الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 107 تاريخ 1/7/2018 > في رحاب المؤتمر الدولي.. أثر الفن والعمارة في العلاقات العلميّة بين إيران والعالم العربي
في رحاب المؤتمر الدولي.. أثر الفن والعمارة في العلاقات العلميّة بين إيران والعالم العربي
كاشان- د. محمود شاهين:

شهدت جامعة كاشان في إيران ما بين 12و13 أيار الماضي مؤتمراً دولياً حمل عنوان (أثر الفن والعمارة في العلاقات العلميّة بين إيران والعالم العربي) شارك فيه كوكبةٌ من الباحثين الأكاديميين المتخصصين في مجالي الفنون والعمارة جاؤوا من دول مختلفة، عربيّة وأوروبيّة، إضافة إلى الدولة المضيفة، وكان المؤتمر -حسب الدكتور عباس زراعت رئيس جامعة كاشان- حصيلة التخطيط المشترك لجامعة كاشان ومنظمة الثقافة والعلاقات الإسلاميّة بمساعدة مركز الهندسة المعماريّة ومركز البحوث الحضريّة، وتفاعل عدد من الجامعات ذات المرتبة الأولى في إيران وبعض الدول العربيّة بغية تعزيز العلاقات العلميّة والثقافيّة والنقاط العلميّة المشتركة في مجالي العمارة والفنون.
محاور المؤتمر
توزع المؤتمر على ثلاثة محاور هي:
1- الشؤون المعماريّة والزخرفيّة: تناول هذا المحور المشتركات المعماريّة بين إيران والعالم العربي في العصور التاريخيّة المختلفة، ودور الديانة في نشأة العمارة والهندسة الحضريّة، وأثر الحداثة في الهندسة المعماريّة والحضريّة بينهما، ودور علم الرياضيات والهندسة في المشتركات المعماريّة والمزخرفات المعنيّة في إيران والعالم العربي.
2- الأدب والتاريخ وعلم المخطوطات: تطرّق إلى الدور الجغرافي لإيران في المستندات والنصوص المكتوبة في العالم العربي، واللغة العربيّة ودورها في توسيع العلم في القرون الأولى والوسطى في إيران الإسلاميّة، وجذور القصص العربيّة المنعكسة في الأعمال الفنيّة الإيرانيّة، والأدب القصصي والمسرح في العالم العربي.
3- الفن وعلم الآثار: تناول الفنون الصناعيّة وأثرها في العلاقات العلميّة والثقافيّة بين إيران والعرب والمشتركات بينهما استناداً إلى المواد الثقافيّة لعلم الآثار، ودراسة إمكانيّة إنجاز النشاطات العلميّة والميدانيّة المشتركة في علم الآثار.
عامل ربط بين المنطقتين
تُعدّ العمارة والفن -حسب الدكتور أحمد داناتي نيا رئيس اللجنة العلميّة للمؤتمر- بوصفهما قوةً محتملةً، عاملاً مهماً في الربط بين المنطقتين الجغرافيتين إيران والعالم العربي على نطاق واسع ويمكن اعتبارهما السبب المُوحّد للعالم الإسلامي، وقد تسببت هذه القوة التي ساهم فيها الدّين بربط المناطق الجغرافيّة والسياسيّة للعالم الإسلامي بعضها بالبعض الآخر، والتي تشمل جزءاً من الهند وأفغانستان وأجزاء من باكستان إلى الحدود الغربيّة في شمال إفريقيا، لذلك يمكن عدّ الفن والعمارة، بوصفهما حدثين علميين وثقافيين، من المكوّنات الأولى التي ساهمت في توحيد العالم الإسلامي.
العمارة والفنون
تُعتبر العمارة والفنون التشكيليّة من أبرز ضروب الفنون الجميلة تلازماً مُبكراً فأغنى كلٌ منهما الآخر، وما زالا حتى يومنا هذا يمارسان هذا الدور. ونتيجة لهذا التلازم بين الفنّين حرصت غالبية أكاديميات وكليات ومعاهد الفنون الجميلة في العالم على الجمع بينهما في محترفاتها بهدف توطيد العلاقة وتعميقها بين (مهندس العمارة) و(الفنان التشكيلي) لاسيّما أن المنشأة المعماريّة، على اختلاف مهامها ووظائفها، حاضنةٌ رئيسةٌ لغالبية الفنون البصريّة التقليديّة والحديثة، وتحتاج لإنجازها بالشكل الصحيح إلى مهندس العمارة الذي يقوم بتصميم كتلتها العامة التي يجب أن تتآلف فيها القيم الاستخداميّة والجماليّة، وأن تنسجم كطراز ومواد وخامات مع محيطها، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الفنان التشكيلي لزخرفتها وتزويقها وتزيينها وإشاعة مظاهر الجمال بين جنباتها وحولها.
تأثير وتأثّر
ارتبطت الفنون الجميلة بمواد وخامات البيئة، وقامت بالردّ على المناخ السائد فيها وعلى حاجات ومعتقدات وعادات وذائقة إنسانها، ولكنها في الوقت ذاته خضعت لتأثيرات الطرز المعماريّة السائدة في بيئات أخرى مجاورة فأخذت منها وأعطتها، وهذا ما يبدو جلياً وواضحاً في فنون وعمارة إيران والعالم العربي، سواء منها العائدة لأحقاب ما قبل الإسلام أو تلك التي وُلدت وتوطّدت بعد قيامه، فقد تأثرت واستوحت الفنونُ الجميلةُ الإيرانيّة قبل الإسلام الفنونَ الأكاديّة الرافديّة، وحلّت الكتابة المسماريّة الرافديّة محل الكتابة العيلانيّة منذ نحو 2200 سنة قبل الميلاد، والأمر نفسه ينسحبُ على فنون النحت والتصوير الجداري والمشغولات والحرف اليدويّة، وبالمقابل تأثرت الفنون الجميلة العربيّة بالفنون الإيرانيّة، وأخذت منها الكثير من عناصرها ومفرداتها وموضوعاتها. كما أنه مع دخول إيران في الحقبة الإسلاميّة زادت عملية التأثير والتأثر بينها وبين العالم العربي في أكثر من حقل ومجال، لاسيّما الفنون الجميلة التي تضمّ العمارة والفنون التشكيليّة والتطبيقيّة، لأنه من الطبيعي أن تتأثر هذه الفنون الوليدة (وهي آخر مواليد الفنون القديمة) بفنون الدول التي اعتنقت الإسلام، خاصةً أن معظمها يمتلك حضارات قديمةً وعريقةً تمظهرت في مناحٍ عدة فكريّة وماديّة عديدة.
الفنون الإسلاميّة
في البداية أخذت الفنون الإسلاميّة من فنون الحضارات التي سبقتها المناسبَ والملائمَ لشخصيّة الدّين الجديد وعقيدته، ثم قامت بالتدريج بهضمها وإعادة صياغتها، مانحةً إياها طابعاً إسلامياً خالصاً، بحيث صار من الصعب (بعد مرور حقبة من الزمن) التعرف إلى الأصول التي جاءت منها، ففي حين كان بالإمكان التعرف إلى هذه الأصول في القرن التاسع الميلادي، أصبحت هذه المهمة شاقةً في القرن الحادي عشر بعد أن قام عشرون جيلاً من المعماريين والفنانين والمزخرفين والحرفيين المسلمين بتحوير وتطوير عناصر وطرز الفنون الإسلاميّة التي انتهت إلى وحدة متينة وحاضرة، مردها الأساس روح الرسالة الإسلاميّة. وبحكم أن إيران أحد أكبر البلدان الإسلاميّة، وتستند إلى حضارة عريقة وكذلك الأمر بالنسبة للعرب، سرعان ما تمّ التفاعل بين الحضارتين الإيرانيّة والعربيّة في بوتقة الإسلام، خاصةً أنه سبق للحضارتين أن تعانقا وتعالَقا خلال الأحقاب السابقة على الإسلام، بمعنى أن التربة العربيّة والإيرانيّة كانت جاهزة لاستقبال وتنمية هذا التمازج والتآلف الفكري والعقائدي والعلمي والفني والإنساني بين الأمتين والشعبين الشقيقين، وقد ساهمَ في تسريع قيام هذه العلاقات التجاورُ الجغرافي والتاريخُ المشتركُ والمناخُ والتجارةُ والأهواءُ التذوقيّةُ التي شكّلتها عواملٌ طبيعيّةٌ وحضاريّةٌ مختلفةٌ، إضافة إلى العامل الديني الجديد، الذي يُعتبر من أهم وأبرز الدوافع وراء قيام هذه العلاقات واستمرارها وبقائها.. وبما أن الآداب والفنون الجميلة من أهم وسائل التواصل بين الشعوب والأمم فكان لها الدور الأبرز في ترسيخ وتأصيل العلاقات العلميّة والفكريّة والإنسانيّة بين إيران والعالم العربي، لاسيّما أن إيران تمسّكت بالحرف العربي في لغتها، وجعلته أحد الميادين البارزة لإبداعات فنانيها الذين وظّفوه في الفنون الغرافيكيّة والمعماريّة والحرِف والمشغولات اليدويّة وغيرها.
ريادة إيرانيّة
من الخامات والمواد التي استخدمت بكثرة في الفنون الإسلاميّة (الفخّار) وهو الطين المشوي الذي يتحوّل إلى الخزف المسطّح والمجسّم بعد تزجيجه وإدخاله مرةً ثانيةً إلى فرن الشي، و(القاشاني) هو ضرب من الخزف الذي ارتبط بالفنون الإسلاميّة، واستخدم بكثرة في العمارة الخارجيّة والداخليّة، وتأتي إيران في مقدمة الدول الإسلاميّة التي أنتجت الخزف والقاشاني خلال القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وكان هذا الفن من أكثر الفنون التطبيقيّة أهميةً خلال هذه العصور، لكنّ تاريخ هذا الفن في إيران يعود إلى عشرة آلاف سنة، وقد اقتصرت رسومه في البداية على الزخارف الهندسيّة، ثم أًضيفت إليها الرسوم النباتيّة والحيوانيّة، وعكست هذه الرسوم والزخارف الحياة الإيرانيّة بأبعادها الدينيّة والأخلاقيّة والفنيّة، ومن خلالها تمّ التعرّف إلى معالم الثقافة الإيرانيّة القديمة والجديدة وطبيعة المفاهيم والعادات والتقاليد والمعتقدات التي سادت في العصر الذي ظهرت فيه. ومن أبرز المواقع التي اُكتشف فيها الخزف الإيراني القديم: هضبة (سيلك) ثم مدينة (قاشان) وتلال (حصار) في (دامغان) وتلال (كيان) في (نهاوند) و(شوش)، وأهم مراكز صناعته: مدينة (الري) الواقعة قرب العاصمة طهران، و(سلطان آباد) و(صادة) و(قاشان) التي يُنسب إليها (القاشاني) الذي عرفته غالبية البلدان الإسلاميّة، خاصة المغرب العربي وبلاد الشام ومصر وتركيا وسمرقند وبخارى وباقي الدول الإسلاميّة التي كانت تنضوي ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ومن أبرز العاملين في هذا المجال: أبو القاسم عبد الله بن علي بن أبي طاهر القاشاني الذي وضع عام 1301 رسالة تحدّث فيها عن صناعة هذا الفن العريق والبارز (اليوم) في الفنون الإيرانيّة المعاصرة، لاسيّما فن العمارة، حيث تُستعمل بلاطاته وتشكيلاته في تزيين مرافقها من الخارج والداخل، وبصياغات وتشكيلات فنيّة مدهشة دفعت أحد الفنانين الإيرانيين للقول: (هذا الفن يداعب روح الإنسان، فالذي قدّم هذا الفن قدّم جزءاً من روحه). وقد تعزز هذا الشعور بعد أن أدخل الفنان المسلم على وحداته الزخرفيّة، الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة الشريفة وأقوال أئمة أهل البيت عليهم السلام. ثم انتقل (القاشاني) إلى آسيا الوسطى بوساطة الخزّافين الإيرانيين، وطال المقرنصات التي تُعتبر من العناصر المميزة في العمارة والزخرفة الإسلاميّة، وهي تشكيلات هندسيّة فراغيّة ثلاثيّة الأبعاد، الأمر الذي جعلها تحاكي المنحوتة التجريديّة التي ترتبط والطبيعة كـ(مضمون) بمنهجيّة فكريّة إسلاميّة صوفيّة، أما كـ(شكل) فتقوم المقرنصات بدور الربط والتحوّل والانتقال من شكل أو سطح هندسي إلى آخر وفق نظام رياضي يتساوق مع نوع خاص من الإيقاع الموسيقي.
عناق الماضي والحاضر
فن الخزف الواقف في البرزخ الفاصل بين الفنون التشكيليّة والفنون التطبيقيّة والحرفيّة هو أحد ألوان الثقافة البصريّة الإيرانيّة القديمة – الجديدة، يتعانقُ فيه (على الدوام) الحاضر بالماضي، ويمتزج المعاصر بالموروث، والابتكار بالخبرة المتوارثة، والحرفة بالفن، وتتم عمليةُ التمازج هذه وفق الاحتياجات الجديدة للفرد والمجتمع، لاسيّما المستجدة بعد قيام الثورة الإسلاميّة في إيران، التي غذّت العقول والأيدي بدفقٍ من الإلهامات الروحيّة العميقة المُحرّضة على الخلق والابتكار، إذ إن لإيران إرثاً غنياً وأصيلاً في مجال الخزف والقاشاني، حيث كانت ولا تزال أحد أهم مراكز إنتاجه، لاسيّما الفني منه، وما تضمّه عمارتها الدينيّة الداخليّة والخارجيّة وصالات عرضها وقاعات متاحفها وأروقة مؤسساتها وبيوت مواطنيها، وما تقدمه باستمرار في (البيناليات) والمعارض الدوليّة من هذا الإنتاج خيرُ شاهدٍ على رقي وتطور هذا الفن اللصيق بمتطلبات الحياة اليوميّة للإنسان المعاصر، فهو يُقدم له العديد من الأدوات التي تُسهّل له ممارسته لهذه الحياة (صحون، كؤوس، مغاسل، أحواض، أوعية لحفظ الطعام والشراب) وفي الوقت نفسه يُقدم له العمل الفني (المسطّح والمجسّم) المفعمة تكويناته وسطوحه بالقيم المعرفيّة والفنيّة والجماليّة المتناغمة مع عواطف وأحاسيس مبدعه، وبالتالي مع متلقيه الذي لا مندوحةَ أمامه من التفاعل معها وإطلاق روحه في فضاءاتها الرحبة، النديّة، المطربة لبصره وبصيرته في آنٍ معاً.
الفنون الغرافيكيّة
لم تقتصر الفنون الجميلة الإيرانيّة على الخزف والقاشاني، بل تعدّتها إلى فنون غرافيكيّة مختلفة، تقوم هي الأخرى بتعميق العلاقات العلميّة بين إيران والعالم العربي من خلال المنشورات والمطبوعات والمعارض المتبادلة بينهما، ففي زيارتنا لمركز الفن الإسلامي في طهران تعرفنا إلى مجموعة من الفنانين والخطّاطين ورسامي المنمنمات والحرفيين الإيرانيين المعاصرين الذين ما زالوا يُثرون الفن الإسلامي العريق بعطاءاتهم المدهشة في: الرسم والتصوير والخط والرقش والنقش والتزويق والترقين والتوريق وفنون الكتاب والإعلان التي تُعدّ المنمنمات من أعرقها وأجملها، فقد عرفت إيران هذا الفن وتفرّدت به قبل الإسلام وبعده، وما زالت محترفاتها تقدمه حتى الآن بكثير من البهاء والجمال والتمايز.
التصوير الإيراني
لقد ارتبط فن التصوير الإيراني بالمنمنمات التي لعبت دوراً مهماً في تزيين المخطوطات، وجاء معظمها بحجوم صغيرة، لكنها حملت بين أعطافها مهرجانات ساحرةً من الألوان والأشكال والعناصر والمفردات، ومطرزة بالحروف العربيّة التي ظهرت ما بين القرنين الثامن والعاشر في المناطق الإيرانيّة المترامية الأطراف التي دخلت العالم الإسلامي في نهاية القرن السابع الميلادي، وتمتدُ هذه المناطق تقريباً من وادي دجلة في العراق الحديث غرباً إلى آسيا الوسطى أو جبال الهند وكوش (غرب الهيمالايا) شرقاً. لكنّ فن التصوير الإيراني لا يقتصر على المنمنمات التي تأكدت وتطورت وانتشرت بعد اعتناق إيران الإسلام، وإنما تعودُ جذوره إلى ما قبل هذه الفترة، وإلى أنواع أخرى من فنون التصوير كالرسوم الجداريّة التي عملت الصدفة على حفظ بعضها، لكنها مع ذلك لم توفر للباحثين سجلاً تاريخيّاً متسقاً، وظلت مجرد قطع متناثرة من أحجية هائلة قد لا يُقدّر لنا معرفتها قط رغم أهميتها الكبيرة.
فن الملصق
من جانب آخر، برع الفنان الإيراني بتصميم الملصق: الإعلاني والإعلامي والتوجيهي متعدد الأغراض، وينتمي هذا الفن إلى أسرة الفنون التشكيليّة، وبالتحديد إلى فنون التصميم و(الغرافيك) التي باتت (اليوم) واسعة الطيف والتقانات، لاسيما مع وجود الحاسوب الذي منحَها دفعةً قويةً إلى الأمام، وطوّر من تقاناتها وأساليبها وأنواعها، وتضمّ هذه الفنون إلى جانب الملصق، الرسوم التوضيحية (الموتيف) المرافقة لنصٍّ علمي أو أدبي، والرسوم المتحركة (الكرتون) وفنون الكتاب والإخراج الصحفي وغيره، وكما هي الحال بالنسبة لعملية تحديد ماهية الفن التشكيلي التي لا تزال إشكاليّةً مفتوحةً تتقبّل المزيد من الآراء والاجتهادات والإضافات، كذلك الأمر بالنسبة لماهية (فن الملصق) الذي يراه (إياد صقر) مطبوعةً يتم عرضها بشكلٍ علني، وتستخدم أداةً للدعاية لمنتجٍ ما أو حدثٍ معينٍ أو مناسبةٍ أو سببٍ من خلال عرض صورة مع نص، بمعنى أن مهمة الملصق هي الإعلان البصري الموجز بتوفير ونقل معلومة، أو الإشارة إلى حدثٍ بكثير من الاختزال والإيجاز وبأقلّ ما يمكن من النصوص والكلمات والرسوم والصور، وذلك عن طريق الدمج بين هذه العناصر مجتمعةً، حيث من المفروض أن تلعبَ الأشكالُ والألوانُ والعناصرُ البصريّةُ الأخرى مهمة تصيّد عين المتلقي وجذبها إلى النص المرافق الحاضن للمعلومة.
قبل الثورة وبعدها
من جانبه، يشيرُ (سعيد مشكي) من جمعية إيران لفنون التصميم إلى أن مصممي الملصق المعاصر في إيران يمتلكون جميع شروط وإنجازات المصممين السابقين، وقاموا بتأسيس فن التصميم الحالي على أساس متين قبل الثورة الإسلامية، ويؤكد (مشكي) أن المصممين الإيرانيين من الجيل الحالي هم الذين كانوا مراهقين أو أطفالاً أيام الثورة، وقد تحولوا إلى راشدين خلال الحرب العراقيّة - الإيرانيّة، لهذا من الطبيعي أن تكون لهم صفات مميزة، وأن يسعوا إلى تغيير الكثير من القواعد، وفي بعض الأحيان إزالتها، حيث يلتزم الجيلُ الحالي -حسب مشكي- بسنواته العديدة من الثقافة والفنون، وقد استفاد منها كثيراً، ولهذا السبب نجد اختلافاته التي (في بعض الأحيان) تكون جوهريّةً من وجهة نظر المصممين السابقين، ويمكن ربط أعمال هذا الجيل بالجيل السابق كنوعٍ من الاستمراريّة بعد فترة من الدراسة والتأمل.
ويشير (مشكي) إلى أن بداية الحقبة المهنية للجيل الحالي تزامنت مع ظهور الحاسب الآلي ودخوله ميدان الفن التصويري والتصميم، فقد رحّب فنانو هذا الجيل بتلك السلعة، وباشروا في استخدامها على الرغم من أنهم ومنذ نشأتهم مع حقبة الأجهزة الرقمية المتطورة و(الكمبيوتر) لم يتغلبوا عليها، وإنما استفادوا منها كونها آلةً فقط. وبناءً على هذا فإن الجيل الحالي يمثل الجزء الفعّال من تصميم الفنون التصويرية في إيران، ويمكن مشاهدة حضوره بوضوح في جميع المناطق، إذ يبدو أن هذا الجيل، الذي ظهر متأخراً، لن يرحل بسهولة من دون أن يخلّف وراءه بصمةً واضحةً في فنون التصميم الغرافيكي في إيران.
من جانب آخر، يرى (إبراهيم حقيقي) رئيس جمعية فنون التصميم الإيرانية أن بعض الفنانين والخطّاطين في إيران أنشؤوا أساليب جديدة ورفيعة المستوى مازالت شائعةً، واختاروا التكنولوجيا والخط والرسم والنمنمة كوسيط للقيام بأعمال التصوير الزيتي، كما أصبح الخط الإيراني مقدّساً لأنه ينهلُ من (القرآن الكريم) والأشعار وخطب الحكماء، والقلم بالنسبة لهم شيء مقدّس لأن الله قد حلَفَ به في القرآن. وبرأي (حقيقي) أن فنون التصميم في إيران، على الرغم من حداثتها (مثل جميع الفنون) لديها أساليب مستوحاة من بعض المصممين الآخرين في البلدان الغربية التي ولدت فيها فنون التصميم، لكنها لم تتوقف قط عن إظهار هويتها وأساليبها الخاصة، وذلك منذ بدأ تعليم هذه الفنون في إيران والذي ارتبط بتأسيس كلية الفنون الزخرفية عام 1960، ثم بتأسيس كلية الفنون الجميلة في جامعة طهران 1969، وخرجت من هاتين الكليتين قوافل المصممين الأكاديميين لتتوزع في طريقين اثنين: الأول هو مرفق السوق الواسعة، والتي بدأت تحتاج إليهم نتيجة التطور المتلاحق والمتعاظم لفنون الإعلام المقروء والمُشاهد وفنون الكتاب والإعلان متعدد الأغراض والأهداف. والثاني هو المرفق التعليمي المختلف المستويات، لا سيما الأكاديمي الذي يحتاج باستمرار إلى خبرات عالية من أجل تأهيل المواهب الجديدة الشابة وتدريبها، لأن النهر الذي لا تغذيه بشكل دائم السواقي ينقطعُ ويجفُّ.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة