الجمعة, 6 كانون الأول 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 8 تاريخ 1/1/2006 > الشباب السوري بين تقريري ميليس
الشباب السوري بين تقريري ميليس
جهينة- وداد صالح:

عندما توجهت المذيعة الرشيقة نحو إحدى الصبايا في برنامج (أماني وأغاني ) الذي عرض على شاشة إحدى قنوات مصر الأرضية منذ ما يقارب العشر سنوات بسؤال (إيه هي أمنيتك بالحياة...)؟ لم يكن جواب تلك الصبية كجواب باقي الشباب الذين تراوحت أمانيهم الشخصية بين موفور الصحة والمال والعلم..، يومها أجابت الصبية بحزن:" أتمنى أن تتخلص بلادي من الإرهاب "

بتلك الكلمات المختصرة عبّرت الشابة عن قلقها الذي صنع حاجزاً فصلها عن مجرد التفكير بأية أمنية خاصة.
تذكرتُ ذلك الحدث عندما خيّم اليأس على معظم الإجابات التي أتتني من قبل شريحة من شبان سورية وشاباتها لدى سؤالي عن أمانيهم ومشاريعهم في المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد.
إنه أمر سلامة الوطن وأمنه الذي بات يشكل في ظل الظروف الحالية هاجس الشباب السوري، الذي كان خلال طفولته يترك كل ما بيده ويسرع حال سماعه صياح الديك الذي يعلن بدء فترة برامج الأطفال الكرتونية، فيجلس ذلك الطفل أمام القناة الوحيدة ليتابع ( غابة الأماني ) و (المصباح السحري لعلاء الدين).
ترى لو خرج المارد اليوم من مصباحه وسأل ذلك الطفل الذي غدا شاباً عن أمانيه في المرحلة الواقعة بين تقريري ميليس فما هي النتيجة؟؟
لا بد وأن المارد سيلعن الساعة التي أوكلت إليه فيها مهمة تحقيق الأمنيات، ولابد وأنه سيفضل السجن الأبدي في مصباحه بدلاً من الخوض عبثاً في أماني شباب سورية التي باتت اليوم ترتبط بمجموعة من المتغيرات العالمية أفرزت لعبة المصالح فيها من ضمن ما أفرزته غضباً عالمياً لا يتلاءم مع صغر مساحة بلد مثل سورية، فوجد الشباب نفسه وجهاً لوجه مع المجهول..
ماذا عندما يجد الشاب نفسه مضطراً لأن يطرد الحلم والأماني من مخيلته كي يجابه الواقع الصعب الذي يجتاح البلاد؟
ماذا عندما يحيا الشاب ليومه فقط بلا طموحات ولا أهداف؟
في هذا التحقيق محاولة تسلط من خلالها بقعة ضوء على مجموعة من شبان سورية في المرحلة الواقعة بين تقريري ميليس حيث تتكشف لنا معاناة هذا الجيل الذي تخلو ذاكرته من تجربة الحرب إلا أنها تمتلئ بصور أحداث العراق التي تلت سقوط بغداد، كما تفيض ذاكرته بمعاناة فلسطين اليومية وغيرها من مشاهد العنف والتدمير التي تتوالى يومياً في الدول العربية.
يقول رامي 27 عاماً:"بصراحة لقد مللت الحياة وأنا أعاني من ثقل الأيام ، وأعتقد أن السبب يكمن في أنني أشعر أن بلدي في طريقها إلى المجهول... وأنا كذلك سأذهب معها إلى هناك ..فماذا سأصنع وماذا سأتمنى؟؟؟ لقد انطفأت عندي نار الحلم بسبب ذلك المستقبل الغامض وبسبب هذه الحياة الصعبة جداً على أي شاب يفكر في تأسيس حياة كريمة. كل أحلامي يمحوها النهار، أتمنى أن أغط في نوم عميق لا أستفيق منه إلا بعد أن تنتهي أزمة بلادي، عندها فقط سأسترد أحلامي المشروعة".

زواجي تحت رحمة تقرير ميليس الثاني
"لطالما حلمت وخطيبي بحفلة عرس كبيرة نسافر بعدها إلى خارج البلاد كي نقضي شهر عسل مميزاً يكون بداية لحياة زوجية هانئة، ولكن الواقع في بلدي علمنا كيف نحطم ذلك الحلم تدريجياً –تتابع (مها داؤود –29 عاماً) - فخطيبي شاب مفعم بالحيوية وقد دخل ميدان التجارة كي نحقق حلمنا المشترك حيث أخذ يعمل في تجارة المواد الغذائية /استيراد وتصدير/ بعد أن وضعنا كل ما نملك في هذه التجارة التي تأثرت بشكل كبير بالأوضاع التي تمر بها البلاد فالنقود باتت خارج القطر وهي بحاجة إلى مصاريف كثيرة وسيولة كي تصل الى هنا، هذا عدا عن عمليات التأخير في تسديد النقود من قبل التجار الذين استغلوا الأوضاع العامة فامتنعوا عن التسديد في ظل قضاء لا يعوّل عليه عدا عن المصاريف التي ندفعها باستمرار".
وتضيف: "بالرغم من أننا تنازلنا عن حفلة العرس وعن شهر العسل، وبالرغم من أننا اكتفينا بالحد الأدنى من التجهيزات التي تلزم العرسان إلا أننا مع ذلك وجدنا أنفسنا غير قادرين على تحديد موعد زواجنا الذي أجّلناه مراراً لأننا أصبحنا مهددين بخسارة كل شيء و لا نملك مصدر دخل ثابتاً وزواجنا بات تحت رحمة تقرير ميليس، الذي فيما لو استمرت الأزمة فلا أعرف أي مصير سينتظرنا".

ما نعاني منه تصفية حساب نتيجة مواقفنا الوطنية
"سورية بريئة كل البراءة من جريمة اغتيال الحريري وكل ما يحصل ما هو إلا تصفية حسابات وفاتورة تسددها سورية مقابل مواقفها الوطنية والقومية" بهذه الكلمات افتتح (هاشم منصور- 22 عاماً) الذي شارك في اعتصام اتحاد الطلبة الرافض للتهديدات والضغوط قوله.
ويتابع هاشم: "لقد اتخذنا من المواجهة خياراً لنا في هذه المرحلة، وبالرغم من أن التوقيت صعب علينا نحن الشباب الذي من الطبيعي أن ينشغل بأمور حياته ومستقبله إلا أننا ونتيجة ما تتعرض له سورية اليوم أجّلنا كل أمانينا بل إننا أخذنا عهداً بأننا سنتصدى لأي سيناريو سيئ محتمل سواء أكان عسكرياً أو حصاراً اقتصادياً، فنحن طاقة كبيرة ستتفرغ لخدمة هذا البلد لأننا في النهاية نحن أبناؤه المخلصون، لا أدري أي مستقبل ينتظرنا في هذا العالم الذي تحكمه شريعة الغاب و تتقاذفه المصالح، ولكن ما أعرفه أن سورية عشقنا الكبير".

فرصتي في خطر
أخشى أن تتدهور العلاقات السورية الفرنسية إلى الحد الذي قد أحرم فيه من فرصة عمري تقول (ريم خليفة –27 عاماً) فقد سجلت في المعهد الوطني للإدارة العامة الذي هو ثمرة تعاون سوري فرنسي بعد ان سددت رسم الاشتراك فيه، وقد بنيت عليه آمالا كبيرة لأني وجدت فيه فرصة للاستقالة من عملي في الشركة التي تكاد تمتص دمي، بالرغم من أني أغامر كثيراً بمجرد التسجيل فيه إذ أن عدد الناجحين سيكون قليلاً جداً بعد اجتياز الدورة التدريبية لمدة ثلاثة أشهر بالنسبة لعدد المتقدمين ، إلا أني مع هذا قبلت التحدي وقررت أن أعمل ما بوسعي لأفوز به لعلي أحصل على فرصة عمل طالما حلمت بها، أخشى كثيراً على مستقبلي فمع الأحداث الأخيرة أصبح كل شيء ممكناً وكل ما هو سيئ بات الآن متوقعا، أنا بانتظار ما ستتمخض عنه الأحداث ولكن بيأس ، أصبحت الأمنية الملحة لدي أن تجتاز بلادي هذه المحن" وتتابع ريم " بعد أن كنا نطالب بفرص عمل ونحلم بمنزل، بتنا اليوم نتمنى التخلص من هذا الكابوس الذي يسيطر على حياتنا ويشل حركتنا".

رفعت على شرفة منزلي علم بلادي
فقد أردت أن أوجه من خلال علم بلادي رسالة الى كل سوري عن حاجتنا في هذه المرحلة لأن نكون شعبا واحدا ونؤجل خلافاتنا لأن البلد في هذه المرحلة بحاجة لوحدتنا وتضيف (ياسمين - 24 عاماً) "لا نريد ديمقراطيتهم التي رأينا نماذج منها في أفغانستان والعراق. بل نريد منهم أن يتركونا وشأننا وسنحل مشاكلنا الداخلية بأنفسنا"

المتضرر في جميع الأحوال هو الشعب ذو الدخل المحدود
أما (منال عثمان 31 عاماً) فقد شكت من غلاء الأسعار التي نتجت عن قلة الوعي التي سادت بعض فئات المجتمع السوري تقول منال:" شعرت بانزعاج و ألم شديدين عندما قالت إحدى صديقاتي أثناء زيارتي لها مع شلة من الأصدقاء (يا جماعة اللي معه قرشين يحولن دولار) فمن جهة أنا لا أملك أي نقود أستطيع أن أحوّلها لدولار، ومن جهة أخرى شعرت بالخوف لأن إقدام الناس على شراء الدولار أدى الى انخفاض القدرة الشرائية لليرة السورية، وبالتالي ارتفاع الأسعار وكان المتضرر في جميع الأحوال هو ذلك الشعب المسكين الذي بالكاد يغطي نفقاته".
في حين أبدت زميلتها (صفاء حسان 31 – عاماً) رأيها في نفس الموضوع قائلة:"المشكلة تكمن في أن الناس هم الذين افتعلوا الأزمة قبل ان يكون هناك أي حصار اقتصادي، فما حدث ليس سوى أزمة نفسية افتعلتها بعض الفئات المستفيدة وانعكست على الليرة، إنها حالة من الخوف غير المبرر تمر بنا في وقت كان لابد فيه من التعقل" وتضيف: "الأجيال السابقة كانت أكثر تفهما منا فقد قال لنا والدي بالحرف: (أنتم يا أبنائي لا تعرفون معنى الحرب لأنكم لم تتعرضوا لها، أما نحن فقد عشنا أيام الحرب التي كانت آخرها حرب تشرين ، ليست الأمور كما تتصورون ففي الوقت الذي كانت الحرب على أوجها في الجبهة عشنا حياة مدنية عادية ، كنا نأتي إلى عملنا في موعده، ولم يتغير تعاملنا مع المصارف كما أننا لم نموّن الطعام وغيره... لأن قلوبنا كانت على الوطن إن الأزمات تقوي الوحدة الوطنية وتجعل الشعب أكثر تماسكاً)".

ولحسام رأي آخر
إنها فرصة كبيرة لسورية كي تتخلص من فئة كبيرة نهبت الوطن لفترة طويلة ثم آثرت الهروب عندما استشعرت بالخطر فيه، كما أن خروجنا من لبنان فرصة هامة كي نلتفت إلى سورية ونوقف هذا السيل الجارف من الفساد الذي كان يأتينا من ذلك المنفذ ويتابع (حسام درويش 32 عاماً) "ربما تكون هذه المرحلة بداية لمرحلة جديدة من الاعتماد على الذات ورفع نسب التشغيل، لا أظن بأن الأمر سيكون سيئاً على سورية التي تعاني أصلاً من الضغوط والتي عوّدتنا على الصمود عبر أزمات أشد صعوبة".

قرار المصارف بإيقاف القروض شلّ حركتي إلى إشعار آخر
يقول (حسن حسن 34 – عاماً): "بعد أن بذلت الكثير من الوقت والجهد في إعداد إضبارة القرض الذي بنيت عليه آمالا كبيرة، تقدمت إلى المصرف العقاري لأفاجأ بأن القروض الشخصية ودون سابق إنذار توقفت منذ تاريخ 23/10/2005 وحتى إشعار آخر، ثم تبعه قرار آخر بإيقاف جميع أنواع القروض.
شعرت أن جميع الطرق قد سدت في وجهي واستغربت هذا القرار الذي أتى في وقت غير مناسب على الإطلاق، حيث إنه حسب رأيي الشخصي كان يتعين على المعنيين في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد أن يعملوا على متابعة الإجراءات الاقتصادية الطبيعية، لأنهم بمثل تلك القرارات جعلوا الناس يشعرون بالخوف، وهذا أدى إلى انعكاسات خطيرة على الاقتصاد ظهرت بتدهور قيمة الليرة السورية.
ولأنه لم يعد عندي حل آخر لمشاكلي وللضرر الذي لحق بي جراء توقف القروض، فقد شعرت بأنني مشلول تماماً ولا أستطيع أن أفعل أنا أيضاً أي شيء حتى إشعار آخر".

بعض الفضائيات العربية "خطر" يواجه بلدنا
لا أستطيع ان أفهم لماذا تصبح قضية بلدنا الشغل الشاغل لبعض الفضائيات التي تخوض ضدنا حرباً إعلامية على تلك الضخامة ويتابع (جميل المحمود 26 عاماً) والمشكلة تكمن في أنهم يمتلكون إمكانات هائلة يوظفونها ضدنا، فقط لأننا ندفع ضريبة مواقفنا الثابتة، وأنا أعتبر تلك الفضائيات بأنها هي المسؤولة عن حالة الخوف التي تسود بعض شبابنا لأنها تتوجه إلينا تحديدا فتحاول ان تضللنا وتجعلنا نفقد ثقتنا بوطننا".
المظاهر في بلدي تشعرني بأن الحرب قريبة
حالات شديدة من التوتر والقلق تعيشها (رنين ديبو 19 عاماً) التي تقول:" لقد تعبنا من هذه الأحداث تعبنا من التآمر على بلدنا الحبيب، تعبنا من كل شيء، من هؤلاء الذين (يفبركون) الشهود الكاذبين ومن الاعتصامات والخيم التي تملأ كل مكان، والتي توحي لي وكأن الحرب قادمة، وكلما شعرنا بالانفراج قليلاً يأتي من يسرق منا فرحتنا ويحيك المؤامرات ضد بلدنا، ما الذي يريده هؤلاء منا فنحن مازلنا صغاراً كان من المفروض أن ننشغل بأحلامنا بدلاً من انشغالنا بالتوتر والخوف على البلاد".
مرحلة ما بين التقريرين مرحلة حساسة وصعبة عاشها الشباب السوري، فمن تقرير ميليس الأول الذي بني على التآمر والتضليل مروراً بمراحل الشد والرخي التي تمثلت في تلميحات وتصريحات برعت وسائل الإعلام المغرضة بتسخيرها لأهدافها، وبظهور أدلة جديدة نسفت بنوداً كثيرة من التقرير الأول وولدت شعوراً عاماً بالظلم والبراءة، وطبعاً ترافق ذلك بمنعكسات اقتصادية أثّرت بشكل واضح على تلك الشريحة الشبابية وليس انتهاء بالتقرير الثاني الذي ينتظر منه مزيداً من التآمر.
إنها مرحلة صعبة، فمع منطق القوة شعر الجميع بأن البلد تتجه إلى المجهول.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة