الأربعاء, 18 تموز 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 104 تاريخ 10/4/2018 > صوت المدنيين الذي غاب عن الإعلام العربي والعالمي
صوت المدنيين الذي غاب عن الإعلام العربي والعالمي

جهينة- خاص:

شغلت الحربُ على سورية، التي دخلت منذ أسابيع قليلة عامها الثامن، الفنون والآداب كافة، وشكّلت بحكاياتها وفصولها وتداعياتها مادةً غنيةً تداولتها القصة والرواية والشعر والإعلام، بالتوازي مع السينما والمسرح والدراما التلفزيونية، إذ قُدّمت الكثير من الأعمال التي رصدت يوميات الحرب وعرضت لواقع حياة السوريين والمآسي التي عانوا منها خلال السنوات الماضية.. ويأتي فيلم «كفى.. Enough» ضمن هذا السياق الإبداعي، منطلقاً من وظيفة الفن ودوره في الوقوف عند أشد اللحظات دراميةً ومرارةً وأقساها في حياة السوريين الذين عايشوا هذه الحرب، واكتووا بنيرانها، وفقدوا بسببها الكثير من وجوه وأرواح وذكريات الإخوة والأبناء والأهل والأحبّة.
رفضوا ترك مدينتهم
فيلم (كفى - Enough) الذي تنتجه مؤسسة جهينة الإعلامية أعدّت فكرته ورسمت السيناريو له السيدة فاديا جبريل رئيسة التحرير ويخرجه فادي سليم، ويقفُ (في أربع دقائق ونصف الدقيقة) عند صورٍ عدة من حياة السوريين بشتى شرائحهم وانتماءاتهم وحكاياتهم ومعاناتهم من ويلات الحرب، ولاسيما أثناء سقوط القذائف على مدينة دمشق، مختزلاً في هذه الصور والموسيقا التي ترافقها الحالات التي يمكن أن نلمسها يومياً في الحي أو مكان العمل أو الشارع، ومحنةَ فقدِ شهيدٍ هنا أو التحسّر على مصاب معوّق هناك، إذ لا تفرّق هذه القذائف العمياء التي كان يطلقها الإرهابيون من مناطق قريبة من العاصمة بين أحد من سكان دمشق أو الوافدين إليها، وذنب هؤلاء الضحايا الوحيد هو أنهم مدنيون آثروا الصمود ورفضوا ترك مدينتهم لتعبث بها الذئاب والغربان والرايات السود.
إعلاء صوت المدنيين
ترى السيدة فاديا جبريل أن مقولة فيلم «كفى.. Enough» مختلفة كثيراً وكلياً عما قُدّم سابقاً من حيث السيناريو الذي يذهب مباشرة إلى الصورة والمشهد البصري المترافق مع موسيقا تعبّر عن الحكايات الموظّفة في الفيلم والحالة الدرامية المتصاعدة. إذ يتخذُ الفيلم دمشق مكاناً ونموذجاً لما تعرّض له المدنيون من تفجيرات وصواريخ وقذائف هاون، التي لم تفرّق بين هؤلاء المدنيين أو المنشآت والمؤسسات التي يرتادونها أو يمرون بها، كالشارع والمدرسة والجامعة.. وغيرها.
وأضافت جبريل: دعونا نعترف بأننا مقصّرون جداً في تسليط الضوء على مأساة المدنيين الذين استشهدوا أو أصيبوا في دمشق وسواها من المدن والبلدات السورية الآمنة نتيجة هذه القذائف والتفجيرات المجنونة، وقد حاولنا في هذا الفيلم إعلاء صوت المدنيين الذي غاب – مع الأسف- عن الإعلام المحلي والعربي والعالمي، فيما ركّزت القنوات الفضائية وبعض المنظمات الدولية فقط على مصطلح (المدنيين) الذين كانوا تحت سلطة المسلحين والجماعات الإرهابية لتصوّرهم وكأنهم يموتون وحدهم، ولا ضحايا أو شهداء في العاصمة المكتظة بالسكان والنازحين الهاربين من المناطق الساخنة!، مؤكدةً أن فكرة فيلم «كفى.. Enough» اعتمدت في مادتها الأولية على مقطوعة موسيقية للشاب أحمد اسكندراني تمّ تطويرها والانطلاق بها نحو حكايات جرى الحوار حولها مع المخرج ومجموعة من الشباب واستثمارها بما يخدم فكرة الفيلم ودلالاتها.
نداءٌ لاستحضار لحظات الحزن
من جهته أكد المخرج فادي سليم أن الفيلم، الذي جرى تصويره في أماكن حقيقية شهدت سقوط قذائف أكثر من مرة، نذكر منها:
مقبرة زين العابدين في حي المهاجرين الدمشقي، أوتستراد المزة، كلية الآداب بجامعة دمشق، ساحة الأمويين، باب شرقي، باب توما، كنيسة الزيتون، حي التجارة مدرسة بسام حمشو، جسر السيد الرئيس، المتحف الوطني، يحكي عن معاناة طبقات وشرائح الشعب السوري كلها وبلا استثناء، وقد تمّ اختيار مدينة دمشق لرمزيتها كعاصمة احتضنت في لحظة الشدة مئات الآلاف من الوافدين إليها الذين لاحقتهم القذائف حتى في نزوحهم.
وأضاف سليم: القذيفة في الفيلم أيضاً شيء يرمز إلى كل ما حدَثَ من موت خلال السنوات السبع الماضية، الموت الذي لم يميّز بين أي أحد من السوريين، وهو ما دفعنا للقول له «كفى»، نعم هو نداءٌ لاستحضار لحظات الحزن، لكن ليس حزن الهزيمة أو الانكسار وإنما حزنٌ دفينٌ وغاضبٌ على من يرمي دمشق بقذائف الموت ليقضي على آمال العشّاق وأحلام أبناء المدينة وحكاياتهم البسيطة في الجامعات والمشافي والمدارس بعيداً عن أي تسييس، مشيراً إلى أنه سعيد بهذه التجربة والشكل الفني المقترح فيها، ويسعى لتقديم فيلم لا يشبه أو يكرّرُ مقولات أعمال فنية سابقة، وهو محاولة جادة في تقديم نمط جديد ومختلف من الأفلام التي تزاوج بين الصورة والموسيقا.
الدراما اقتربت من تصوير الحرب
أما الفنانة دانا جبر فقد نوّهت بفكرة الفيلم واعتمادها على المزاوجة بين الصورة والموسيقا كشكل فني جديد، مؤكدة
أنه وعلى الرغم من أن «كفى.. Enough» فيلم قصير وعدد مشاهده محدود إلا أن الفكرة المختلفة والشخصية التي أدتها (شابة يستشهد حبيبها) شجّعتاها على العمل فيه، مضيفةً: الفيلم يلخّص حالة الحرب التي نمرُّ بها، وخاصة سقوط القذائف على دمشق، فكم هو مؤلم أن تفقد من تحب في لحظة مباغتة إثر قذيفة هاون لا تفرّق بين كبير وصغير، امرأة ورجل، غني أو فقير، مشيرة إلى أن الدراما عموماً والسينما خصوصاً اقتربت من تصوير حالات الحرب قليلاً، لكنها لم تتعمّق فيها كما يجب، فنحن في دمشق كنا نسمعُ صوت القذيفة، لكن لا نعلمُ كم من المدنيين الأبرياء وقعوا ضحيةً لهذه القذيفة، آملةً بأن يكون الفيلم قد عبّر عن مأساة هؤلاء الأبرياء الذين خسروا وفقدوا أحبةً لهم في هذه الحرب، مع إيمانها بأن فيلماً واحداً أو مسلسلاً بثلاثين حلقةً لا يمكن أن يعبّر عن مأساة الحرب على سورية، ولا يمكن أيضاً أن يرصد فصولها المفجعة والمتسارعة.
وتابعت جبر: لقد قدّمت السينما والدراما أعمالاً لافتةً ومهمّةً جداً، غير أن المطلوب (اليوم) الابتعاد عن أي أعمال قد تثيرُ مواجع الناس وتذكّرهم بحجم هذه المأساة وتغدو كنشرات الأخبار، لذلك ينبغي ألا يُعاد إنتاج ما نعيشه بصورة مباشرة والابتعاد عن العنف والدموية لصالح أعمال تحملُ مقولات ودلالات أعمق بكثير مما نتابعه أو نراه.
شخصية بائعة الورد
بدورها الفنانة القديرة فاتن شاهين قالت: في هذه الحرب هناك الكثير من الرؤى والأفكار التي يمكن أن يقدّمها الإنسان الأديب أو الفنان، لكن ينبغي عليه أن يكون متوازناً في طرحها ودراسة مقولاتها
وأحداثها وانعكاسها على المجتمع، مضيفةً: في هذا الفيلم أقدّم شخصية المرأة البسيطة التي تبحثُ عن لقمة عيشها عن طريق شيء راقٍ بعيد عن التسول، فتلجأ إلى بيع الورد مهما كان المقابل أو القيمة المادية، المهم أن تحصل على لقمتها بكرامة وشرف، مبديةً تفاؤلها وعبر شخصية (بائعة الورد) بأن الأمان والاستقرار سيعودان إلى دمشق، وسنزرع الورد والفل والياسمين وتفوح رائحة الحبق من شرفات منازل مدينة دمشق وحاراتها وأزقتها العتيقة.
وأشارت شاهين إلى أنه من المبكر إنتاج أعمال عن الحرب بصورة مباشرة، لكن بإمكاننا كما في فيلم «كفى.. Enough» أن نتلمس تداعياتها على المجتمع، وسنقدم عندما تنتهي هذه الحرب أعمالاً رائعة في حقول الأدب والفن، لكنّ المطلوب من الفنان (اليوم) أن يسعى للارتقاء بمستوى فنه، ويقدّم شيئاً يحترم ذائقة المتلقي، ويعبّر عن واقعه بشيء مختلف وغير نمطي.
فلسفة جديدة للموت!
من جانبها الفنانة رغدة هاشم أشارت إلى أن الفيلم يعدّ تجسيداً حقيقياً للصور التي كنا نراها مع تساقط القذائف على مدينة
دمشق، مشيرة إلى أنه ما من عائلة إلا وخسرت أحد أفرادها أو أحبّتها في هذه الحرب، وأنها على الصعيد الشخصي فقدت أمها واثنين من إخوتها وابن أخيها وصهرها وزوجها، متمنيةً لو قدّر الله وتأخّر رحيلهم لكانوا شهدوا (اليوم) عودة الأمان إلى دمشق وقد تحررت الغوطة الشرقية من الإرهابيين وباتت العاصمة آمنةً من قذائف حقدهم، مضيفةً: أؤدي في الفيلم دور أمٍ لشاب يستشهد في الحرب، مشهد يومي نراه في المقابر، أمٌّ تحملُ صورة ابنها الشهيد، الحزن يملأ قلبها، والحقد أيضاً على من يرمي قذائف الغدر على الناس الآمنين، تلك القذيفة التي توقظُ مع صوت دويها دمعةَ فقدٍ على ابن شهيد أتحدث إلى صورته وعيني على المقبرة، وكما قلت فما من بيت إلا وفيه شهيدٌ أو مصابٌ بقذائف الإرهاب الحاقدة.
وأشارت هاشم إلى أن الأعمال الدرامية تعجزُ عن تصوير المأساة وحجم الحزن الذي نعيشه، ففي كل بيت هناك حكاية ومسلسل وفيلم، ولكن الأخطر هو هؤلاء الأطفال الذين لم يعرفوا معنى الحياة، مضيفة: إن جيل هذه الحرب الذي فقَدَ براءة طفولته استبدل ألعابه بلعبة الحرب، فصرنا نرى الأطفال في الشوارع والأزقة يبنون المتاريس ويخوضون المواجهات، ويتصنّعون الموت ليقلدوا يوميات الحرب، وهذا ما يجب أن تنتبه إليه السينما والمسرح والدراما عموماً.
التقاط حالات إنسانية
من جهته أكد الفنان وسيم الرحبي أن الحرب على سورية كانت لها أبعادٌ فكريةٌ واجتماعيةٌ واقتصاديةٌ كثيرةٌ ربما تحتاج إلى الكثير من الأعمال لتعبّر
عنها، مضيفاً: أعتقد أنه ينبغي أن تنتهي الحرب وننتظر زمناً لنكتشف ما الذي كانت تمرّ به سورية، وأن ما نقدّمه حالياً هو عبارة عن مراحل ربما توصلنا بعد سنوات لتقديم أعمال ناضجة بما يكفي، مبيناً أن المميز في فيلم «كفى.. Enough» أنه تناول مسألة الحرب بطريقة مختلفة، عادةً ما يتناولها الآخرون بطريقة بعيدة أو خارج البعد الإنساني، فنحن دائماً نصوّر الحرب لنقدم الجانب السيئ وقوة هذه الحرب وشراستها من دم وسلاح وأمان مفقود ومشاهد مؤذية للعين والمشاعر، إذ إنه في الأعوام الأخيرة ظهرت أعمال درامية كانت تتعبني لزخم مشاهد العنف والدماء والدمار فيها، بينما في هذا الفيلم تم التركيز على التقاط حالات إنسانية بعيدة عن الدم والمشاهد العنيفة السوداء، مضيفاً: أؤدي في الفيلم شخصية موظف عادي متزوج يمثل الطبقة الوسطى في المجتمع السوري، يفقد زوجته وابنه الذي جاء ليحضره من المدرسة بقذيفة هاون، وأعتقد أن هذه المواقف عانينا منها جميعاً كسوريين، مواقف أفرزت أشكالاً وفلسفةً جديدةً للموت والعذاب الفردي والجماعي، والتي يجب تقديمها بشيء من المسؤولية ولاسيما إذا اعترفنا بأن الحديث الحقيقي عن الأزمة وتوثيقها وتصويرها فنياً يحتاج إلى وقت أطول، إذ يجب القبضُ أولاً على حقيقة ما يجري ومن ثم نقله من التوثيق إلى الدراما، فمعرفة الحقيقة والعلم بها هما خطوة البداية لنقلها إلى فن، وثانياً هناك قضايا وحقائق لم تتضح بعد، وأيضاً حلول درامية جديرة بالانتباه إليها.
يُذكر أن فيلم «كفى.. Enough» يجسّد شخصياته الفنانون: دانا جبر، جمال العلي، فاتن شاهين، رغدة هاشم، وسيم الرحبي، علي الأسود، ندين قدور.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة