الجمعة, 19 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 104 تاريخ 10/4/2018 > شلبية إبراهيم.. بساطةُ الموضوع وعفويّةُ المعالجة
شلبية إبراهيم.. بساطةُ الموضوع وعفويّةُ المعالجة

د. محمود شاهين

ترسمُ تجربة الفنانة التشكيليّة شلبية إبراهيم علامةً بارزةً في الفن التشكيلي العربي المعاصر، وتتقدمُ غالبية التجارب التشكيليّة الأنثويّة العربيّة بما تنفردُ به من خصائص ومقومات تشكيليّة وتعبيريّة، فهي نسيجٌ متوافقٌ ولافتٌ من بساطة وصدق الموضوع وبهاء المعالجة وعفويتها، وقد حافظت تجربتها على هذه الخصائص والمقومات خلال مراحلها كافةً، بحيث صارت إحدى القرائن الأساسيّة لوجودها وأهم روافعها الشكليّة والتعبيريّة، فبينما نوّعت الفنانة إبراهيم في تقانات وموضوعات أعمالها، لكنها لم تبتعد فيها عن المنصات الأولى التي نهضت عليها تجربتها الفنيّة عموماً، ولا تخلّت عن مرجعياتها الرئيسة القائمة على صدق الموضوع وعفويّة المعالجة وتلقائيتها.
المنطلقات الأولى
وُلدت شلبية إبراهيم عام 1944 في قرية (جزيّ) التابعة لمركز (منوف) في جمهورية مصر العربيّة، وبدأت رحلتها الأولى مع الرسم مطالع ستينيات القرن الماضي بتأثير جملة من الدوافع والمحرّضات أهمها وأبرزها: الموهبة الحقيقيّة والأصيلة التي امتلكتها وأخذت طريقها إلى التحقق في عمل فني مميز منذ تعرّفت إلى زوجها الفنان التشكيلي السوري الراحل (نذير نبعة) أثناء دراسته الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة (1959-1964)، حيث حرّضها انكبابه على اجتراح الفن على تقليده، لاسيّما بعد أن تحرّكت لديها كوامن الموهبة الفنيّة، وكانت بداية ظهور هذه الموهبة في لوحات نفذتها بتقنية الألوان المائيّة الشفيفة.
وتعلّمت شلبية الفن بنفسها، ومارسته بكثير من الرغبة والصدق والتلقائيّة والحريّة والبراءة، مكتفيةً بتصعيد معارفها وخبراتها، بشكل ذاتي، عن طريق الانكباب المجتهد والدؤوب على إنتاج الرسمة واللوحة، وعرْض ما تنجزه على زوجها الذي يمتلك شخصيّةً فنيّةً مغايرةً لشخصيتها، فهو أكاديمي متمرّس بإنتاج الفن وتدريسه (عمل أستاذاً لمادة الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق بعد أن تابعَ تخصصه العالي في هذا المجال في باريس)، وأولى منجزه البصري دراسةً مسهبةً، وكان مُدركاً لكل خطوة يخطوها في معالجته له، لاسيّما بعد أن تملكته شهية البحث والتجريب التقاني والأسلوبي، التي نقلت تجربته الفنيّة من أقصى الواقعيّة إلى أقصى التجريديّة. أما تجربة شلبية، فقد حافظت على المنصات الأولى التي نهضت عليها، وظلت لصيقة بمقومات التكوّن الأول على ضفاف النيل وبين عوالم حكاياته وأساطيره، وبيئة الريف المصري البسيط والنقي، كما ظلت محافظةً على حريّة وبراءة وصدق وتلقائيّة التعبير عن هذه العوالم ومفرداتها وحكاياتها، واللافت أنه رغم أهمية تجربتها وغناها فإنها لم تلقَ ما تستحق من الدراسة والتحليل والاهتمام من النقاد والفنانين التشكيليين، وإنما جاء الاحتفاء الأبرز بها من الأدباء.
إلهام الطفولة
في حوار مطوّل لنا معها أكدت شلبية إبراهيم أن الطفولة هي مصدر إلهامها، وأن جميع أعمالها الفنيّة مستوحاة منها. بمعنى آخر: اللوحة عندها هي الدلتا الواقعة على شاطئ النيل، والنيل مصدر الحكايات والأساطير بدءاً من حكاية (الجنيّة) التي كانت تظهرُ في النيل وتسرقُ أجمل شبان القرية ثم تحوّله إلى حصان، إلى آخر هذه السلسلة الخياليّة من الحكايات والأساطير التي كان يعيشها طفل تلك المنطقة، وتُؤثّر بخيالاته وأفكاره، إذ إن شلبيّة ما زالت تتذكر تلك (الحدوتة) الشعبيّة، وبتأثيرها تُحوّل الحصان في لوحتها إلى إنسان، حيث ترمزُ به للحرية والحكاية التي لاتزال عالقةً في ذهنها.
ضغط المخيلة
هذا المخزون من الحكايات والأساطير الذي كوّن شلبية، وتكوّنت هي فيه، شعرت بوجوده داخلها منذ وقت مبكر في طفولتها، لكنها لم تعرف كيف تُعبّر عنه وبأيّة وسيلة. في البداية (وكانت دون العاشرة من عمرها) حاولت إخراج هذا المخزون من الرؤى ورميه فوق صفحة الرمل بخطوط وأشكال بسيطة لم تجد صعوبةً في إنجازها لسهولة التعامل مع هذه الخامة، وبالتدريج ونتيجة اطلاعها على عالم التعبير بالخطوط (الرسم) والألوان عبر احتكاكها بتجربة زوجها الفنان نذير نبعة، ومعايشتها اليوميّة لمراحل ولادة عمله الفني، ومشاهداتها المستمرة للمعارض الفنيّة، واحتكاكها بالفنانين والأدباء سواء في مصر ولاحقاً في دمشق وباريس، بدأت شلبية تُجمّعُ ثقافةً بصريّةً وخبرةً عمليّةً، حرصت منذ البداية على أن تبقى بمنأى عن القواعد والأسس الأكاديميّة، أو تقليد تجارب الآخرين، أو الجنوح إلى الأساليب الحديثة التي تبعدها عن جذورها الأولى، وتالياً عن التلقائيّة في معالجتها موضوعات فنها، وصدق التعبير عنها.
إن هذا الانتباه الواعي والحريص منها حفظَ بكورة تجربتها، وصانَ تلقائيّة شخصيتها الفنيّة متميزة الملامح ومتباينة المستوى. أما التقنية اللونيّة التي اشتغلت عليها خلال مراحل تجربتها فهي ثلاث تقانات: الألوان المائيّة الشفيفة، الألوان الزيتيّة، والرسم على الحرير (الباتيك)، إضافة إلى عدة تجارب بقلم الحبر.
تنوع التقانات ووحدة الأسلوب
على اختلاف التقانات وتنوّعها والتي اشتغلت عليها الفنانة شلبية إبراهيم، ظلّ أسلوبها واحداً (مع بعض التباينات المرتبطة بنوع الخبرة التي كوّنتها من تعاملها مع هذه التقنية أو تلك ومدى حبها لها) رغم تنوّع موضوعات فنها التي لم تخرج عن إطار المرأة والعرس والأسطورة والطبيعة الصامتة والزهور والطيور والفراشات والأحصنة و(الأراجوز) وأباريق الفخار والقناديل والمزمار والطفولة.. وغيرها، وهي موضوعات حملتها من طفولتها في قريتها ومن أساطير النيل وحكاياته، وفيما بعد من البيئات الجديدة التي عاشت فيها (دير الزور، دمشق، باريس) والحراك الفني والفكري والاجتماعي، الذي عاشته في بيتها ومحترف زوجها الذي كان موجوداً بين حنايا جدران هذا البيت.. حافظت شلبية إبراهيم على غالبية المفردات والعناصر والأشكال التي بدأت بها تجربتها الفنيّة، وهي (موتيفات) ومفردات لصيقة بالبيئة الشعبيّة العربيّة التي تؤلّفها وتصوّرها الفنانة بكثير من العفويّة والبساطة والوضوح والخيال الخصب المحلّق في عوالم (الحدوتة) الشعبيّة، معتمدةً في التعبير عنها على الخطوط (الرسم) كوسيلة رئيسة، ثم على الألوان التي تطورت واتسع استعمالها لها فيما بعد، بحيث تواكبت الأداتان في منجزها البصري، ولكن ظلّت الغَلبة بشكل عام للرسم الذي به تؤطّر الأشكال والشخوص والمساحات اللونيّة، وتؤكد التفاصيل وماهيّة العناصر، وأكثر ما تتبدى هذه الخصيصة التشكيليّة في لوحاتها المنفذة بالألوان المائيّة الشفيفة، وتقنية (الباتيك) وتخفُّ قليلاً في الأعمال المنفذة بالألوان الزيتيّة. أما المرأة التي لا تغيبُ عن لوحتها فتعني عندها الأرض والأم: الأرض التي أعطت وتعطي الحياة، والمرأة صنوها في هذا العطاء، ففيهما ومن خلالهما تتناسخُ وتتجددُ الحياة، ما يوجب الحفاظ على الأرض من الدمار، واحترام وتقدير المرأة – الأم. أما القنديل المرافق للمرأة دائماً فيرتبط بطفولتها، حيث كان يشكّل حلماً جميلاً بالنسبة لها كطفلة، وهو يعني النور الذي يضيء الدنيا، أما الفراشة فترمز للجانب الشفاف من الطفولة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة