الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 106 تاريخ 1/7/2018 > أحمد دراق السباعي.. البدائي المعاصر!
أحمد دراق السباعي.. البدائي المعاصر!
د. محمود شاهين

على الرغم من التطور الكبير، الذي شهده الفنُ التشكيلي المعاصرُ والتقانات الحديثة والمتطورة والتي طالت وسائل تعبيره والآراء والاجتهادات التي صنّفته في مدارس واتجاهات وما فُرضت عليه من معايير وحسابات حوّلت بعض أجناسه وتجاربه إلى مسائل رياضيّة دقيقة وصارمة وباردة، فإن البعض منه ظلّ محافظاً على عفويّة متناهية وتلقائية مفعمة بأحاسيس الفنان لحظة قيامه باجتراح فعل الإبداع، وأصبحت (اليوم) هذه الخصيصة، التي تعني قيام الفنان باستنهاض الطفل القابع في داخله ودفعه لمشاركته في تحقيق منجزه البصري، ضروريّةً وملحّةً للعمل الفني أكثر من أي وقت مضى لكونها صارت -هذه الفترة- من أبرز وأهم سمات نجاحه، لاسيّما أن التكنولوجيا الباردة أطبقت على مرافق حياة الإنسان المعاصر، وتسللت إلى جسده وروحه وكل شيء يستخدمه للاستمرار في هذه الحياة.
نزوعٌ نحو البساطة
إنّ سطوة الميكنة القاسية على عصرنا والحروب والمآسي والكوارث التي لا تغيب عن عالمنا المعاصر إلا لتحضر من جديد معطبةً روح الإنسان ومخرّبةً عواطفه وأحاسيسه ودافعةً بدَنه وفكره للوقوع في براثن العادة والتعوّد والكسل، دفعت هذا الإنسان إلى البحث عمّا يستطيع بوساطته خلخلة سطوة الميكنة على حياته والتحايل على مللها وضجرها ونمطيتها، ومن ثم تأمين فضاء نقي ورحب لتُحلّق فيه روحه، وتنطلق أحاسيسه، معيدةً إياه إلى فطرته وطفولته وحتى بدائيته المفعمة بإنسانيّة نبيلة افتقدها ويسعى جاهداً لاسترداد ولو جزءاً يسيراً منها.. ولأن الفن بشتى أنواعه وأجناسه كان ولا يزال أفضل السبل والوسائل لتحقيق عملية التوازن الملحّة والضروريّة هذه، يجب ألا يبتعد الفن عن طفولة الفنان لكي يبقى مفعماً بالتلقائيّة والعفويّة والطراوة الإنسانيّة لمجابهة سطوة الميكنة والمعادلات والحسابات الرياضيّة على مرافق حياته، وكشح استفزاز وعدوانيّة العبث والغموض المُبهم الذي بات مسيطراً على الفنون المعاصرة والناتج عن ذاتيّة معطوبة ومريضة لدى عدد كبير من الفنانين.. نزعة حوّلت فضاءات الفن ومباهجه إلى حصارات زادت من أزمات الإنسان، وكرّست عزلته بدلَ أن تخلخلها، مُفسحةً المجال أمام خيالاته لمقاربة غبطة الطفولة وبكورة الطبيعة، ولعلّ هذا ما دفع العديد من الناس (لاسيّما في الدول التي أحكمت التكنولوجيا قبضتها على الحياة فيها) إلى البحث عن الفنون البدائيّة (الناييف) الحاضنة لمباهج طفولة الإنسان من أجل التخفيف مما يُحيط بهم من خراب روحي وعاطفي حوّلهم إلى آلات وأرقام جامدة، مقرورة وبائسة.
فنان الأحاسيس
كثيرون هم الفنانون التشكيليون الذين أدركوا هذه الحقيقة، فحرصوا على ألا يكبر الطفل في داخلهم كي يشاركهم اجتراح فعل إبداع الفن الجميل حتى نهاية رحلتهم مع الفن والحياة، وقد نجح بعضهم في تحقيق هذه المعادلة، فظلوا يرسمون وينحتون برؤى طفولتهم وحساسيتها ومفاهيمها وتلقائيّتها.. ومن هؤلاء الفنان التشكيلي السوري (أحمد دراق السباعي) المولود في مدينة حمص عام 1937 والمتوفى فيها عام 1987، والذي درسَ الفن دراسةً خاصةً، وتمكّن خلال مسيرته الفنيّة التي استمرت خمساً وثلاثين سنة من رسم ملامح شخصيّة فنيّة فريدة جمعت ببراعة بين الواقعيّة المبسّطة والتعبيريّة العفويّة شبه الطفليّة، وكان لهذه الشخصية الفنيّة تأثيرها الكبير على العديد من الفنانين التشكيليين الذين جاؤوا بعده، وبعضهم لم يتمكن حتى الآن من الخروج من عباءته.
يقول الفنان العالمي (بابلو بيكاسو) إنه في فترة وجيزة نستطيع أن نتعلم كيفيّة الرسم، لكن نبقى بحاجة إلى زمن طويل لنُكسب أعمالنا إحساس الطفل.. ولهذا استحضر أحمد دراق السباعي منذ البداية إحساس الطفل في لوحاته، وحافظ عليه حتى ارتمت الريشة من يده، حيث بنى مفاهيمه الفنيّة على مقولة بيكاسو، وظلّ ينضحُ رؤاه من عفويّة الطفل فيه عبر تركه العنان لإحساسه بشكل كامل لكي ينساحَ فوق سطح اللوحة، ومحاولته نسيان كل شيء عن قواعد الرسم ومدارسه وضوابطه وأصوله أثناء اجتراح فعل الإبداع بهدف جعل اللوحة مترعةً بالحسّ العفوي الذي يجب أن يسكنَ عناصرها كافةً بدءاً من التكوين واللون والخط والتقنية وانتهاءً بالمفردات والرموز والعناصر المشخّصة والمجردة. وكان الفنان السباعي واحداً من الجماعة الفنيّة التي أطلقت على نفسها اسم (العشرة) وضمّت يومها (مطالع سبعينيات القرن الماضي) أسماء بارزةً ومهمةً من التشكيليين السوريين منهم: نعيم إسماعيل، إلياس زيات، غياث الأخرس، نذير نبعة، منذر كم نقش، أسعد عرابي وغسان سباعي، وبرّر انضمامه إليها بالصداقات الخاصة التي تربطه بأعضائها والبحث عن الروابط التي تجمعُ تجاربهم، ومن ثم التعاون من أجل تكوين مدرسة فنيّة سوريّة تؤسّس لانطلاقتهم إلى العالميّة.
مقومات وخصائص
تتفردُ لوحة الفنان أحمد دراق السباعي بجملة من الخصائص أبرزها: الطفوليّة والعفويّة والبساطة، لكنها (كما كان يؤكد) الطفوليّة المنظّمة والمترعة بالأحاسيس الصادقة والعاطفة الجياشة والتلقائيّة المدهشة التي استقاها من تعامله مع الأطفال وقراءاته العميقة للبيئة، لاسيما ما تحمله جدران البيوت في حارات حمص القديمة من رسوم و(شخبطات) وكتابات خطّتها يدُ الطفولة تارةً ويدُ الزمن تارةً أخرى، كما استلهم أشياء أخرى كثيرة من عوالم الأطفال وحكاياتهم، وتدور غالبية موضوعات لوحاته حول الأفعال والأعمال التي يقوم بها الأطفال، وخاصة أطفال البيئات الشعبيّة حيث تتمثلُ بأمانة حكايات الأجداد، وتتجلى بصدق البيئة المحليّة الحقيقية.
وفي لقاء لنا معه في مسقط رأسه حمص مطلع سبعينيّات القرن الماضي حاولنا البحثَ عن القواسم المشتركة بين تجربته وتجربة الرسام الشعبي الدمشقي أبو صبحي التيناوي، أكد الفنان السباعي يومها أن ثمّة فروقات كثيرة بين رسومه ورسوم التيناوي الذي هو الآخر لم يكبر الطفل فيه، ومن هذه الفروقات أن رسوم التيناوي شعبيّة، أما رسومه فتجمعُ بين الثقافة والطفوليّة أو بتعبير آخر بين البدائية والمعاصرة، واستطاع الفنان بيكاسو تحديداً الجمع بين العفويّة والثقافة أيضاً، لذلك نرى أعماله مملوءةً بالإحساس الصادق والتكوين المتماسك والتجديد الدائم، وهذا الأخير لا يتمّ إلا بالاطلاع والثقافة.
مفاصل رئيسة
إن قراءةً متأنيةً في أعمال الفنان أحمد دراق السباعي تقودنا إلى مفاصل تجربته الرئيسة التي شهدت وسائلُ تعبيرها تطورات تقانية وأسلوبيّة واضحة، لكنها حافظتْ على مقوماتها الشكليّة الرئيسة، ومضامينها التي ظلّت وفيةً لموضوعات طفوليّة صادقة وحميمة، علماً أن بدايات هذه التجربة شهدت بعض التنوع في الموضوعات، حيث عالج الفنان الوجوه (البورتريهات) بدسامة لونيّة كثيفة مرصوفة بانفعال ومعالجة بروح حديثة. وعموماً يمكن تصنيف تجربة الفنان السباعي ضمن أربعة اتجاهات:
• الاتجاه الأول: تمثله اللوحات التي يوزع فيها تكويناتها المؤلفة من عناصر إنسانيّة متماسكة وعربات ودواليب الهواء فوق أرضية موحدة اللون فارغة إلا من كتلة التكوين، محيطاً إياها بقليل من التمتمات اللونيّة الهادئة والمتوافقة مع ما حولها من درجات لونيّة أخرى.. ومن اللوحات التي تجسّد هذا الاتجاه نذكرُ على سبيل المثال لا الحصر: (الفارس الصغير، التوءم، قاطرات، الفتاة والقطار، دولاب الهواء، جذوع، المآذن).
• الاتجاه الثاني: تمثله اللوحات التي يُحرك فيها الأرضيّة قليلاً من خلال زرعها ببعض الأشكال الهندسيّة كالبيوت، ثم قيامه برشق عناصر اللوحة الأخرى فوقها لتبدو اللوحة معها كأن لها خلفيتين: الأولى مُشكّلة من أرضيّة اللوحة، والثانية من الأشكال الهندسيّة.. ومن لوحات هذه الفئة: (قرويات، من الشرفة، أطفال القدس).
• الاتجاه الثالث: تمثله اللوحات التي يقوم فيها بإشغال كامل خلفيّة اللوحة بعناصر التكوين بحيث تُشكّلُ الخلفيّة والتكوين نسيجاً متداخلاً ومتيناً لا تنفصمُ عراه، وتعكس أعمال هذا الاتجاه النضج الكبير الذي وصل إليه الفنان السباعي في بناء التكوين ومعالجة الألوان واستنباط درجاتها المتوافقة، والربط المحكم بين عناصر ومقومات اللوحة كافة لكي تؤدي التعبير المطلوب، ما يؤكد الاستعداد الكبير لديه للتطور والإضافة، لكن ضمن الإطار العام لشخصيته وفوق منصات انطلاقتها الأولى المتمثلة بصيغة طفليّة محببة مفعمة بالصدق.. ويمثل هذا الاتجاه عدد كبير من لوحاته نذكرُ منها: (نساء شرقيات، عين الحاسد، الرحيل، عتاب، ألفة، امرأة في العراء، صعود ونزول).
• الاتجاه الرابع: تمثله اللوحات التي حقق فيها تداخلاً متوافقاً بين عناصر التكوين المختلفة والخلفيّة، وبينهما وبين مساحات لونيّة فارغة أكدتها وتأكدت هي من خلالهما.. ويمثل هذا الاتجاه لوحات عديدة منها: (حلم زورق من ورق، حلم طفل، طائرات الورق).
اجتهادٌ ذاتي
يشيرُ هذا الحراك المتنوع في تجربة الفنان أحمد دراق السباعي (وهو غير دارسٍ للفن أكاديمياً) إلى اجتهاده الذاتي وتمكّنه من تطوير عمله الفني عبر الاطلاع والمتابعة للتجارب المحليّة والعالميّة الشبيهة بتجربته، ومن بحثه وتجريبه التقاني الذي انعكس إيجاباً على وسائل تعبيره، وقد تمّ كل ذلك في إطار شخصيته الفنيّة المتميزة وانحيازه التلقائي لموضوعات طفليّة وشعبيّة شكّلت الرافعة الأقوى لتفرده، فقد صوّر الفنان السباعي حالات الطفولة ووضعياتها بصيغة فنيّة تتقاطعُ مع رسومها سواء من ناحية العفويّة والتلقائيّة أو من ناحية الاختزالات والتحويرات والمبالغات التي تطالعنا بها رسوم الأطفال، فهو لا يُكثرُ من العناصر في لوحته، ولا يزحمها بالأفكار والألوان، وهذه الأخيرة يحاكي في درجاتها وفصائلها ألوان الأرض وجدران البيوت العتيقة وما تحملُ من تأثيرات الزمن والمناخ عليها، كما أنه لا يُتعب نفسه في استدراج الموضوعات المعقدة إلى لوحته، ولا يحمّلها مقولات ما ورائيّة يبقى معظمها، في رؤى الفنانين التشكيليين الذين يتنطّحون لها، دون أن تأخذ أي مرتسمات بصريّة لها في منجزاتهم، ومع ذلك تراهم يُسهبون بالحديث عنها أثناء قيامهم بشرح وتوضيح هذه المنجزات، بل يأخذ الفنان السباعي موضوعات أعماله وعناصرها من الواقع الشعبي أو مما تحملُ ذاكرته من صور عن هذا الواقع، مخضعاً إياها لأبسط أنواع المعالجة الشكليّة واللونيّة المباشرة والصريحة (طفل، سُلم، بيت، طائرة من ورق، زورق من ورق) لنسج عوالم هذه اللوحة بكثير من الاختزال اللوني والشكلي المعبّر والعميق.
أخيراً.. إن الجميل والمدهش في تجربة أحمد دراق السباعي هو تحقيقها إنجازات مهمة على صعيد المعالجة الأسلوبيّة والصياغة الفنيّة بشكل عام، لكن من دون أن تفقدَ بوصلتها إلى الطفل القابع في داخله، والذي ظلّ يستحضره إلى سطح لوحته كلما واجهتْ ريشته هذا السطح حتى سقوط هذه الريشة من يده!.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة