الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 107 تاريخ 1/7/2018 > في جمهورية البيَاضْ.. المدينة – التراث – المرأة لـ. د. بغداد عبد المنعم
في جمهورية البيَاضْ.. المدينة – التراث – المرأة لـ. د. بغداد عبد المنعم
في كتابها (جمهورية البيَاض.. المدينة - التراث - المرأة) ترصدُ د. بغداد عبد المنعم، وعبر محاور كتابها: المدينة، المدينة والتراث غير المادي، المدينة والمرأة، هذه المحاور التي تنطلقُ من رؤية المدينة وأنسنتها بدءاً من تكوينها المعماري وصولاً إلى مناظرتها بالحواس الرائية، فضلاً عن أنها تذهبُ في بحثٍ جمالي عن طبيعة العلاقة ما بين المدينة والأصوات (هنا صوتٌ لأداء البيت بل لأداءاته..
هنا صوتٌ لرسوخ الأبواب الكبيرة العالية، هنا صوتُ الماء بل سيمفونيته العتيدة)، لكنها وهي تفردُ تلك الفصول لثيمة المدينة وفضاءاتها المحايثة من أصوات وألوان وتشكيلات سوف نجد أثرها في تشكيلات الصوت بما يعني الأثر الثقافي، إذ لا مدينة خارج الصوت - تقول الباحثة- التي تستظهرُ الترانيم والأذان لكي ترصد تعرجات جمالية تروح من الموسيقا إلى منتهى القبة الزرقاء، ومن حجرة المؤذن إلى سمع المدينة كلها.
إذا كان، كما تقول د. بغداد، في كل المدن العربية ثمّة ساحة أو ساحات شهيرة.. ساحات دمشق وحلب والقاهرة والقدس وحيفا وبغداد، ولكل ساحة من مدينة عقدها من الحكايات ونغمتها التي كانت منضمةً إلى الهارموني الناظم لكل تكوينات المدينة بعناصرها المعمارية وأصواتها وروائحها، فإن اللافت في بحثها الذي انطوى على رحلة سيكولوجية وجمالية في أعماق المدن العربية لا سيما حلب ودمشق، أنها لا تؤنسّن العمارة فحسب، وتذهبُ في إثر جماليات الأبواب والتوغل داخل البيت إلى التفاصيل الحميمة، بل تقفُ عند الأبعاد الايجابية في التحاور مع البيئة، والحوار بين أفراد عائلات البيوت، وفي ذلك تشكيلٌ لبُعد مجتمعي من شأنه أن يعيد إنتاج المكان، إذ إن بحثها في اللغة الجديدة وكثافاتها هو بحثٌ في ماضٍ يعيد (الشريط الوراثي) إلى المستقبل، وكل ذلك تشي به المدن ومنها حلب بساحاتها وأبوابها ودروبها وصولاً إلى ذاكرتها، فمثلاً عند إضاءتها لساحة الحرم القدسي ترى أنه مشبعٌ بحضور أزلي لروائع الرمزية التي جسّدت معمارياً إلى حقائق من حجر وخشب وفسيفساء تقاوم الانمحاء والانهيار، وفي ذاكرة الحزن الواسعة تذهبُ إلى (ساحة الحناطير) في مدينة حيفا، حتى لو غيروا اسمها، فهي بهذا الاسم العتيق اعتلت الذاكرة الفلسطينية بل العربية، (الأحصنة والعجلات الخشبية وغبار الحنين لن يحلّ محله اسم آخر).
وفي ذلك المسار المعرفي/ العرفاني، تفتحُ الباحثة د. بغداد عبد المنعم فضاءات من الحكايات وتفردُ لقاموسها العديد من الجمل اللافتة (بعض الساحات لها رحيق المخطوطات والحِبر.. وبعضها يتأرجحُ بالذهب.. لكن بعضها الآخر يدنو من الأشياء الأولى التي لا بد منها للإنسان).. هي حكايات الحطب والملح والذهب والحناطير والمقاهي، التي تهمسُ لنا: أن نعيد الكلمات إلى هذه الأمكنة العذبة.. أن نعيد إدماجها بحروف الزمن الجديد وذلك ما تؤكده الباحثة بالقول: (ليس همساً للعمارة وفتوحاتها الحداثية فحسب، بل لمسارات الأدب كي تعيد إنتاج المكان في الرؤى والحروف.. أليسَ الأدب رؤيا بعيدة المدى.. والمكان لن ينتهِي منّا أبداً). كما سنلمح ثنائية العمارة والفن، وتشكيل الموسيقا من المدينة إلى العالم، إذ تقول: (فن التواصل والاتصال هو الذي حمل المدينة من نافذة إلى فسحة، إلى شرفة، إلى درب ليجعلها حيال إطلالة ترى منها العالم)، وتتساءل: (هل تحكمُ المدينة العربية الحديثة هذه الحوارية من الشرفات بدءاً من البيت إلى العالم؟).
وهكذا ستبدو المدينة بتراثها غير المادي أشبه بالمدوّنة الثقافية أو العاصمة الثقافية، والتي ستأخذ دلالتها من أسطورة شهرزاد المدن والحضور التاريخي للمرأة من المثيولوجيا إلى الفن التشكيلي بخصوصية البيت العربي وبوصفه عمارةً للمرأة وذاكرتها.. فهو كتابٌ يأخذنا إلى الجميل والمختلف في فلسفة المدن التي تشي بحيوات متجاورة وبأنوثةٍ طليقةٍ مازالت الأساطير ناطقةً بها.

*في جمهورية البيَاض
*منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب- وزارة الثقافة_ دمشق
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة