الجمعة, 19 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 104 تاريخ 10/4/2018 > معرضٌ مؤجّلٌ.. اللوحة الناقصة لـ. د. هزوان الوز
معرضٌ مؤجّلٌ.. اللوحة الناقصة لـ. د. هزوان الوز
بعد مجموعة من القصص والروايات، صدرت للأديب والروائي د. هزوان الوز روايته الجديدة بعنوان: (معرضٌ مؤجّلٌ.. اللوحة الناقصة) في جزئها الأول من ثلاثية روائية نهضَ متنُها الروائي متماهياً مع متنها الحكائي، مستعيرةً من عوالم التشكيل عنوانها اللافت وذلك عبر لوحات عشر تنتهي باللوحة الناقصة، واللافت فيها أيضاً التقابل الدلالي في فعاليات التضمين والمقابسة للنصوص التراثية والحوادث التاريخية وتعليقات الصحافة والشذرات الإبداعية والفكرية، لا سيما التي تتحدثُ عن محاسن الشام.
انبنى ذلك المعادل على ما يسميه الكاتب بمرآة النص، وفي ذلك التعالق السردي الذي ينفتحُ على ميراث الحكايات الدمشقية كي يكون مركّباً من سيرة النص وسيرة المكان، ويرسم الكاتب في سردياته المنتقاة/ لوحاته ما هو داخل النص وخارجه، وما يتعالقُ معه وما ينزعُ إليه، أي في تبئير النص لنرى حكاية الحكايات التي ترسم (تحولات وطن في العقود الخمسة الأخيرة من تاريخه الحديث)، فهل قصَدَ الكاتب أن يذهب إلى ما يسميه الوثيقة الأدبية بفرضية أثيرة (لئن تكون ترميماً للمسكوت عنه في سرديات التاريخ وكتابة المؤرّخين)؟، كما يختتم ذلك في اللوحة الأولى، لكنه عبر اللوحات الأخرى، التي يروي بها ومن خلال ضمير المتكلم تلك السرديات اليومية وجدليات الموت والحياة والحُب والفن والوطن، يجلو ذلك عبر محكيات سردية تلتقط اليومي والمفكّر به واللا مفكّر به من واقع ما حدَث في سورية، لوحات تجهرُ بالواقع على نحو يشي بالسيرة الملونة لدمشق في وجهها الآخر حينما يتطيرُ الكاتب إلى حكاياتها، أي إلى المحلوم به والمشتهى، لكنه لا يتخففُ من تلك الجدليات والسجالات والأفكار التي عصفت بالبنية الاجتماعية والأخلاقية والفكرية، حيث تظهرُ (المناصات) التي يحيلنا إليها الكاتب كمتون سردية تعملُ في الكشف والمحاكاة والموازنة، ولعلّه أراد الذهاب إلى محمول دلالي لما انطوى عليه معنى الوطن ومعنى الثقافة استنطاقاً لجملة من المضمرات الاجتماعية والسياسية والفنية والأخلاقية، يقول الكاتب على لسان أحد شخوصه في اللوحة الثالثة: (لذلك أنا سعيدٌ وأشجعك على الفن وهذا الإبداع سوف يعطيك فرصة أن تعيش مع الجميع ويحترموك، هذا الفن سيفتحُ طريقاً إلى حُب الآخر وفهمه، لأن الرسم والموسيقا والأدب هي ملك البشرية وملك الإنسان، ليست ملك أي طائفة أو دين أو حزب سياسي، لذلك فإن كل الوطن الذي يستمع إلى أم كلثوم، لا أحدَ يسألُ ما هو دينها، جمعتْ الجميع وخلقتْ إنساناً وأوطاناً خاليةً من الحقد)، إذ تبدو اللوحات المنتقاة بوصفها مشهديات تنفتحُ على المكان (القابون.. دمشق القديمة) مثلاً، أكثر دينامية في تفعيل الحدث والتوتر الذي نجدُ له أمثلةً في الأفكار التي يقاربها الكاتب وبمستويات مختلفة تأسيساً لقول كثيف، يعني تشكيل رواية حداثية باتكائها على الفن لا سيما في المستوى البصري الذي يستدخله الكاتب حينما عنوّن مشهدياته باللوحات التي تذهب إلى أكثر من سيرة للأشياء والأفكار ذاتها وصيروراتها المحتملة، والأهم جدلها الذي يُعنى بالمحمول الفكري-التأملي ما بين الوجدان الوطني الذي تتكثّف في مراياه كل الأسئلة الثاوية في اللوحات، الأسئلة المخترقة للنصوص كأنها تسعى إلى تفكير شعري من شأنه أن يقفَ بنا على مدارات تأويل للذات والآخر والعالم برؤيا أكثر انفتاحاً في نسيج تلك المحكيات وما يؤلفها بضمائر السرد، حيث يعود الكاتب إلى استبطان البديهيات والمسلمات، التي تجعل منه شاهداً بلسان فردي/ جمعي يأخذُ من السيرة الذاتية جلَّ علاماتها، حكايات بل لوحات لا تنتهي في وعي ذلك البطل الطليق، السارد الضمني، وهو يقارب مغامرة الرواية وأفعالها وشغف كتابة رواية سورية بامتياز (سأكتب روايتي ذات يوم، بل رواية سورية في السنوات الست التي مضت، الرواية التي تشبهها رواية).
كل ذلك مكّن الكاتب د. هزوان الوز من أن يعيدَ عبر تقنيات محسوبة بنزوعها الحداثي بنيةً فنيةً وخطاباً روائياً، الاعتبار إلى سيرتين: سيرة الذات وسيرة الوعي الجمعي بآن معاً.

* معرضٌ مؤجّلٌ.. اللوحة الناقصة
* المؤلف: د. هزوان الوز
* الطبعة الأولى- 2018- دار الفارابي- بيروت.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة