الإثنين, 18 حزيران 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 8 تاريخ 1/1/2006 > عش الورور..وفن العيش في قمم الجبال!
عش الورور..وفن العيش في قمم الجبال!
جهينة-علي حسون:

ماذا تعرفون عن فن العيش في أعشاش الطيور؟! وماذا حين يكون هذا الطائر هو الورور تحديداً.. أكثر الطيور عشقاً للقمم والمرتفعات؟! أعتقد أن أولئك الذي يملكون أجنحة فقط، يمكنهم العيش في هذا المكان.. وهكذا لدينا اليوم فيما يدعى بعش الورور ما يزيد عن 150 ألف إنسان من فصيلة الورور غالباً!! ولكن أي أجنحة تلك التي يستخدمها هؤلاء وجعلتهم يختارون (أو ربما يدفعون دفعاً) للسكن في هذا المكان؟.. إنها أجنحة العوز والفقر والحاجة إلى مجرد عش تأوي إليه أحلامهم المتكسرة مذ فتحوا عيونهم على هذه الحياة؟ في عش الورور المكان الذي عُرف وسُمّي نسبة لاستيطان هذا الطائر فيه.. لم يعد ثمة وجود له اليوم.. في الحقيقة لم يبق له متسع.. أو عش بعد أن غزته أعشاش من نوع آخر.. أعشاش بنيت متراصة وعلى عجل فلم يكن فيها شيء من رومانسية الساكن الأول الذي فضّل الانتقال إلى قمم أكثر هدوءاً أو أبعد منالاً لمستوطنين آخرين محتملين!!

رحلة استثنائية

قبل سنوات فقط كانت الحمير هي الوسيلة الأكثر شيوعاً في هذا المكان!!
كان يمكنك أن ترى أعداداً كبيرة من هذه الحيوانات التي استخدمت للعديد من الأغراض.. لنقل مواد البناء إلى قمة الجبل.. ولنقل المياه لساكني البيوت التي لم تصلها مياه الشرب حتى اليوم! ولنقل القمامة وحملها إلى خارج العشّ!!
لقد كانت الحمير هي الكائن الوحيد الذي بمقدوره تحمل هذه البيئة، وساعدت قاطني المنطقة.. فلم يكن يوازيها في حلمها وصبرها المشهودين سوى سكان هذا الجبل الذين كان عليهم أن يعششوا هنا على هامش الحياة راضين بما قسمت لهم الحكومة!!
اليوم يمكنك أن ترى السيارات وقد دخلت إلى المكان.. لكنها أيضاً سيارات من نوع خاص فـ(السوزوكي) هنا لها صولة وجولة.. وكذلك (الفانات) التي تحشر زواياها بأعداد غفيرة من البشر في مقاعد ممتدة على محيط صندوق مفتوح في صندوق السيارة!، وبالتالي لن تستغرب مثلاً أن تجد في هذا الصندوق ما يربو على عشرين شخصاً!! أما إذا كانوا من تلامذة المدارس فالأعداد ستكون مضاعفة بالتأكيد!!
ورغم ذلك لا يبدو أن بمقدور هذه (الفانات) الوصول لأبعد من منتصف الطريق.. فيما يُعرف اليوم بموقف الخزان.. على سفح الجبل؟؟ ليضطر بعد ذلك هؤلاء المعذبون لتسلق دروب لم تذق يوماً طعم الإسفلت.. دروب ومنحدرات هي أشبه بتلك المعروفة في تورا بورا..
مع فارق أن من يضطرون لاجتيازها هنا، هم مقاتلون لأجل الحياة ولقمة العيش لا لشيء آخر!!
هذه الدروب التي ستتحول إلى مستنقعات طينية عند أول زخة مطر تنذر بقدوم الشتاء مما يضطر الناس هنا لابتكار أكثر الأساليب بدائية عند اجتيازها.. حيث يلبس طلاب المدارس وذووهم أكياساً من النايلون ينزعونها فقط عند الوصول إلى مدارسهم في الجانب الآخر من العالم!!
عند صعودنا بـ(السوزوكي) كان السائق مرحاً بعض الشيء.. أراد استعراض مهارته في القيادة (وأشهد له ببراءة استثنائية فعلاً) وكذلك قدرات سيارته العجيبة في تسلق تلك المرتفعات الوعرة والتي كلما اعتقدت واهماً أنها على وشك الانتهاء، طالعتك أخرى حتى لتظن أنك قد قاربت غيوم السماء.. في هذه الأثناء كان السائق يؤكد لنا أن سيارته ومثيلاتها فقط من تستطيع تلبية الطلبات المستحيلة.. وفقط بخمس وعشرين ليرة... ويا بلاش!!
ولكن حتى قدرات سيارته العجيبة لها حدّ على ما يبدو، فهنا لا مكان للمعجزات.. إذ لن تستطيع هذه الآلة بأربعة دواليب الوصول إلى أبعد من بيت (أبو علي).. ذلك البيت الذي يبدو وكأنه معلّق بين عالمين!!
سيكون عليك أن تترجّل بعد ذلك (من المرجلة وليس من المشي على الأرجل فقط!!) لتعدّ نفسك لرحلة استثنائية بحق في تضاريس وعرة مازال الناس يعتقدون أنها صالحة للسكن.. ولم لا، فهنا أيضاً كانت للورور أعشاش بناها قبل أن ينتبهوا إلى وجوده!!
ستقودك هذه الرحلة أخيراً إلى منحدر تستقر عليه مجموعة متباعدة من البيوت.. بحيث ستجد في مواجهتك جبلاً أجرد إلا من الخطوط الضيقة.. خطوط علمنا فيما بعد أنها بمثابة تقسيمات لبيوت مستقبلية!!
وبحسب (أبو علي) فإن هذه الفراغات الواسعة فتحت شهية الناس أيضاً، فتحولت إلى مطرح استثماري جديد.. فراحت تباع وتشترى كأي منطقة استثمارية في قلب العاصمة.. والأسعار ليست رخيصة أبداً.. ولم لا، فللفقراء أيضاً مشاريعهم وأحلامهم!! ولكن لمن تتبع هذه المنطقة إدارياً؟
سؤال كان الجواب عليه بمثابة أحجية فيها من الكوميديا الساخرة بقدر ما فيها من التراجيديا السوداء!
بين برزة ومعربا.. برلين المقسّمة!
حتى اللحظة لا يمكنك أن تفهم كيف يمكن تقسيم ما يفترض أنه حيّ واحد متكامل بُني على جبل إلى منطقتين إداريتين!! وستكون مندهشاً عندما تسمع أن أحد أقسامه يتبع لبلدية برزة وبالتالي لمحافظة دمشق، بينما يتبع توءمه الآخر لبلدية معربا وبالتالي لمحافظة ريف دمشق!! ما الحكمة من ذلك؟ فالبيوت المتراصّة حدّ الاندماج لا تترك أي مجال حتى لخط نظر وهمي!!
فقط عندما تعرف أن في الأمر منفعة ورشاوى وأموالاً سيكون باستطاعتك أن تبلع الطعم، فحركة البناء الكثيفة في المنطقة في ظل قرارات المنع التي تميع تارة لتشدد مرة أخرى جعلت هذه المنطقة مطرحاً للاستثمار التي تفوح منه رائحة الفساد.. حيث يستغل جنباً إلى جنب هنا المواطن وحاجته لعش يأوي إليه في آخر النهار، والقانون الذي لا وجود له، طالما كان بالإمكان تحصيل الأتاوات!!
ولذلك مازالت بلديتا برزة ومعربا منقسمتين بشأن تبعية هذا الحي لأيّ منهما.. ففي تخديمه وإيصال الكهرباء والماء والإسفلت إليه تنفض الاثنتان أيديهما عنه بحيث يترك الناس لاجتهاداتهم البدائية.. أما حين يتطلب الأمر متابعة عمليات البناء والمخالفات فالاثنتان حاضرتان.. حتى أن الناس يضطرون أحياناً لدفع الرشاوى للجهتين!!
أما حين يرفضون، فمصير بيوتهم هو الهدم، ولذلك فإن دوريات القمع كثيراً ما اشتبكت مع الأهالي ليس لأنهم يخالفون، بل لأنهم دفعوا لذاك الجانب ولم يدفعوا للآخر!!
قبل سنوات أرادت بلدية معربا إثبات تبعية المنطقة لها، فاستقدمت دوريات مؤللة بما فيها (بلد وزارات) لهدم المساكن المخالفة!! في الجهة الأخرى من الجبل وكأن ما بقي من الحي هو النظام بعينه!! فتصدى الأهالي لهؤلاء بأجسادهم التي افترشوا بها الطريق، ولم تنته المشكلة رغم لجوء الأهالي إلى بيت رئيس مجلس الوزراء السابق /محمد مصطفى ميرو/ الذي كان يشاهد عبر زجاج نوافذ قصره ما يجري مانعاً هؤلاء من مجرّد الحديث إليه..
وللعلم فقط فإن ميرو كان وراء العديد من القرارات التي أودت بالعديد من البيوت وحتى المقابر بحجة توسيع طريق التل الموصل إلى "فيلته" الفاخرة!! معتبراً أن هذه المساكن والبيوتات هي مظهر غير حضاري وخاصة أنها على طريقه، مما سيضطره لرؤيتها يومياً، وبما يذكّره ربما بتقصير حكومته في وضع حل لها!!
دير ماما.. البطة السوداء!
ماذا كان يمكن لممدوح عدوان أن يعلّق عند معرفته بأن أبناء بلدته وقريته الأثيرة قد استوطنوا في عش الورور، وقد نزحوا بشكل جماعي من قراهم ليعيدوا تشكيل حياتهم هنا وفقاً لمعادلة مختلفة تماماً!
بالتأكيد كان يعرف أن ديرماما أخرى ظهرت في دمشق، وتحديداً في هذا المكان الموحش والخالي من أي تفاصيل وجماليات تزخر بها ديرماما الأم!
وبالفعل ستجد في عش الورور مجموعة من الحارات الكبيرة إحداها حارة ديرماما نسبة لقاطنيها المنحدرين بمعظمهم من بلدة ديرماما بريف مصياف وقراها المجاورة، حيث لم يجد هؤلاء بداً من هجر قراهم التي لم ينبت فيها سوى الشعر والأشجار البرية، والاثنان لا يطعمان خبزاً!!
لذلك اختاروا طريق دمشق، العاصمة، لكنهم أيضاً هنا لم يكونوا أحسن حالاً.. فالخدمات شبه معدومة رغم عمر الحي الذي تجاوز ثلاثة عقود، فلا مياه نظيفة ولا كهرباء نظامية ولا طرقات، والأهم.. لا مدارس حتى الآن!! على الأقل كانت قراهم البعيدة تلك، تؤمن لهم هذه الأساسيات حتى لو أنها لم تستطع تأمين العمل.
إذن كان عليهم أن يدفعوا ثمناً للعمل الذي وجدوه -وهو غالباً التطوع بالجيش- لقد استبدلوا كابوساً بآخر، لا بل إنهم وفوق كل ذلك فقدوا الكثير من أرواحهم وعفويتهم وشاعريتهم في زحمة هذا المكان الموبوء!
اللاشمانيا (حبّة عش الورور)!!
حين نقول إن هذا المكان موبوء فلسنا هنا بصدد الكلام في الفراغ، فعش الورور ربما أكثر الأماكن في دمشق وريفها –كونه مازال ضائعاً بين دمشق وريفها- احتضاناً للأوبئة!! وهل من عجب؟! فالمياه غير النظيفة والصرف الصحي البدائي الذي نفّذه أهالي العش، وككل شيء آخر على عجل، وتراكم القاذورات والقمامة (وخاصة بعد أن تم الاستغناء عن خدمة الحمير)!! كل ذلك لم يترك مجالاً لما هو أفضل من ذلك.
هنا ستجد أن إصابات اللايشمانيا (حبة حلب) وقد استوطنت بعد أن وجدت لها بيئة ولا أخصب فتحولت إلى حبّة عش الورور بامتياز!!
أما مكافحتها فهي أيضاً من اختصاص الأهالي، فلا مستوصف يقدّم الخدمات للمصابين أو لغيرهم من المرضى بأمراض أخرى، ولذلك يقوم الأهالي وبالتكافل برش المبيدات في المكان.
لكن ذلك أشبه بمن يقوم بملء غربال بالماء، فما فائدة الرش في الوقت الذي تجري فيه مياه الصرف الصحي من أعلى الجبل وحتى أخفض نقطة فيه، حيث تصل إلى نهر كان يوماً يحمل المياه النقية في شتاءات سابقة، وقد تحوّل اليوم إلى مجرى للمياه الآسنة والصرف الصحي والأوساخ.
إذن كيف يمكن مكافحة اللايشمانيا في حين يلجأ الأهالي في القمم إلى استجرار المياه على بعد كيلو متر أحياناً بوسائل غير صحية مأمونة، حيث تختلط في طريقها صعوداً بما لا يعدّ ولا يُحصى من الملوثات وأولها مياه الصرف التي تجري في كل مكان.
ماء وكهرباء.. دبّر حالك!
الماء والكهرباء هنا ميزة ليس بمقدور جميع سكان العش أن يحظوا بها، وخاصة الشق الأعلى أو ما يُعرفون بكائنات ما فوق الخزان!! فالتمديدات لا تصل لأكثر من نصف الجبل، أما سكان النصف الآخر فعليهم أخذ حقوقهم بذراعهم، ولذلك فقد قرروا أن لا شيء يحك جلدهم سوى أظافرهم، وهكذا قاموا مضطرين، وأؤكد على "مضطرين" بفتح وتثقيب التمديدات التي تمر في أسفل الجبل لإخوانهم المحظوظين والاستجرار منها عبر تركيب –موتورات- تتكفّل بشفط المياه إلى أعلى كما تتكّفل تماماً بنشوب المشاجرات بين الطرفين المستفيدين وغير المستفيدين!!
في هذه النقطة سيكون عليك أن ترى مجموعة من المحركات التي تعمل طوال الليل والنهار، حيث تذكرك أحياناً بنبع الضيعة الذي تجتمع عليه فتياتها لنقل الماء والدردشة، مع الفارق هنا أن الرجال وحدهم يرتادون هذه النبعة الاصطناعية لإصلاح محركاتهم المعطّلة غالباً، والحديث عن أفضل المبتكرات لجعل المحرك صامداً أكثر!!
أمّا من لم يوفق بمدّ الأنابيب إلى بيته (وهم كثر بالمناسبة) نظراً لبعد المسافة وارتفاع تكاليف التمديدات. فما عليهم سوى الاعتماد على صهاريج من نوع خاص تحمل إليهم المياه غير الخالية من المفاجآت كالديدان مثلاً كما أكد بعض الأهالي هنا!!
أما الكهرباء، فلا تختلف طرق الحصول عليها عما هو معمول به في المياه، حيث يلجأ كثيرون من سكان الطرف الأعلى إلى استجرار الكهرباء بشكل غير نظامي، فالبلديات التي أوصلت المياه إلى منتصف الطريق، كان عليها أن تتبع الأسلوب نفسه في التعامل مع الكهرباء رغم أن هذه الأخيرة لا تتطلب الصعوبات نفسها!!
ولذلك سيكون عليك أن تصادف مشاهد هي الأغرب والأخطر من نوعها لأسلاك كهربائية وتمديدات مائية وصحية تتشابك جنباً إلى جنب في خط صعودها ونزولها من وإلى قمة الجبل، وربما يمكن أن يؤدي إلى اقتناص الضحية تلو الأخرى، وخاصة من بين الأطفال الذين يضطرون للسير في نفس اتجاهات صعود هذه التمديدات، ربما كطريقة وحيدة لمعرفة أعشاشهم والوصول إليها، فهم يختلفون أيضاً عن الورور في أنهم قد يخطئون أعشاشهم بعد أن اكتظ المكان بأعشاش تشبه بعضها إلى حد كبير!!.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة