الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 107 تاريخ 1/7/2018 > «فابريكا» أيمن زيدان.. «كباريه سياسي» قُربَ البرلمان!
«فابريكا» أيمن زيدان.. «كباريه سياسي» قُربَ البرلمان!
بديع منير صنيج

يواصل الفنان أيمن زيدان رهانه على «فرْجة شعبية» في مسرحه، ساعياً هذه المرة في عرضه الجريء «فابريكا» عن نص «نائب الشعب» لليوغسلافي برانيسلاف نوشيتش، والذي أعدّه بالتعاون مع محمود الجعفوري، إلى بلوغ صيغةٍ مسرحيةٍ توفيقيةٍ تستمتعُ بها معظم شرائح الجمهور باختلاف مستويات تلقِّيه، فما أراده نوشيتش من نقدٍ لاذعٍ للسلطات ممزوجٍ بسخريةٍ مُرَّة من نواب الشعب وطريقة انتخابهم، استطاع زيدان أن يقدِّمه بروح عالية من الكوميديا باعتبارها سلاحاً أساسياً من أسلحته، راسماً صورةً باهرةً عن الوجه الآخر للحياة السياسية بما فيه من مؤامرات ومكائد وصراعات على المناصب وسباق للحصول على المزايا، والأهم التماثل والتطابق في أيديولوجيات الطامحين ليُمثِّلوا الشعب مهما اختلفت التخندقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهم، حيث التَّخلِّي عن المبادئ والقيم هو السِّمة الأبرز من أجل الوصول إلى المنصب بما في ذلك استرضاء المنظومة التي تحكمُ سَيْر الأمور الانتخابية، والغش والانتهازية في سبيل تلميع صورة المُرشَّح، والاتكاء على «قوَّادي» المَرابِع الليلية في قيادة حملات الترويج بغية الحصول على مزيد من الأصوات.
وأيضاً التحالف مع الضِّدِّ وقلب القناعات كشيء طبيعي ومنطقي إذا أردتَ أن تصل إلى مُرادِك، ولو كلَّفك ذلك قراءة بيان خصمك السياسي على أنه بيانك الخاص لتصبح الشعارات واحدة لدى جميع المُرشحين: عن الحكومة، وعن «المعارضة»، وعن المستقلين، ولاسيما أن تلك البيانات المتطابقة ستبقى حبراً على ورق ما دام «البغاء السياسي» سيد الموقف.
عدم المباشرة
مسرح «الكباريه السياسي» إذن هو خيار «زيدان» مع المُحافظة على شيء من عدم المُباشرة، ابتداءً من عنوان «برلمان» الذي تغيّر قبل فترة قليلة من بدء العرض ليصبح «فابريكا»، ضارباً الكثير من دلالات الأول باتجاه غموض غير مقنع، فـ«المصنع» الذي يُحيل إليه العنوان الجديد أو «النسيج» و«القماش» في ترجمات وعاميَّات أخرى، لن يُغيِّر موقع مجلس الشعب القريب جداً من خشبة مسرح الحمراء مكان العرض، ولن يبدِّل من قناعات معظم المتابعين بأن الكثير من مُمَثِّلي الشَّعب امتهنوا التَّمثيل فعلاً، وباتوا يُخفون حقيقتهم خلف أقنعتهم وادعاءات حرصهم على مصلحة المواطنين وموارباتهم المديدة في تحقيق أي تعديل على أحوالهم.
وجهان مختلفان
القِناع في عرض «فابريكا» احتل مكانةً كبيرةً، إذ برز كأسلوبية أرادها «زيدان» من أجل تظهير الشخصية بوجهين مختلفين، فكل ممثل يضعُ قناعَه ليس على وجهه وإنما على قحف رأسه، وأزياؤه (تصميم: ريم الشمالي) تصلحُ أن يكون أمامُها خَلْفَها والعكس، ما شكَّل حالةً كوميديةً خالصةً مع إمكانية التَّقدُّم إلى الخلف والتَّراجع إلى الأمام، فتخيَّل أن نائب البرلمان يحكي مع الشَّعب وهو يدير ظهره له، ويُسلِّم على ضيوفه من قفا يَدِهِ، والعاشق يُقبِّل حبيبته من وراء قلبِه.. وغير ذلك من مفارقات وانقلابات على المعقول، لكي يبقى الثابتُ الوحيدُ هو النِّفاق، إذ إن ممثل الشعب في الحزب الحاكم «محمد حداقي» وافق على «تزويج» ابنته «لمى بدّور» بتحريضٍ من زوجته «لوريس قزق» لمُعارضِه «حازم زيدان» من أجل إرضاء عمّته «نجاح مختار» زوجة رئيس لجنة الانتخابات، هذا الأخير الغائب عن الخشبة والحاضر لدى جميع المُرشَّحين باعتباره الوحيد الذي يمتلك «الأختام» اللازمة لتمرير اسم المُرشَّح إلى القائمة النهائية بعد زيارة قصيرة لمكتبه، في حين أن مُرشح «المُعارضة» ارتضى أن يمتطيه من هبَّ ودبّ مقابل أن يكون صوتُ المُمْتطي ضدَّ ممثل الحزب الحاكم، بينما المُرشَّح المستقل «فادي الحموي» تعهَّد بالتَّخلي عن تجارته لمراهم إزالة البثور والزوائد الدهنية، وأيضاً التخلي عن استقلالية ترشُّحه مقابل الحصول على الكرسي البرلماني، كأننا أمام «كباريه أخلاقي» زادَ من حضوره راقصةُ أحد النوادي الليلية «خوشناف ظاظا»، وأحد عُمَّال الملاهي «لجين إسماعيل» الذي تحوَّل بقدرة قادرٍ إلى قائد حملة انتخابية فزادَ ثراه وغناه، واستبدل دراجته الهوائية بسيارة آخر موديل، حتى يتوحَّد الجميع في النهاية من خلال اللون الأيديولوجي الواحد، وعبر الدبكة على أغنيات التصويت والتهليل للديمقراطية «كتبها ولحّنها سمير كويفاتي»، تلك الديمقراطية التي تجلَّت بأبشع صورها في ظل عدم التمايز بين المرشحين وبياناتهم الانتخابية، فَهَمُّ المُرشَّحين الثلاثة هو «البروظة» على الشاشات والكسب المادي وغيرها من المزايا التي يتيحها كُرسي المجلس غير عابئين بمطالب ممثليهم، التي ستبقى «على الهيكل» مثل ديكور «هاني جبور» الذي أراده أقرب إلى إطارات الصُّوَر ومملوءاً بالأدراج وبلا أي شيء كتيم يمنعُ نفاذ إضاءة «مجد ديب».
أخيراً..
إنّ كل شيء في العرض واضحٌ وضوح الشمس بما فيه قدرة الممثلين على تقمّص شخصياتهم على بساطة تركيبها وتمكُّنهم من نقل اللغة التهكمية والسخرية المُرّة عبر أفعالهم ومبالغاتهم الأدائية المقصودة، فالرسائل المُهمّة التي تضمّنها العرض لم تأتِ بشكل جاف، وإنما ترافقت مع جرعةٍ كبيرةٍ من المرح والإضحاك الذي وصل صداه إلى قبّة البرلمان المجاور!.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة