الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 106 تاريخ 1/7/2018 > دراما رمضان 2018.. بين ضفتي المتفائلين والمتشائمين
دراما رمضان 2018.. بين ضفتي المتفائلين والمتشائمين
جهينة- عمر جمعة:

كما في كل موسمٍ رمضاني، ما زالت الدراما السورية ومشكلاتها المتفاقمة تؤرّقُ الأغلبَ الأعمّ من صنّاعها ومنتجيها، إذ لم يمر موسمٌ رمضانيٌ خلال السنوات السبع الماضية إلا وتصاعدت حمّى الانتقاد والاستغراب من المستوى الهزيل الذي وصلت إليه، فيما يرى بعض المتابعين أننا يمكن أن نستثني عملين أو ثلاثةً من نحو 20 عملاً درامياً ينتجها القطاعان العام والخاص سنوياً.. وما بين هذا وذاك ينقسمُ الجمهور من مشاهدين ونقّاد وإعلاميين بين متفائلٍ بنهضة قريبة يمكن أن يساهم فيها انتهاء الحرب، ومتشائمٍ يرى أن دخول بعض أصحاب رؤوس الأموال عالم الإنتاج الدرامي ساهم في تراجع هذه الدراما وضحالة فكرها وممكناتها الفنية، فضلاً عن الاستنزاف الذي تتعرّض له بذريعة إنتاج أعمال عربية مشتركة خطفت من المشهد السوري كبار الكتّاب والفنانين والمخرجين.

إنتاج مقبول ومشكلات متفاقمة
هذا العام سيتابعُ جمهور الدراما السورية مجموعةً من الأعمال الاجتماعية والتاريخية والكوميدية والشامية خلال الموسم الرمضاني أو بعده، رشُح منها حتى اللحظة: مسلسل الكوميديا السوداء «الواق واق» للكاتب ممدوح حمادة والمخرج الليث حجو، كما يقدم الكاتبان نجيب نصير وحسن سامي اليوسف مسلسل «فوضى» من إخراج سمير حسين، إضافة إلى مسلسل «هوا أصفر» الذي كتبه علي وجيه ويامن الحجلي ويخرجه أحمد إبراهيم أحمد، ومسلسل «وحدن» تأليف ديانا كمال وإخراج نجدت أنزور, و»روزنا» تأليف جورج عربجي وإخراج عارف الطويل، و»رائحة روح» تأليف أيهم عرسان وإخراج سهير سرميني، و»وهم» تأليف سليمان عبد العزيز وإخراج محمد وقاف، و»فرصة أخيرة» تأليف فهد مرعي وإخراج فهد ميري، و»هارون الرشيد» تأليف عثمان جحي وإخراج عبد الباري أبو الخير، و»ترجمان الأشواق» سيناريو وحوار بشار عباس وإخراج محمد عبد العزيز، و»يوميات المختار» تأليف محمود عبد الكريم وإخراج علي شاهين، و»غضبان» تأليف فايز البشير وإخراج محمد نصر الله، و»زهر الكبّاد» تأليف مروان قاووق وإخراج خلدون مرعي، و»عطر الشام 3» تأليف مروان قاووق وإخراج محمد زهير رجب، و»المهلّب بن أبي صفرة» تأليف محمد البطوش وإخراج محمد لطفي، وأخيراً وليس آخراً مسلسل «أولاد الشر» تأليف علي خياط وإخراج طارق سواح.
«جهينة» التي تتابعُ عن كثب واقع الدراما السورية ومستقبلها، وما المتوقع أو المأمول منها خلال موسم 2018 والمشكلات التي تتعرض لها وعانت منها خلال السنوات الأخيرة، والتي قد تبدأ بالحصار ومحدودية التسويق وربما لا تنتهي عند استنزافها من خلال ما يُسمّى «الأعمال المشتركة» أو سطحية طروحاتها الفكرية وخضوعها لبعض الدخلاء على مهنة الإنتاج.. إلخ، وفق ما يراه بعض متابعي هذه الدراما، توجهت بسؤال إلى بعض متابعي ونقاد الدراما حول ما يتوقعونه لهذا الموسم، وما الحلول المقترحة التي يرونها للتخلص من الأزمات آنفة الذكر؟
لا دراسة جدّية لواقع الدراما السورية
يقول منصور ديب مدير البرامج في قناة (سورية دراما): في البداية أريد أن أشكر محاولة مجلة «جهينة» الإضاءة على جانب مهمّ في هذا الاستطلاع والذي يعكس اهتماماً متنامياً بالدراما السورية كمنجزٍ نجح فيه الفنان السوري في تقديم صورة سورية الحضارية، وشكّل بالتراكم خلال نصف قرن إرثاً ثقافياً يمكن العودة إليه لمعرفة أساليب التفكير والإبداعات التي قدّمها الفنان السوري في مختلف المجالات، مضيفاً: ليس خافياً على أحد أن الإنتاج الدرامي السوري هذا العام يتعرض لأكبر خسارة اقتصادية منذ تأسيس الدراما السورية قد تتجاوز الـ7 مليارات ليرة سورية، وهي خسارة ليس من السهل لهذه الصناعة أن تتحمّلها إذا لم تكن هناك استراتيجية لإنقاذ هذه الصناعة الثقافية التي لطالما تغنّى بها المواطن السوري باعتبارها صورةً حضاريةً صادقةً عن واقعه وجمالياته ومواطن الإبداع فيه.
ويتابع ديب: في أكثر من اجتماع حضرته للبحث في الخروج من نفقِ الأزمة التي تتعرض لها الدراما السورية لم أجد يوماً دراسةً جدّيةً لواقع الدراما السورية حالياً للخروج بحلول تكون واقعيةً وقابلةً للتنفيذ والحياة.. فالحلّ الذي نبحثُ عنه يتطلّب شجاعةً في مواجهة واقع الإنتاج الدرامي السوري الذي يبدو مرتجلاً وبعيداً عن إدراك الفجوة التي نعانيها في نمط الإنتاج داخل سورية عنه في خارجها سواء عربياً أو عالمياً، إذ إنه بالرغم من حديث المنتجين والفنانين عن أن الدراما «صناعة»، إلا أننا نجابه عند الحديث معهم أن ما يملكونه من نمط إنتاجي لا يتجاوز «دكاكين إنتاج» لا أكثر في عصر هو الأصعب مع حضور لمنصات عرض غير مسبوقة تقدّم الجودة العالية والأفكار المبهرة والوصول السريع، فلم يستطع الفنان والمنتِج والموزّع السوري أن يجعل الدراما السورية تموّلُ نفسها محلياً أو تبحثُ عن أسواق أخرى، بل ما زالت الحلول تتوسلُ دعماً من الدولة أو بإنتاجات مشتركة تعيشُ في ظلالها.
ويختم ديب بالتساؤل: الآن ندقُّ ناقوس الخطر، لأن هذه «الصناعة» معرّضة للاختفاء التدريجي إذا لم نبحث عن حلول إبداعية تحتاج إلى جهد حقيقي في البحث عنها، وأعتقد أن هناك سوريين في أكثر من بلد يملكون مفاتيحها، فهل هناك من سيمدُّ اليد؟
وقفةٌ مع الذات
أما الإعلامي والناقد سومر إبراهيم، المعدّ والمذيع في قناة (سورية دراما) فيقول: أتوقع أن يكون موسم 2018 موسم الوقفة مع الذات درامياً، لأن هذا العام جاء ليجمع كل عثرات وأخطاء الأعوام السابقة فيما يخصّ صناعة الدراما، مضيفاً: قد يكون هذا الموسم الأكثر سلبيةً من ناحية الكمّ وربما الكيف أيضاً، ولكنه ضروريٌ فيما يخصّ الصدمة التي سنتلقاها والتي ستجعلنا نعيدُ التفكير بعملية صناعة الدراما في سورية على مختلف الصعد بدءاً من الفكرة والنص وانتهاء بالتسويق.. وبالنسبة لي أتوقع مثل الكثيرين أن الحلّ الذي نمتلكه موجودٌ بين أيدينا حالياً، وهو محاولة الضغط باتجاه وجود سوق درامية محلية تساعد صنّاع الدراما على العمل من دون ضغوط تسويقية تدفعهم لصناعة دراما لا تشبه المجتمع السوري وإنما تشبه رغبة أصحاب القنوات التلفزيونية العربية، وضرورة افتتاح محطات تلفزيونية خاصة جديدة تحترمُ عقل المشاهد والمهتم بالدراما، ما سيفرضُ على المنتِج أيضاً تقديم أعمال تحترمُ المشاهد وتبتعدُ بالمنتجِين الوهميين عن هذه الصناعة التي لا تشبههم ولا تعبّر عن حقيقتنا كسوريين.
وصفة سحرية للدراما!
من جهته يرى الكاتب الصحفي والناقد الدرامي لؤي سلمان أنه من المجحف الحكم على أعمال 2018 قبل عرضها حتى نكون مهنيين وموضوعيين, لكن إذا ما استندنا إلى ما قدّمته الدراما سابقاً أو خلال الأعوام الماضية وقراءة الخط البياني لها, فيمكن أن نعطي رأياً أقربَ إلى الواقع، مضيفاً: بالطبع كان هناك بعض المقاطعة ويمكن أن نقول بعض الاستغلال للأعمال السورية المنتجَة من بعض الشاشات من حيث تقييم سعر العمل أو ساعات عرضه, لكن هذا لا ينفي أننا خلال السنوات الأخيرة لم نقدّم إلا الأعمال ذات المستوى المتدني إن كان من ناحية الشكل أو المضمون.. والأسوأ من ذلك أننا رفضنا أي تقييم موضوعي لأي عمل, كما أن صنّاع الدراما بدءاً من المنتِج وانتهاء بالإعلام السوري الفني بأشكاله المكتوبة والمرئية رفضوا بكل الأشكال أي رأي سلبي أو (اختبار) لما أُنجز سابقاً, والغريب أنهم مصرّون على الكذب على أنفسهم وكأن الكذب سيحوّل العمل من عمل هابط إلى عمل جيد, ومن هنا يمكن إعطاء حكمٍ مبدئي بأن الأعمال التي ستُعرض في موسم 2018 لن تكون أفضل من الأعمال التي قُدمت سابقاً, لأن النقد الذاتي أصلاً غير موجود, ناهيك عن الجوائز المتفق عليها والتي يتمّ شراؤها في المهرجانات من خلال حجز جناحٍ وبعض الهدايا العينية للجنة التحكيم أو من تربطنا بهم علاقات صداقة أو علاقات شخصية, الأمر الذي يزيد من غرورنا ونفاقنا على المشاهِد.
ويتابع سلمان: كان من الممكن أن نتجاوز هذه العثرة التي مرّت بها الدراما السورية في حال بحثنا عن الأخطاء التي اُرتكبت سابقاً ومعالجتها بشكل دقيق ومنطقي, لكن طالما أن سياسة التعنت موجودة وما زال الرهان على غباء المتفرج وانبهاره بالنجوم فلن نقدّم أي عمل يحمل قيمةً أو مضموناً فكرياً مهماً، مضيفاً: للأسف إن شركات الإنتاج أغلبها جاهل, والنجوم ما زالوا يعتقدون أن مشاهِد (اليوم) هو ذاته جمهور الأبيض والأسود الذي كان يتابعُ مسرح زياد مولوي ومحمود جبر والأخوين قنوع, ولا أحد يقبلُ بفكرة أن من يتابع الدراما (اليوم) فطِنٌ ولمّاحٌ، وبالتالي علينا أن نقدّم له ما يتناسب مع تطوره الفكري السريع, وهذا ما يؤكد أن صنّاع الدراما هم من يجهلُ الوصفة السحرية لدراما هذا القرن, لذا أعتقد أنه بإمكاننا أن نعيد أمجاد الدراما السورية لكن ينبغي علينا في البداية ألا نحتقر الكاتب ولا الناقد, ولا نكذب على أنفسنا ولا على الجمهور، وأن نقوم بلمّ شمل الممثلين السوريين على عملٍ يحمل قيمةً حقيقيةً بغضّ النظر عن فكرة التسويق أو الشروط التي يمليها أصحاب المال.
بداية عودة الروح
الفنان التشكيلي إبراهيم مؤمنة أكد أن الدراما السورية التي حجزت مكانةً لائقةً بها قبل سنوات من خلال المسلسلات التي أُنتجت في تلك الفترة، حتى إنها طغت على الأعمال المصرية، تستحقُ منا اهتماماً أكبر، حيث قُدمت مجموعة أعمال مهمة لمخرجين كبار ثبّتوا أقدام الدراما السورية في الصف الأول بنسب المشاهَدة العالية، ما دفع صنّاع الدراما في مصر إلى اللهاث وراء مشاركة صنّاع الدراما السورية في مجموعة أعمال مهمة منها مثلاً «طارق بن زياد» للمخرج المصري أحمد الصقر، عدا عن سحب مجموعة من نجوم الدراما السورية للمشاركة في أعمال تؤرّخ لأحداث ووقائع مصرية مثل «سرايا عابدين» بمشاركة قصي خولي ومجموعة من الفنانين السوريين والمصريين، مقابل سلسلة «باب الحارة» التي شوّهت صورة المجتمع السوري، ومع ذلك حظيتْ بأعلى نسبة مشاهدة في الوطن العربي، مضيفاً: كما أذكر هنا أعمال الليث حجو الذي حجَزَ له مقعداً في صف المخرجين الأوائل من خلال مسلسله الكوميدي «ضيعة ضايعة» الذي اشتهر في كل أنحاء الوطن العربي وأيضاً مسلسله «الخربة»، ولكنْ مع بدء الأزمة في سورية والحرب التي شُنت عليها في كل مناحي الحياة كان للدراما النصيبُ الأكبر والأكثر تأثراً عبر مقاطعتها من بعض المحطات الخليجية التي كانت السوق الأكبر لترويج الأعمال السورية، عدا عن مغادرة كمٍ هائلٍ من صنّاع الدراما من فنيين وفنانين للعمل خارج الوطن مع بقاء قلّة قليلة متمسكة بالعمل رغم كل الظروف.
ويشير مؤمنة إلى أن هذه الأسباب وسواها، فضلاً عن غياب كتّاب آثروا مغادرة سورية والكتابة عن بعد ولجوء كتّاب آخرين لتسليط الضوء على الأزمة السورية، جعلت للدراما خصوصيةً محليةً وأصبح تسويقها صعباً، أضف إلى ذلك أجور فناني الصف الأول العالية جداً والتي ترهقُ الإنتاج، وتكرار الأجزاء من أجل توفير أجور الديكور والإكسسوار، حتى ظلّ المسلسل بكل أجزائه يراوحُ في مكان واحد من دون تغييرٍ ما أدى إلى هبوط المستوى الفني للدراما، ومع ذلك هناك أملٌ كبير في بعض الأعمال هذا العام التي أُنتجت محلياً بأن تكون بمثابة بداية عودة الروح للدراما السورية مثل «الواق واق» لليث حجو و»روزنا» لعارف الطويل و»فوضى» لسمير حسين.. وغيرها، وكلنا أمل بأن تكون على مستوى من المسؤولية لتعيدَ الروح حقاً إلى درامانا المحتضِرة.
على الأبواب
أما وقد غدا شهر رمضان المبارك على الأبواب، والسوق الدرامية تستعد لإطلاق منتجها السنوي، فإن المطلوب (اليوم) من صنّاع الدراما السورية مراجعة شاملة متأنية لهذا المنتَج، وبالقدر ذاته الوقوف بمسؤولية عند المشكلات الحقيقية التي تدفعُ المشاهدين للإعراض عن متابعة أعمالنا المحلية، إذ ما زال خطُها البياني يُنذر بخطر كبير ما لم نتدارك ما تمّت الإشارة إليه في آراء متابعي الدراما ونقادها، فهذا المنتَج الذي بات صناعةً وطنيةً نعتزُ بأننا كنا رواداً ومؤسسين فيها بل نتحدى بها الدراما العربية، يستلزم منّا اجتراح حلول جذرية ووضع استراتيجية وطنية ترتقي بهذه الصناعة وتضعها في المكانة التي تستحقها، ولاسيما أنها ابنة الإرث الإبداعي الذي يعود إلى أكثر من نصف قرنٍ من الزمن.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة