وفي النهاية كانت تلك المشروعات رغم بساطتها بداية الطريق نحو تحدي الواقع بكل صوره المؤلمة.

غزة- جهينة - خاص:

أم محمد وهي لم تتجاوز الأربعين من عمرها، أقامت مشروعين صغيرين في بيتها لوحدها دون مساعدة أحد، المشروع الأول هو تربية الكتاكيت في قطعة أرض صغيرة بجوار بيتها، وكانت البداية مع مائتي كتكوت، وبعد ذلك انطلقت في مشروعها. وعن البداية تقول: عائلتي تتكوّن من اثني عشر فرداً، وزوجي بلا عمل، وكنا لا نملك قرشاً واحداً لتغطية نفقاتنا وننتظر فقط المعونات التي تصلنا من أهل الخير والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية، حتى قررت أن أبدأ مشروعي بنفسي وعدم الاستسلام لواقعي، ومن منطلق هذا الوضع المظلم الذي أعيشه مع عائلتي قررت أن أبدأ بتربية الكتاكيت، فبدأت بتربية مائتي كتكوت واستمر العدد بالارتفاع وكبرت الكتاكيت وأصبحت دجاجات تضع بيضاً، فبدأت ببيعها واستخدام البيض في إنتاج كتاكيت جديدة.. وهكذا، حتى تضاعف عدد الدجاجات وصرت أبيعها للنساء الراغبات في تربية الكتاكيت، وأستفيد من الكتاكيت الجديدة، وبدأت حياتي تتحسن للأفضل بسبب هذا المشروع الصغير.
أما المشاكل التي واجهت أم محمد فهي انقطاع التيار الكهربائي في غزة، وهي المشكلة التي يعاني منها كل سكان القطاع بسبب منع (إسرائيل) إدخال الوقود اللازم لتشغيل المحطات المولدة للكهرباء، الأمر الذي كان يؤدي إلى نفوق الكثير من الكتاكيت وتلف البيض، ولكني قررت الاستمرار في مشروعي بل بدأت بإنشاء مشروع مطبخ نسائي بالتعاون مع نساء أخريات، حيث أطلقنا على المطبخ اسم "مطبخ سما".. وقد أقمت هذا المطبخ لأني أرى واقع الكثير من النساء ممن يلجأن للجمعيات لطلب المعونات مثلما كنت أفعل أنا سابقاً، فقررت أن أساعدهن ليعتمدن على أنفسهن ويوفرن العائد المادي لأسرهن، حيث أصبحنا نعدّ الكثير من الوجبات السريعة والمعجنات والحلويات، ونقوم ببيعها للموظفات وربات البيوت ذوات الدخل المرتفع وكذلك لبعض محلات السوبر ماركت.
ويعدّ مطبخ سما كل أنواع الأكلات الفلسطينية وخاصة المفتول والفطائر مثل فطير السبانخ والزعتر والجبن، وبعض الحلويات كالحلبة والبسبوسة وأصابع العجوة، وكذلك البيتزا بكل أنواعها.
أم نظمي وهي إحدى السيدات اللواتي انضممن لمشروع مطبخ أم محمد، تقول وهي في الرابعة والأربعين من عمرها، ولديها خمسة أولاد: كان زوجي يعمل عاملاً في (إسرائيل) وأصبح حالياً بلا عمل بسبب الحصار، فانضممت لأم محمد جارتي وصديقتي لكي أعيل عائلتي وأوفر لقمة عيش صغاري، فلا يمكن أن يستسلم الإنسان لظروفه مهما كانت، فهي المشجب الذي يعلق عليه الضعفاء فشلهم.
ومنال حمودة التي تعيل عائلتها المكونة من عشرة أفراد، قررت أن تستغل هوايتها لإعداد الحلوى وتنضم لأسرة المطبخ، كما تقول، فزوجها بلا عمل ولديها عائلة كبيرة، ولا أمل يلوح في الأفق حول تحسن أوضاعها، وتشجع "أم محمد" صاحبة مشروع الكتاكيت والمطبخ النساء الفقيرات واللواتي تقطعت بهن سبل العيش في غزة حتى لا يبقين في انتظار المجهول، وهي تؤمن بمبدأ أن المشاكل لا يحلها سوى الإنسان صاحب المشكلة بنفسه.
على الجانب الآخر وفي جنوب القطاع، حيث يوجد مشروع أم محمد في شمال غزة، نجد مصنعاً لإنتاج المعمول السوري، وذلك في مدينة خان يونس جنوب غزة، حيث أقام أحد المواطنين مصنعاً صغيراً وقرر أن تعمل به النساء ذوات الدخل المحدود والظروف السيئة، فهو كما يقول تعلّم إعداد المعمول والحلوى على يد أحد كبار الخبازين، حيث تعلّم منه إعداد شتى أنواع الخبز والكعك والمعمول والبسكويت، وحين فقد عمله داخل (إسرائيل) بسبب الحصار قرر أن يستثمر صنعته بتشغيل النسوة المحتاجات والفقيرات من ناحية وتوفير مصدر دخل لعائلته الكبيرة من ناحية أخرى.
تقوم النساء الثماني عشرة واللواتي اختارهن أبو قاسم بعناية بظروفهن القاسية، وهن في مراحل عمرية مختلفة، بصنع المعمول مروراً بمراحل إعداده ما بين حشو العجوة والنقش على العجينة، ورصها وخبزها، ثم تغليفها وتعبئتها فيما يقوم هو بإعداد العجينة مستغلاً خبرته الطويلة في هذا المجال.
ينتج المصنع يومياً ما يقارب المائتين وخمسين علبة من المعمول، والتي لاقت إقبالاً واستحساناً من المستهلك، حيث تقوم النساء والفتيات بالنقش على المعمول بطريقة يدوية يظهر بها الكثير من الفن، مما يجعله الأقرب للصناعة للمنزلية، وتتقاضى العاملة الواحدة في غزة حوالى مائة وعشرين دولاراً أمريكياً، أما ساعات العمل في المصنع فيبدأ العمل يومياً من الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الرابعة عصراً، كما تقول إحدى النساء العاملات في المصنع واسمها مروة وهي متزوجة ولديها سبعة أولاد خمس بنات وولدان، أكبرهم ميساء في الثامنة عشرة من عمرها، وقد أنهت الثانوية العامة، لكن تقول الأم إنها لا تستطيع لا هي ولا زوجها تحمّل مصاريف التعليم الجامعي لابنتها، فزوجها الذي يعمل بائعاً للخضار في السوق لا يملك معاشاً ثابتاً ولديها طفلة مريضة تسمّى ماريا تحتاج لعملية زرع قرنية في العين، نظراً لتدهور حالتها الصحية، ولذا قررت مروة العمل في المصنع لعلها تستطيع جمع المبلغ الذي تتكلفه العملية الجراحية لابنتها والذي يبلغ ثلاثة آلاف دينار أردني، كما تتمنى مروة أن تلتحق ابنتها المتفوقة بالجامعة.
وهكذا فإن للفقر وجوهاً كثيرة في غزة، ولكن وجوه محاربة الفقر أكثر وأكثر، وهي تزداد يوماً بعد يوم كلما اشتدّ الحصار على غزة، وذلك انطلاقاً من مبدأ أن الحاجة أم الاختراع.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: