الإثنين, 22 كانون الأول 2014
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 4 تاريخ 1/9/2005 > (لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم)
(لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم)
قديماً كان الآباء والأمهات يعيشون في سلام مع الأبناء. فالآباء يأمرون والأبناء يطيعون. وإذا فكر الأبناء بالخروج عن طاعة الوالدين كان نصيبهم الزجر والضرب، وربما العصا و(الفلقة)، ولم نزل نرى بقايا له في بعض المجتمعات وخاصة الريفية. لكن هذه العلاقة لم تدم، وهذا الصفو لم يستمر.. عكّره وليد جديد اسمه (علم النفس)، أو ما شابه ذلك من الدراسات التربوية الحديثة، عندما أكدّت هذه الدراسات أن قوة الآباء وتسلطهم جناية على الأبناء؛ لأنها تحولهم إلى مساكين بلا شخصية.. مصابين بالعديد من الأمراض والعقد النفسية التي تحدّ من قدرتهم على العمل المنتج، وتجعلهم غير قادرين على مواجهة مصاعب الحياة، مثل تلك الأم التي تقول لابنها الذي تجاوز العشرين: (انتبه.. تمهل وأنت تعبر الشارع، فالحوادث كثيرة).
لكن التراخي في التربية الحديثة، وترك الأولاد على هواهم يتصرفون كما يشاؤون.. مصيبة كبرى، فالأب الذي يضعف أمام دموع ابنه الصغير وصراخه يعتاد ابنه أن يذرف دموع التماسيح.. وهكذا انقلبت الآية فأصبح الأبناء يقسون في معاملة ذويهم وابتزازهم حتى أصابوا آباءهم بالعديد من الأمراض النفسية وعقدها. أضف إلى أنهم أصبحوا متهورين تسيطر عليهم انفعالاتهم الطارئة ونزواتهم الخبيثة. فكثرت جرائم الأحداث، وتعددت أنواعها. وفي هذه المرة كان الآباء هم الذين أعلنوا السخط في (علم النفس) والدراسات التربوية الحديثة الخ.. من هذه الصرعات المستوردة، وتأسفوا على الماضي الذهبي الجميل عندما كان فيه للآباء شخصية وسلطان.. وكان فيه للأبناء طاعة واحترام وأدب. لقد حاول الأميركيون ألا يعاقبوا الطفل مهما أخطأ، وسارعوا إلى تربية رغبته بمجرد أن يفصح عن ذلك،فتركوا الصغار يفعلون ما يحلو لهم، وحرصوا على إجابة رغباتهم. لكن الطفل كان يحصل على كل ما يشتهي، لا على كل ما هو بحاجة إليه فعلاً. وهؤلاء الصغار (الأحرار) هم الذين يمدون المجتمع بأكبر عدد من المنحرفين والمجرمين... ولا غرابة في هذا، فما اعتادوا التحكم في إرادتهم. وما عوّدهم أحد أن يحرموا أنفسهم مما تشتهي، أو أن يخضعوا لأوامر المجتمع ونواهيه. واحتدمت بين الطرفين: الملتزم في التربية، والمتحرر منها، لم يتفقوا فيها إلا على أمر واحد، فهم جميعاً يحاولون أن يضعوا لحرية الطفل قيوداً، ولسلطة الأهل حدوداً. لكن يبقى السؤال: ما هي السلطة؟.. وما هي الحرية؟.
لا شك أن السلطة ليست مجرد القدرة على إصدار الأوامر والنواهي وتوقيع العقوبات، وإنما هي تعبير دقيق صادق عن إرادة من يصدرها، وليست الحرية عبثاً وفوضى، فالتربية السليمة توفيق بين السلطة والحرية.
فالطفل بحاجة إلى سلطة والديه لأنها تهيئ للطفل راحة النفس وسلامة البدن، واعتياد الطفل قبول النصيحة منذ صغره يجعل من اليسير عليه أن يتقبل أوامر المجتمع ونواهيه في سماحة ورضى، إضافة إلى أن الأب القوي نموذج يحتذيه الأبناء، والأم الحازمة قدوة طيبة لبناتها. فالطفل لا يقلد والديه فقط، بل يتمثل نفسه في صورة الأب إن كان ولداً، وفي هيئة الأم إن كانت بنتاً. فإذا كان أبوه رجلاً قوياً عادلاً تشبّه به عن رضى واقتناع. وإن كانت الأم حازمة تشبهت بها البنت في كثير من الفخر والزهو. لكن الآباء الذين يقررون بأنفسهم كل شيء، ويعوّدون أبناءهم الخضوع والطاعة وتنفيذ الأوامر والنواهي دون مناقشة يحرمون هؤلاء الأبناء من تنمية ما لديهم من طاقة خلاّقة ومواهب كامنة. والطاقة التي لا تستغل سرعان ما تخبو، والمواهب التي تهمل سرعان ما تذبل، هذا إذا لم تتخذ شكلاً آخر يضر الطفل فتبدو مثلاً في شكل ثورة عدوانية أو مقاومة سلبية أو هروب من الواقع إلى عالم الوهم والخيال، أو مشاركة في نشاط سري تحجبه الأكاذيب.
إن القضاء على مواهب الطفل لم تكن له آثار خطيرة حين كان الولد يرث عن أبيه صنعته، فابن الفلاح يشب فلاحاً، وابن التاجر تاجراً وابن الصانع صانعاً الخ.. يومها كان يكفيه أن يخضع لإرادة أبيه ويطيع أوامره ليضمن مستقبله، لكن أولادنا لم يعودوا يرثون أعمالنا، بل الموهبة هي التي صارت، في أفضل الأحوال، تؤهل صاحبها، اللهم إذا لم يئد فيه والده هذه المواهب وهو بعد صبي ولهذا على الآباء أن يعاملوا بنيهم بحذر شديد، وألا يفرضوا عليهم نمطاً معيناً من التفكير أو السلوك لا يتفق ومواهبهم، أو بعبارة أدق أن يوفقوا بين سلطة الآباء وحرية الأبناء، وهذا يعني أن نجعلهم يمارسون الحرية وفقاً لإرشاداتنا وتوجيهاتنا، فحريتهم مكفولة لكن داخل إطار من صنعنا.
وأخيراً على الأب أن يشترك في تربية أولاده وتوجيههم والإشراف عليهم إشرافاً فعلياً لا ظاهرياً، فأغلب الأولاد المنحرفين يأتون من بيوت غاب عنها الأب، أو شغلته عنهم أعماله وهوايته، فانقطعت الصلة بينه وبين أبنائه، وفقد قدرته على توجيه حياتهم.
وعلى الأبناء أن يسمعوا نصائح آبائهم ويستفيدوا من تجاربهم الطويلة في الحياة.. لكن ليعملوا عقولهم ويتبعوا ما تمليه عليهم لأنهم ولدوا لزمان غير زماننا.
تعليقاتكم
1. لا حول ولا قوة إلا بالله
د. أحمد عمارة | 7/3/2011 الساعة 15:16 , توقيت دمشق
الأخوة الأحبة من الواضح أن كاتب هذا المقال لم يقرأ شيئا عن علم النفس ، ولا عن الأساليب النفسية الصحيحة للتربية ، وإنما استقى معلوماته إما من الجرائد أو الأفلام والمسلسلات أو السماع العامي العابر . أقول له ، اتق الله يا أخي فيما تقول ، وتذكر قول الله سبحانه وتعالى "فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" خالص تحياتي وتقديري أحمد عمارة استشاري صحة نفسية
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة