الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 106 تاريخ 1/7/2018 > سورية واجهتْ الصّلفَ الفرنسي
سورية واجهتْ الصّلفَ الفرنسي
“إذا كان لنا لسانٌ فلكَي نتكلّمَ به، وإذا كان لنا جيشٌ فلكَي نحاربَ به في مثل هذه الظروف العصيبة”.. كلماتٌ قالها للتاريخ وزير الدفاع السوري الأسبق الفريق يوسف العظمة عام 1920 أمام جبروت الفرنسي (غورو)، ومضى ليضربَ مثلاً نادراً في الشجاعة والوطنية مواجهاً صلفَ فرنسا وغطرستها الاستعمارية.. وإننا إذ نسترجعُ هذا الموقفَ التاريخي مع حلول ذكرى معركة ميسلون الثامنة والتسعين في تموز 2018، فنتذكّر الصّلفَ الفرنسي القديمَ المتجدّد، ونستخلص دروساً مُشَرِّفةً خاضتها سورية في مواجهة الغازي الفرنسي المدجّج بالأسلحة، وكانت سورية وقتَها مملكةً حديثةَ العهد، طريّةَ العَود، ضعيفةَ الخوافي، بعد رحيل الرجل العثماني المريض عام 1918، وتأهّب القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية للاستيلاء على الترِكة.
تسلّم يوسف العظمة وزارةَ الحربية برتبة «فريق باشا»، وسارعَ بتشكيل الجيش العربي مع بعض الضباط المسرّحين والفارّين من الجيش التركي، وأصدر قانون الخدمة الإلزامية لشباب سورية كافةً، لكنّ الدول الاستعمارية وأدتْ هذا الحلم بعد مؤتمر (فرساي) الذي أقرّ الانتداب حسب مؤامرة (سايكس- بيكو). وهنا عقدت فرنسا هدنةً مع تركيا، وكلّفت الجنرال غورو إرسال إنذاره الشهير مساء 14 تموز 1920: (من الجنرال غورو المفوّض السامي للجمهورية الفرنسية في سورية وكيليكية والقائد العام لجيش الشرق إلى صاحب السمو الملكي الأمير فيصل: ترى فرنسا أنها مضطرة لأخذ الضمانات التي تكفل سلامة جنودها، فترضى الحكومة العربية بالانتداب الفرنسي من دون قيدٍ أو شرطٍ، وتعيدُ الجيش السوري إلى ما كان عليه في شهر شباط، وترضى بالتعامل بورق النقد السوري الذي وضعته فرنسا، ولا تمانعُ في احتلال محطات خطوط حديد (رياق- حلب- بعلبك- حمص- حماة) احتلالاً عسكرياً مع احتلال قلب مدينة حلب).
وعلى الرغم من قبول «حكومة فيصل» برئاسة هاشم الأتاسي الإنذارَ قبل منتصف ليل 21 تموز، فإن القوات الفرنسية زحفت من البقاع نحو دمشق، معلّلة ذلك بتأخر وصول الجواب (تأخّر نصف ساعة بسبب تعطّل خطوط البرق)، وحاول الملك (فيصل) محاولةً أخيرةً للتفاهم مع غورو، فأرسل وزيرَ معارفه (ساطع الحصري) إلى بيروت، وأثناء مروره بميسلون طلبَ منه يوسف العظمة أن يحصل على أطول هدنةٍ ممكنةٍ كي يتمكّن من جمعِ الجيش وأكثر ما يمكن من العتاد والسلاح، وحصلَ الحصري على هدنة (24 ساعة) بعد الموافقة على شروط إضافية أقسى، فوجدتْ الحكومة أنه لم يعدْ هناك مجالٌ لقبول الشروط الجديدة، فأبرقت إلى غورو بالموافقة على الشروط الأولى وحلّ الجيش، ومع ذلك تقدّم الفرنسيون بأُمرة (الجنرال غوابيه) باتجاه دمشق.
يكتبُ ساطع الحصري في مذكراته: (ليلة الرابع والعشرين من تموز 1920 جاء يوسف العظمة يودّعنا قائلاً إنه سيتوجه إلى الجبهة، وقبل أن يغادرنا انتحى زاويةً من الغرفة وقال لي: “إنني أتركُ ليلى أمانةً في أعناقكم، أرجوكم لا تنسوها”، وتوجّه إلى الملك- وفق ما ورد في مذكرات أحمد قدري مرافق فيصل وطبيبه- وطلبَ خوض المعركة قائلاً: هل يأذنُ لي جلالةُ الملك بأنْ أموت؟ ثم عادَ ليكرر وصيته على مسامع الملك قائلاً: “ليلى أمانةٌ في أعناقكم”، وكانت كلماته الأخيرة: “إنني أعرفُ ما يجب عليّ، وسأقومُ بواجبي، ولستُّ آسفاً على نفسي، بل أسفي على الأمّةِ التي ستظلُ سنواتٍ كثيرةً أو قليلةً هدفاً لكل أنواع المحِن والمصائب، وإنني مطمئنٌ إلى مستقبل الأمة لما رأيته وخَبِرته بنفسي من قوة الحياة الكامنة فيها، وواثقٌ بعطف أصدقائي على طفلتي (ليلى)، فسأذهبُ مستريحَ البال، مطمئنَ القلب في طريق الواجب المفروض علي”. بعدها انضمَ إلى جنوده وخاطَبَهم: “جئتُ لأموتَ معكم، فالوطنُ إذا دخلَ تحت نير الاستيلاء فلا تستطيعون إنقاذه ولا بشقّ النفس).
مع فجرِ يوم 24 تموز 1920، تمكّنت المدفعيةُ السورية المخفيّةُ في الجبال من تدمير مدافع الفرنسيين الأربعة المكشوفة، وسُرّ العظمة بذلك أشدّ السرور، ولكنّ أفواج السنغاليين أطبقتْ على الهجّانة السوريين في الجناح الأيسر، ففرّتْ جِمالُهم وخيولُهم خوفاً من قصف الطائرات والدبابات، فانكسرتْ معنويات المتطوعين. أما على الجناح الأيمن فلمْ يصلْ الفرسان الألف والخمسمائة الذين وعَدَ قائم مقام الزبداني بإرسالهم، وتقدّمت الدبابات الفرنسية في ميسلون تحت غطاء قصف الطائرات، فأسقطَ السوريون طائرةً، ودمّروا دبابة، وحينما حاولتْ الدبابات عبورَ الجسر الذي يجتازُ وادي القرن أمَرَ العظمة بتفجير الألغام التي زرَعَها، لكنّها لم تنفجر، وحينما تحرّى الأمرَ وجدَ أنّ أسلاكها قد قُطعت، فأيقنَ أنّ خيانةً حصلتْ، وأنّ القضاء حلّ.
اُستشهد يوسف العظمة بعد معركةٍ حامية الوطيس بين جيشٍ غازٍ جرّار (أحد عشر ألف جندي) وجيشٍ وطني قليل العدّة والعتاد في الساعة العاشرة والنصف صباحاً ليقضي بين يدي المُسعِفة نازك العابد، فسطّر بذلك أروع صفحات البطولة والتضحية، وكان البطلُ الأكبر في نظر شعبه، بل في نظر أعدائه، حيث قال غريمه في ميسلون الجنرال غوابيه: “إن الخطط والتعبئة التي أقرّها وزير الحربية يوسف العظمة لم أجدْ لها مثيلاً إلا في الحرب بين فرنسا وألمانيا”.
وبالمحصلة.. لم يتوقّفُ الصّلفُ الفرنسي والغربي يوماً، وها هو ذا يستعرُ (اليوم) مع نهايات سبعٍ عجافٍ، لكنّ الرّحم التي أنجبت يوسف العظمة ما زالت تنجبُ أمثاله من الأبطالِ الشرفاءِ المخلصين، فتسطّرُ أروعَ قصص البطولة، وترسلُ قاطعي الأسلاك وأمثالهم من الأنذال إلى الجحيم.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة