الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 107 تاريخ 1/7/2018 > تمارس «عُنفاً رمزياً» غير بريء على الإطلاق.. برامج المسابقات التلفزيونية.. أشواك تَعلَقُ في الحَلْق!
تمارس «عُنفاً رمزياً» غير بريء على الإطلاق.. برامج المسابقات التلفزيونية.. أشواك تَعلَقُ في الحَلْق!
جهينة- بديع صنيج:

كل ما يخطر في بالك وما لا يخطر ستشاهده أثناء متابعتك لبرامج المسابقات على فضائياتنا المعتبرة، فكل شيء مدروس ومُتقن ومُبَرْمَج لإزعاجك وإزعاج غيرك، ابتداءً من فكرة البرنامج غير المبتكرة والتي لا تمتُّ إلى أي إبداع بصلةٍ، مروراً بالمُقدِّمين سواءً السَّمجين أو المسحوبين للوقوف أمام الكاميرا بالغصب ولا رغبة لديهم إلا لتأدية أدوارهم بأقلّ الخسائر الممكنة، وكأن هناك تقصّداً في انتقائهم من هذه النوعية، وليس انتهاءً بآلية التعاطي مع الجمهور وكيفية منحه الهدايا التي باتت في بعض الأحيان أشبه بسلال المعونات الغذائية إذ تتضمن تنكات سمنة، وأكياس رز، وعُلَب مرتديلا، ومرطبانات رَب البندورة، وغيرها إمعاناً بتذكير الجمهور بمأساته الإنسانية التي من المفترض أنه يهرب منها إلى تلك البرامج!.
نوعٌ آخر من الهدايا لا تدخل في ميزان فَهْم ولا قبّان عقل، وأقصد صبغات الشعر ولوشن الأيدي وماسكات الوجه وجلسات إزالة الشعر الزائد وتفتيح البشرة، لدرجة تشعر معها لوهلة وأنتَ تشاهد التلفزيون بأنك في قاعة انتظار ضمن إحدى عيادات التجميل، وما هي إلا دقائق وتنتهي كل عُقَدْ الجَمال الخاصة بك، بينما تندرُ الهدايا المالية القيِّمة وتكثرُ القسائم الشرائية ذات الخمسة آلاف ليرة والتي تُعادل خمسمئة ليرة قبل الحرب، حيث ستكتشف بمجرد القيام بهذه المقارنة مدى الاستخفاف والبخل الإنتاجي الموصوف للقائمين على تلك البرامج.
الأنكى من كل ذلك، هو سخف الأسئلة، وقيادة المُتَّصِل للإجابة الصحيحة من أذنه كما يُقال، ومن ينظر إلى هذه البرامج نظرةً فاحصةً يتمنى لو أن هناك إمكانية لقياس عدد المتابعين لكل منها، والذي لن يتجاوز في كثير من الأحيان العشرات، فلا شيء جذاباً، ولا إغراءات ربح حقيقية، ويكفي متابعة بضع حلقات من كل منها حتى ترى أن المقدّم يتعب من كثرة الحديث في العموميات ريثما يردُ اتصال من أحد المشتركين الرابحين لا محالة بحكم الضرورة وليس لقدراته المعرفية الخارقة. ولعل دراسة اجتماعية أو سوسيولوجية- إعلامية لمحتوى هذه البرامج ستعيدنا إلى ما قاله عالم الاجتماع الفرنسي «بيير بورديو» من أن القنوات الفضائية باتت أدوات لـ«العنف الرمزي» تُمارسه الطبقات الاجتماعية التي تُهيمن وتُسيِّر هذه الأدوات، على الذين يخضعون للتلفزيون بتواطؤ ضمني مع من يرسمون توجهاته.. فهذا الزَّمن الثمين فعلياً يتم ملؤه بفراغات متكررة، وكل الفقاعات المُتعلِّقة بالجذب والقدرة على تحقيق السَّبق في عدد المُتابعين «الأوديمات» ستفقع في وجه المتلقي ولو كان يمتلك أبسط درجات الوعي في المشاهدة، التي تقوده لتقدير ذاته واحترامها وعدم السماح بالمساس بكرامتها، فعند كل إهانة تُمارس بحق سوري من تلك البرامج ومعدّيها ومقدّميها ينبغي أن نستشعر أننا المقصودون منها، فلماذا لم نوقف حتى الآن مهزلة «هديتك بإيدك» وتنكات السمنة النباتية المُهدرجة الثقيلة على القلب كمقدِّم البرنامج الذي يضحك على البسطاء، ويُصوِّر مدى عدم معرفتهم، فقط لكي يظهر أنه العارف الأكبر، مُحققاً مقولة إن «التلفزيون هو التَّمثيل المُعاصر لمرآة النرجس»؟! فيا حبذا لو تتهشّم تلك المرآة قبل أن يتقرر بثّ مثل هكذا كوارث إنسانية- إعلامية مرةً أخرى.
مصيبةٌ أخرى تتمثَّل بالسخف العميق الذي يحققه برنامج «كاني ماني» على قناة (سما) بفقراته ومعظم ضيوفه، حيث نُشاهد المُقدِّمات «الباربيّات» في مقابل «أم مستو» التي تُحدِّثنا من خلف السِّتار وهي تسأل الأسئلة «البايخة» التي لا يلبث المتصل أن يعرف إجابتها ليرتفع الهرج والمرج كأنه حلَّ مُعضلة «فيورباخ» الرياضية، في حين أننا نستشعر وجودنا أمام مُعادل بصري بين الكشف والستر، بين الظهور والاختباء، أو كأننا ضمن محاولة لتصوير فسيفساء المجتمع السوري والله أعلم!.
أما برنامج «وين الغلط» فهو الغلط بحدّ ذاته، إذ إن توظيف الدراما في المسابقات لم يكن موفقاً على الإطلاق، بل أضرَّ بالدراما من جهة، والمسابقات من جهة أخرى، كما أن الثلاث دقائق التي يقوم عليها المشهد الدرامي، الذي ينتهي بسؤالٍ لا علاقة له من قريب أو بعيد بالمشهد، تأتي بلا طعم ولا نكهة محببة، بل كما لو أن هذا البرنامج من «ساسه لراسه» عبارة عن تراكم أخطاء وأغلاط.
مثل ذلك يحصل في برنامج «دراما سين.. جيم» ليس من ناحية سهولة السؤال، بل عن طريق الجوائز التي بلغت غرائبيتها أن تُقدِّم جلسة ليزر أو جلسة تنحيف في أحد مراكز التجميل الموجودة فقط في دمشق أو اللاذقية.. ألم يضع القائمون على البرنامج في بالهم أن يكون المتصل من حمص أو حلب مثلاً؟ وقبل ذلك لماذا لم يفكروا بأن مثل هذه الجائزة لا يبتغيها سوى شريحة ضيقة جداً، ولا تهمّ معظم المتصلين والراغبين بالحصول على جوائز «قيّمة»؟، لكنّ صدمتهم ستكون كبيرة عندما يعلمون أن جائزتهم «الكُبرى» في هذا البرنامج وأيضاً ضمن برنامج «ضوّي قلوب الكل» على «سورية دراما» لن تتعدى خمسة آلاف ليرة، ليرة تنطح ليرة، وقد تكون على شكل كوبون من شركة غذائية صدَّعت رأسنا بأرزِّها وبُرغُلِها! والمُعيب حقاً هو الربح في برنامج «IQ» على قناة (سما)، والمُتضمن خصم عشرة آلاف ليرة من سعر أي جهاز سامسونغ، بمعنى إنك بحاجة لدفع ما يزيد على مئة ألف ليرة حتى تتمتع بربحك المُذْهِل! والسؤال المُلِح هنا هو: كيف تتعامل المؤسسة العربية للإعلان مع هذا الكمّ الهائل من الترويج للمنتجات المختلفة والماركات بذريعة «الرعاية»، أم إن هناك ما هو تحت الطاولة لا سمح الله ولا قدَّر؟!
البرنامج الوحيد «النافد» والمحسود لكثرة دعمه المالي هو «كاش مع باسم»، حيث تبدأ الجوائز بخمسين ألف ليرة وغالباً ما تكون معها مُرفقات لزيادة القيمة، وتصل الجوائز المُقدمة إلى ربع مليون ليرة أو (موبايل) تقترب قيمته من تلك الحدود في بعض الحالات أو تزيد، أضف إلى ذلك حيوية الفنان «باسم ياخور» القادرة على ملء ساعة من الزمن بما لذَّ وطابَ من التنويع على الشخصيات التي تركت بصمتها في أذهان المتابعين سواء (توفيق) في «الخربة» أو (جودة) في «ضيعة ضايعة» وغيرهما، فضلاً عن ذكاء التعامل مع كل اتصال على حدة، بحيث يمر الزَّمن خفيفاً كالنسمة، ولاسيما مع الخبرة التي اكتسبها الفنان «ياخور» بعد تقديمه منذ عدة سنوات برنامج «مساكم باسم» في عام 2010، ليأتي هذا البرنامج أنضج بطريقة تقديمه وتصويره والفرقة الموسيقية المُرافقة التي لم يسوءها إلا «المُطرِب» المُرافق، ولاسيما أن البذل لدعم هذا البرنامج كان على أشده من ناحية الإعلانات الترويجية التلفزيونية والطُرقية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، بحيث إن «(كاش مع باسم) لم يُعدْ الألق إلى برامج المسابقات فحسب، بل أعاد الألق إلى (الفضائية) السورية كقناة منوعات من الممكن متابعتها في هذا المجال، بعد أن اكتفت بكونها عنواناً سياسياً سيادياً خلال السنوات السبع الماضية»- حسب الناقد فراس القاضي- الذي أضاف: «أما أهم ما قام ويقوم به (باسم) حالياً فهو الخروج عن نموذج مقدّم المسابقات السوري، الذي اعتاد الجمهور -عبر سنين طويلة- أن يكون ملَكَياً أكثر من الملك، وحريصاً على نقود المموِّل أكثر من المموِّل نفسه، والذي بمجرد أن يُخطئ المتصل بحرفٍ من الجواب يحجبُ عنه الجائزة كأنها من جيبه الشخصي.. وكون الشركات الراعية للبرنامج ذات ملاءات مالية ضخمة جداً لا يعني أنه لن يسرّها توفير ولو ليرةً واحدةً، وهذا ما لا يفعله (باسم) الذي يتعامل بفرح حقيقي مع كل مواطن يربح مبلغاً صغيراً أو كبيراً، وغالباً ما يقوم بزيادة المبلغ بمبلغ إضافي أو جائزة إضافية، وخاصةً إن كان المشارك في البرنامج من أصحاب الأعمال البسيطة»، لكن تبقى نقطة الخلل الوحيدة هي المُطرب الذي لا نعلم لماذا استخسر القائمون على هذا البرنامج مُطرِباً لا يُنشِّز عشر مرات في الدقيقة الواحدة؟! وعلى ما يبدو أن إعلامنا لا يُحبِّذ أن يكتمل فيه شيء، بل لا بد من شوكة تَعلَق في الحَلْق دائماً.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة