الأربعاء, 18 تموز 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 104 تاريخ 10/4/2018 > (كفى.. Enough).. بقلم فاديا جبريل
(كفى.. Enough).. بقلم فاديا جبريل
فرضتْ الحربُ الإرهابيةُ التي دخلتْ الشهر الماضي عامها الثامن منطقاً جديداً لدى معظم السوريين، وأثّرتْ أحداثُها ووقائعُها المتسارعةُ في نمط تفكيرهم وسلوكهم ورؤيتهم لطبيعة التحوّلات غير المتوقعة والانقلابات المفاجئة التي أسفرت عن شرخٍ عمودي عميقٍ، لم يكنْ مجتمعنا مستعدّاً له، وخلّف انقساماً حادّاً كشفَ عن تباينات واختلافات جذريةٍ في المواقف السياسية والفكرية والاجتماعية، فذهبَ البعضُ إلى اصطفافات عشوائيةٍ، وتمترَسَ في خنادق فكرٍ آسنٍ إلغائي دخيلٍ بعيدٍ كل البُعد عن طبيعة الإنسان السوري، فيما ظلّ البعضُ الآخر –وهو الأغلب الأعمُّ- مؤمناً بأن قوةَ الوطن هي بتماسك شعبه وجيشه وقيادته، ولا يمكن الاختلافُ على أن هذه الثلاثية هي عنوان سيادة سورية وضمانة وحدة ترابها وسلامة حدودها.
ودعونا نعترفْ بأن هذا المنطقَ الجديد فرَضَ نفسه حتى على رؤانا الثقافية الأدبية والفنية، وانعكسَ في الإبداعات التي تتمثّلُ هذه الرؤى وتعبّرُ عنها.. لكنْ الذي لا يمكن تجاوزه والسكوتَ عنه هو أن يتجرأ البعضُ، بذريعة (أنسنة) الصراع بين ضفتي الانقسام الذي شهدَه المجتمعُ السوري خلال فترة الحرب، ولا يمكن إنكاره مطلقاً، على المساواة بين القاتل والضحية، بل أن تتوارى حتى بعضُ وسائل الإعلام خلْف يافطاتٍ مقيتةٍ من باب عدم إثارة نوازع الطائفية والمناطقية، وبالتالي الصمتُ والمواربةُ في النظر إلى كلمة أو مصطلح (المدنيين)، وتناسيَ أن خيانةَ الوطن، وقتلَ أبنائه، وتخريبَ منشآته ومؤسّساته، والعمالةَ والارتهانَ للعدو وأدواته الرخيصة في المنطقة، لا يمكن أن تكونَ وجهةَ نظرٍ!.
ومن هنا يأتي فيلم (كفى.. Enough) الذي أنتجته مؤسسة جهينة الإعلامية، ليقولَ وبجرأةٍ مطلقةٍ إنّ ما عاناه المدنيون في دمشق وهم يتلقّون قذائف وصواريخ الحقدِ والإجرامِ، ويرتقون شهداءً في بيوتهم أو حاراتهم أو أماكنَ عملهم، لا يمكنُ النظرُ إليه إلا أنّه عدوانٌ مقصودٌ وممنهجٌ على الناس الآمنين، من مجرمي تنظيم (القاعدة) الإرهابي بمختلف تسمياته وفروعه وفصائله، والذين تمكّنَ بواسلُ الجيش العربي السوري من طردهم واجتثاثهم خلال الأيام القليلة الماضية من ريف دمشق وغوطتها الشرقية، وكَنْسِهم خارجَ هذه الجغرافيا الطاهرة.
ولعلّ هذه المبادرةَ التي ستتلوها بالتأكيد مبادراتٌ قادمةٌ تصبُّ في دور الفنِ ووظيفة الإعلام الوطني بأن يتبنّى قضيةَ مَنْ لا صوتَ لهم وقد ماتوا بصمتٍ.. وربما نتداركُ ما قصّرتْ به بعضُ وسائل الإعلام وشركات الإنتاج الدرامي والسينمائي، ونحنُ الذين عاهدنا في مؤسسة جهينة السوريين جميعاً، كما عاهدنا أنفسنا، بأن نكونَ في الخندق الأول في الدفاع عن الشعب السوري الصامد بمواجهة الاستهدافات وموجاتِ الحقدِ التي تعرّض لها طوال الأعوام الثمانية المنقضية، فمَنْ أجْدَرَ مِن أمِ شهيدٍ زغردتْ وجفّتْ الدموعُ في مآقيها حين بلَغَها نبأُ استشهاد ابنها، أو شابةٍ كانتْ تنتظرُ حبيبها على ناصية أحد الطرقات في دمشق القديمة قبل أن تغتاله قذيفةُ هاون غادرةٌ، أو أبٍ فقَدَ فلذة كبده وشريكة عمره بقذيفةٍ أخرى سقطتْ بالقرب من إحدى المدارس.. وغيرهم من الثكالى والأرامل والمفجوعين بأحبّتهم الذين مضوا ولن يعودوا.
(كفى.. Enough)، هو صرخةٌ في وجهِ الصمتِ والصامتين، وكفٌّ مرفوعةٌ في وجهِ المنظمات الدولية والإعلام العربي والعالمي المضلِّل، والذي ينظرُ إلى كلمة (مدنيين) فقط من زاوية المناطق التي سيطرت عليها الجماعات التكفيريةُ والعصابات الإرهابيةُ المسلحةُ، فيما يتعامى ويصمُّ الأذانَ عن أنين ودماء الضحايا الأبرياء (المدنيين) الذين اغتالتهم قذائفُ وصواريخ الإرهابيين في دمشق وسواها من المدن والبلدات السورية.. وهو أيضاً إدانةٌ صريحةٌ للإعلام الذي يختبئ خلْف إصبعه في كثيرٍ من الأحيان، و(يؤنسّن) الصراعَ ليستجدي دعماً هنا وتنويهاً مجانياً هناك!.
لم ولن تكونَ خيانةُ الوطن وجهةَ نظرٍ، كما لم يكنْ تهميشُ مئات الشهداء، ولن يكونَ مبرراً لأولئك الذين ساوَوا بين القاتل والقتيل، وذهبوا في ثقافتهم وأدبهم وفنّهم إلى إدانةِ الموت من دون البحث في مرجعية مَنْ تسبّبَ بهذا الموت.. فالحقُّ كلَّ الحقِ، وكي تكونَ وطنياً صادقاً، أن تقولَ الحقيقةَ ببندقيتكَ وكلمتكَ وقلمكَ ووتَرِكَ وكاميرتكَ، وتهتفَ (كفى.. Enough) لكل هذا الصمت، وللحقائق المقلوبة والوهم الزائل الزائف.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة