الأربعاء, 18 تموز 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 104 تاريخ 10/4/2018 > التنوّع.. ثراءٌ وجمالٌ
التنوّع.. ثراءٌ وجمالٌ
لو خُيِّرتَ بين طبقي فاكهة، يحتوي الأول على ثمار التفاح، ويحتوي الثاني على تفاحة وبرتقالة ويوسفية وموزة وبضع حبات من التين والعنب والخوخ والكرز والمشمش والدراق، أفلا يكون الصحن الثاني أطيب وأجمل وأغنى؟.. ولو خيرتَ بين نظامين غذائيين، أولهما ثابتٌ تتناول فيه الزعتر (أو البطاطا) صباح مساء، وثانيهما منوّع فيه الجبن والزيتون والبيض على الإفطار، والملوخية أو البامية على الغداء، واللبنة والبندورة والخيار على العشاء، أفلا يبدو تنوّع الطعام مفيداً أولاً، وغير باعث على الملل وغياب الشهية والمرض ثانياً؟.. ولو زرعتَ حديقة منزلك ورداً، أيكون نوع واحد من الورد (كالقرنفل الأحمر) مناسباً، أم إن تنويع الورود والأزهار من جوريّ وفلّ وياسيمن وقرنفل مع نباتات الريحان والعطرة والمليسة أحلى وأطيب؟.. ولو فُرضَ على امرأة ثوبٌ من لون واحد، أسود أو أزرق، أفلا يكون إدخال لونٍ مناسبٍ آخر أو لونين على اللون الأصلي أجمل لتلك الملابس وأبهى لمظهر تلك المرأة؟.. ولو خُيّر المرء بأن يكون أولاده كلُّهم مهندسين أو نجّارين أو حذّائين، وبين أن يكون أحدهم مهندساً، والثاني طبيباً، والثالث صحفياً، والرابع محامياً أو أستاذاً أو ميكانيكياً، أفلا يكون ذلك التنوّع غنىً وقوة لهذه العائلة وأكثر فائدة؟.. ولو كان المجتمع كلُّه من الشباب الذكور فقط، أو من النساء المسنّات فقط، أو أي فئة متشابهة الأفراد، فهل يستوي الأمر بهذه التركيبة؟.. وإذا كانت المدرسة لا تدرّس سوى الفيزياء مثلاً، أفلا تكون المدرسة التي تدرّس الشعر والأدب والرياضيات والعلوم جميعَها أفضل للطلاب المقبلين على الحياة؟.. ولو اختار شبان الحيّ كلُّهم أن يدرسوا الاقتصاد مثلاً، أو يصبحوا رياضيين أو رجال دين، أو ركّز معظم الناس على مهنٍ بذاتها كالطب والصيدلة، أفلا يكون هؤلاء قد آذوا أنفسهم ومجتمعهم بهذه الخيارات لغياب التنوّع المطلوب في المجتمع؟.. ولو اقتصر المستشفى على الممرّضين بغياب الأطباء، أو كان الأطباء كلهم من اختصاص واحد (القلب مثلاً) أو من عمر واحد (60 سنة)، أيمكنُ لعجلة المستشفى أن تدور بهذه التركيبة، أم إنها تدورُ أفضل لو توازنَ العدد بين الأطباء والممرّضين والمرضى، ووُجدت الاختصاصات كافةً، ووُجد أطباء شباب يساعدون الأطباء الشيوخ؟.. ولو كان الجيش كله عُمداء وألويةً، وغابت الرُتب التي دون ذلك، وغابَ الجنود، فهل يمكن أن يكون هذا الجيش أقوى وأغنى من غيره المتناسب بالرتب والحصص؟
إذاً، التنوّع مطلوبٌ بل ضروري جداً في الحياة، فوجود نوعٍ واحدٍ من الغذاء مدعاةٌ للملل والنفور والمرض، ووجود نوعٍ واحدٍ من اللباس مدعاةٌ أيضاً للجمود والملل، وكذلك وجود مجتمع من الرياضيين دون أن يكون بينهم طبيبٌ يعالجُ أمراضهم وعللهم أمرٌ يتنافى مع سلامة الرياضة، وكذا إذا كثُرَ المحامون أو الأطباء والمهندسون.. فإنهم يفسُدون ويفسِدون لغياب من يقوم بأدوار معينة، ومن هنا جاء المثل: “أنا أميرٌ وأنت أميرٌ، فمن سيسوق الحمير؟”.
إن نظرةً واحدةً حولَنا ترينا حجم التنوّع الهائل في كل شيء، في الحياة النباتية والحيوانية والبحرية، فإذا كان هذا التنوّع في الحياة مطلوباً ومُغنياً بل لا نجاةَ من دونه، أفلا يكون التنوّع الثقافي والعِرقي والديني جميلاً ومُغنِياً لأي مجتمع؟، حيث إن هذا التنوّع الجميل في العالم هو ميزة إيجابية، وهو غنىً وثراء وجمال، وأحسبُ أن مثاله الأجمل موجودٌ في بلاد الشام، وأخصّ الأم الرؤوم سورية، فعُدَّ من الأعراق والألوان والأطياف والأسماء والثقافات المختلفة ما شئتَ، وما طابَ لك العدّ، وسوف ترى أنها –رغم مصائب الدهر والاستعمار- تآلفتْ وأحبّتْ بعضها بعضاً على مرّ الأزمان، وتعايشتْ بحبّ وودّ وصفاء نادر المثيل في العالم كله، فأغنتْ الحياة بمختلف الألوان، وكانتْ مثل البستان الغنيّ بشتى الأطياب والألوان والنكهات.
لقد شاء الرحمن ذلك التنوّع الجميل، إذ جعل الناس شعوباً وقبائل مختلفة كي يتعارفوا ويتكاتفوا ويتكاملوا، لا كي يقاتل بعضُهم بعضاً ويفنوا أنفسهم بحجج سودٍ واهيةٍ تنزَّهَ الرحمنُ عنها وعن سوادها، وسواد قلوب الضالّين من المخلوقات المتوحشّة، والتي تريدُ العبث بنظام الرحمن، فهل بعد ذلك كفرٌ؟
وهل من شكّ بأن الضالّين سوف ينالون عقابهم السريع في الدنيا ليسودَ بعدها بيضُ القلوب والفعِال من كل فجٍّ عميقٍ؟
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة