الجمعة, 19 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 104 تاريخ 10/4/2018 > الكاتب والباحث شمس الدين العجلاني: أنا من ارتدى الياسمين دثاراً والغوطة فراشاً.. أنا من سلالة العشق
الكاتب والباحث شمس الدين العجلاني: أنا من ارتدى الياسمين دثاراً والغوطة فراشاً.. أنا من سلالة العشق

جهينة – أحمد علي هلال:

لأنه واحدٌ ممن أدركهم عشق الكتابة والتنوّع في عوالمها القصّية والثرية بالمعرفة، وهو المثقف والباحث الموسوعي والمؤرخ الحصيف من ارتاد فضاءات الكتابة عارفاً وعاشقاً لما انطوى عليه تراث مدينة دمشق وحضارتها لكي يترجمَ تلك المعرفة بوعي الدارس وشفافية الصحفي وموضوعية الباحث، وفي ذلك التعدد ظلّ شمس الدين العجلاني قيمةً معرفيةً، فضلاً عن قيمته الثقافية بكل ما انطوت عليه الكلمة من معنى، ذهبنا لتلقّفه بمدوناته التي تنكّبها بشغف نادر بكل ما تصادّى فيها من موضوعية جمعت بين روح الباحث وعقله ورؤيته النافذة.
الصحفي أولاً.. صورة قلمية
في سبعينيات القرن الماضي – كما تروي سيرته- بدأ شمس الدين العجلاني بالكتابة مجرباً فيها أولى شرارات احتكاكه معها لتسفرَ عن نصوص شعرية ونثرية رأت النور في الصحف اللبنانية ومنها (الأنوار والجمهور والصياد ومجلة النهضة الكويتية)، وكان أستاذه الشاعر محمد الحريري كما يصفه العجلاني بالقول: سيد منابر دمشق في الستينيات والسبعينيات، من يقرأ كتاباته الأولى ويبدي فيها رأياً وتشجيعاً، محاوراً إياه حول الأسلوب والموضوع وربما حول الاختيار، لكنّ ذلك كله لم يمنع من أن يكون الشاعر محمد الحريري من أوائل من شجّعوا العجلاني الشاعر فكان ديوانه الشعري الأول (المجنون)، إذ استعار اسم العنوان من الأديب اللبناني الراحل جبران خليل جبران، ويذهب العجلاني قائلاً عن عمله الشعري الأول: (قصدتُ بعشقي، عشق الأرض والوطن)، الوطن الذي جعّلَ منه كحال الصوفيين عاشقاً للوطن بوصفه الإنسان والجغرافيا، والأهم روح الحضارة والتاريخ.
مهنة المتاعب
ذلك الهاوي المحترف بآن معاً وجدَ فضاءه في الصحافة كاتباً ممتلئاً بالشغف والفطنة وهواجس الإبداع، فهي من أبعدته عن الشعر بيومياتها وزواياها، إلى الحد الذي يستعيرُ به العجلاني تعبيراً ساخراً إذ يقول (حتى أكَلَتني)، وفي ذلك المهاد كانت كتاباته الأولى في صحف (البعث) و(الثورة) و(تشرين) ومن ثم عاد للنشر في الصحف والمجلات العربية (العربي، الفيصل، المنهل، الثقافة العربية)، وظلّ على زعمه بأنه صحفي قبل أن يكون شاعراً وكاتباً، ذلك أن مهنة المتاعب شغلته طويلاً، ونالت من وقته ما جعلها متسعاً للاكتشاف والمتابعة بحسٍّ قام على التقاط مفردات الحياة ومكونات الثقافة، وفي ذلك المسار كان وعيه الصحفي بما يكتبُ هو الأسبق لتكوين صورته كباحث موسوعي سخّر قدراته ليذهب في عوالمها القصّية، عوالم الصحافة.. يوميات ووقائع وأحداث، والأدلّ الأفكار التي كتبها مستلهماً من التاريخ ما يعينه على بناء هرم من المقالات والأبحاث العميقة، والتي تجلوها سعةٌ معرفيةٌ، فقد ظلّ العجلاني يشتقُ خط أفق رؤيته ليذهب من ذلك المهاد إلى فضاء المدنات البحثية ذات الطابع العلمي والأدبي، وكل ذلك لم يمنع ذاته الشاعرة من أن تكتبَ بحساسية المبدع المرهف والصحفي المهني، إذ تتكامل لديه هذه الأجزاء لتشكل رحلاته المعرفية والتاريخية في الزمان والمكان.
من الوثيقة إلى التوثيق.. فضاء المعرفة الطليقة
انطوت رحلته في الصحافة واكتشافه عوالمها القصّية على رحلة في الوثائق التاريخية بوصفها ذلك الأثر الحيّ والمعطى المستمر الذي تنهض من خلاله غيرُ فكرةٍ وغيرُ دلالةٍ تستنهضُ لدى الباحث منظومةً في التحليل والاستنتاج برسوخ القول في الدلالة التي تشتملُ عليها ثقافة الوثيقة سواء لجهة معناها التاريخي أو الإنساني، ومن هذه الرحلة المديدة والمترعة بالانتباه يقول شمس الدين العجلاني: (كنتُ أسعى لتسليط الضوء على التاريخ، وحاولتُ قدر الإمكان أن أكتب هذا التاريخ بحيادية من دون أي تدخّل، وكنتُ أحرصُ على إثبات حالة معينة سواء أكانت تحمل طابعاً سلبياً أم إيجابياً.. فمنذ القديم كان الغرب دائماً يشوّه الحقيقة لما هو في مصلحته ووفق أهوائه وغاياته الاستعمارية، ولذلك كانت الوثيقة ضرورةً لدحض ما يمكن أن يحصل مستقبلاً من تشويش على الأجيال اللاحقة حيال هذه الحقائق، فتصبح الوثيقة الغربية تاريخاً، ولكنه تاريخ مزوّر، والدليل أن كثيراً من الناس من أصحاب النفوس الضعيفة والثقافة المسطّحة في سورية يأخذون ما يقوله الغرب على محمل الصدق، وفي الوقت نفسه يشكّكون فيما يوثّقه الباحثون والموثّقون المحليون لمجرد تعارضه مع ما يقوله الغرب!).
توثيق الحضارة السورية
في ذلك الانفتاح الفكري والموضوعي الذي وسَمَ شخصية الصحفي شمس الدين العجلاني، نقفُ على خصوصية توثيقه لحضارة سورية التي يقول فيها: (أنا مهتم بتاريخ سورية كله، لكن ما أثار اهتمامي أكثر بعملية التوثيق هو المرحلة الممتدة من العشرينيات إلى الخمسينيات من القرن الماضي، والتي تجلّت باحتلال عسكري لسورية وباحتلال من نوع آخر هو الانقلابات العسكرية، ولا نستطيعُ إبعاد زمن الانقلابات عن زمن الاستعمار، لأنه في اعتقادي امتدادٌ له والوثائق الغربية تؤكد ذلك، فوثائق الغرب التي يفرج عنها تقول: إن الانقلابات كانت تتم لتحقيق المصالح الغربية، وكل من قادَ تلك الانقلابات كان مرتبطاً بجهة أو دولة غربية.. المنطقة بحاجة ماسة إلى موثّقين من أبناء المنطقة ذاتها، وبوقائع ووثائق ملموسة لأن التاريخ يكشف لنا مدى تلاعب الغرب الاستعماري بالأحداث التاريخية في منطقتنا، وهذا الأمر واضحٌ جداً في كتابة بعض المستشرقين من عسكريين ورحّالة، ونحن لم نولِ بعد أهميةً للملكية الفكرية، ويجب من وجهة نظري إعادة كتابة تاريخ سورية، لأن الأجيال الحالية لا تعلمُ إلا القدر اليسير عن تاريخ هذا البلد الحضاري، كما يجب الاهتمام بالذاكرة الشعبية ممثلةً بالأشخاص الذين عايشوا فترة معينة من الزمن قبل أن نفقده).. تلك الكلمات التي تجلو فكراً نقدياً متقدماً وسَمَ أداء تحليل شمس الدين العجلاني وانصرافه إلى الحقيقة مكتفياً بها ومخلصاً لها، ذلك الباحث الذي لا يطمئن إلى ما المستقر والقارّ بل يذهبُ إلى شكوك المنهجية ليثبتَ حقيقةً هنا أو هناك، محمولاً على وعي بأهمية تاريخ سورية وحضارتها وخلاصة ما قدمته إلى البشرية ببصيرة عارف عزّزت في قلبه محبّة المعرفة، والأدلّ التوق للحقيقة التي تنصفُ الإنسان، وحتى تكتمل في دائرة وعيه تلك الجدليات الأثيرة، ومنها الوعي والكتابة واستراتيجية المعنى في البحث، وسيكتمل ذلك في رؤيته للحاجة إلى الموثّقين ما يفوق الحاجة المعرفية إلى شرف الحقيقة، ذلك أن انفتاح ثقافة التوثيق سيأخذنا إلى رؤى مختلفة.
التوثيق للأعلام
على الأرجح أن هدف شمس الدين العجلاني من التوثيق للأعلام، كما يؤكده هو بالقول: (هدفي كان توثيق مرحلة من تاريخ سورية امتدت من عام 1920 إلى عام 1966)، وذلك ما عبّر عنه في كتبه التي حملت جانباً من السِيْر الذاتية والرسوم الكاريكاتيرية لشخصيات شامية حصل عليها من الصحف السورية واللبنانية والمصرية، والتي نشرَها في تلك الفترة، وحاول من خلال كتابته عن سِيرها الذاتية أن يكون محايداً بالمطلق، سواء أكانت ذات مناصب رفيعة أم شخصيات عادية، وثمّة أشخاص وطنيون وآخرون مرتبطون بالمستعمر الفرنسي، وقد كانوا مجهولين بالنسبة للقارئ أو من الأجيال التي عاصرتهم وجاءت بعدهم. إذ لعلّ تلك الرحلة في ذاكرة الموثّق السوري شمس الدين العجلاني ستكتسبُ أهمية قصوى وخصوصاً توثيقه مدينة دمشق، التي وُلد فيها عام 1951، وكان له بحثٌ معمقٌ حول تاريخ اليهود في سورية، وفي هذه الوجوه والمسارات والرؤى التحليلية ظلّ العجلاني هو مَنْ تماهى فيه حسّ الشاعر بحدس المؤرخ، وانفتاح وعي المبدع على حصافة الدارس، الذي يستخلصُ قيماً فكرية أصيلة ترتقي بأداء الثقافة بوصفها الصورة الكلية والأكثر دلالةً لسورية الحضارة، فشيخُ الصحافة العالم بخفاياها وتحولاتها ظلَّ المؤرَق والمسكون بالحقائق، فلا مسافة بينه وبينها، إذ هي المحايثة لوعيه الشاهد على تلك التحولات، ما جعله موثّقاً أيضاً لكل يوم من أيام الحرب على سورية ويومياتها.
حبر الحقيقة بدم الشهيد
ثمّة فصلٌ كتبه شمس الدين العجلاني بدموعه ومهجة قلبه، حيث في أتون تلك الحرب الضروس كان استشهاد نجله المراسل الحربي ثائر العجلاني على إحدى جبهات دمشق، ودّعه كأجمل فصل في رحلته المديدة مع الكتابة والتوثيق، لكن ثائر كان الأجمل، ظلّ فكرة ومعنى وفي قلب أبٍ إذ امتزج فيه الحبر بالدم، حبر الحقيقة بدم الشهيد، تلك المأثرة التي تفيضُ بيومياتنا السورية ولا تشبه إلا ذاتها اكتمالاً.. فعلى مدخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون توقّف قلب أبي ثائر، لكن أوراقه لم تجفَ بعد، ولن تطوى، كما لم يطوَ مشروع مثقف سوري عضوي، ظلت الصحافة هاجسه الأكبر، وظلّ ما تنكّبه من توثيق ودراسة ثراءً لأبحاث جادة بما يكفي ذاكرة الإبداع والكتابة، ذاكرة سورية المعاصرة إلى جانب ما أنجزه الموثّقون المخلصون وما تركوه درساً لأجيال قادمة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة