السبت, 17 تشرين الثاني 2018
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 103 تاريخ 1/3/2018 > الحنينُ إلى مدرسة (تجهيز البنين)
الحنينُ إلى مدرسة (تجهيز البنين)
تعودُ الذاكرة بي إلى يومٍ صيفيّ قائظٍ من شهر آب عام 1975 بعد أن صدرت نتائج (الشهادة الإعدادية)، وصار عليَّ أن أنتقلَ إلى مدرسةٍ أكبرَ من مدرستي الأولى، وحينها أمسكَ المرحوم والدي - وهو المدرّس العريق- بيدي، ورحنا نفتّشُ عن مدرسةٍ لها ثقلُها، بدءاً من (ثانوية أمية) في القصّاع مروراً بـ(ثانوية يوسف العظمة) القريبة من شارع بغداد لينتهي بنا المطاف أخيراً في (ثانوية ابن خلدون) في منطقة (التجهيز) بقلب دمشق، وهي المدرسة التاريخية ذات السمعة الأقوى، وكنا قد استبعدنا مدارس أخرى مشهورةً مثل (جودت الهاشمي وابن العميد والثقفي) لأسباب مختلفة منها البُعد، وكذلك المدارس الخاصّة (وأشهرها اللاييك أو معهد الحرية) نظراً لارتفاع تكاليف رسومها، فيما كانت المدارس الحكومية وقتَها مجانيةٌ وذات سمعة عطرة.
أصابتني الرهبةُ وأنا في رحاب المدرسة الضخمة والتي لا أعرفُ عنها شيئاً، لكنّ معالمَها التي تشبه القلعة تشي بأنها مدرسةٌ عريقةٌ، وخاصة أنني في الأصل متوجّسٌ جداً من فكرة الانتقال إلى المدينة الكبيرة فما بالك بالدخول إلى هذه القلعة؟ كنتُ كمن يريد أن يهاجر إلى قارّة أخرى، وزاد من اضطرابي ذلك الازدحام الكبير للأهالي وأبنائهم في المدرسة، أما الأدهى فهو إخباري بأن التسجيل قد انتهى! لا أدري ما الذي أصابني دفعةً واحدةً: خوفٌ وقلقٌ وأسىً أو قلْ: صدمةٌ وتعرّقٌ باردٌ في عزّ الصيف.. كنتُ على وشك أن أجرّ أذيال الخيبة ورائي لولا أمرٌ طارئٌ قلَبَ كل شيء، حيث إنه وفي الوقت الذي كنتُ أهمُّ فيه بالعودة وقلبي معلّقٌ لا يريد ذلك (وكذا حال أبي الذي أجزمُ بأنه كان يسوقني إلى هذه المدرسة بالذات)، أطلّ من بين الزحام رجلٌ وسيمٌ ذو حمرةٍ في الوجه يتجه نحو الإدارة، وكان واضحاً أنّه مشغولٌ جداً، فلحقتُ به مثل غريقٍ يريدُ أن يتمسّكَ بقشّة، وأحمدُ الله أنه لم يُشِحْ بوجهه عني، بل توقّف بكل لطفٍ ليسمعَني.. قلتُ وأنا أقطرُ عرقاً: أستاذ، انظر إلى هذه (وكانت بيدي وثيقة الشهادة الإعدادية بعلاماتها العالية).. أدرك الأستاذ بنظرةٍ سريعةٍ محتوى الورقة وما أفكّر فيه، فابتسم وقال: انتظر حتّى ينتهيَ الزحام، فأحسستُ بأن الفرج جاء، ولكنّي بقيتُ متشكّكاً: هل يعني الأستاذُ ما يقوله، أم إنه أعطاني مسكّناً ليختفي بعدها؟ والحقّ هو أن أمين السر (وهو الأستاذ عدنان قضماني) وفى بوعده؛ فما إن هدأتِ المدرسة وخلَت من ناسها حتى عاد إليّ، وأتمّ إجراءات تسجيلي في الشعبة النموذجية الأولى.
يشعرُ كل من درَس في مدرسة (ابن خلدون) العريقة بالفخر لما تمتّعتْ به من ميزات، وكذا عدد الشخصيات المشهورة التي تخرّجت فيها، فقد افتتحت هذه المدرسة باسم (مدرسة تجهيز البنين الأولى) عام 1936 بعد أن نُقل أثاث مكتب عنبر في (القيمرية) إليها، وأدارها صاحب الفضل في تأسيسها جودت الهاشمي، أستاذ الرياضيات العبقري ومدير مكتب عنبر.. وكان لي شرف الدراسة فيها بين عامي 1975-1978 وهي في عزّها، إذ كان يديرها مديرٌ عرفه آلاف الطلاب هو الأستاذ تيسير الرفاعي (أبو سعدي) رحمه الله، الشخصية الذكية الحاذقة الحركية (الديناميكية)، صاحب القرار الحازم، والذي يعرف كل صغيرةٍ وكبيرةٍ في المدرسة.
في وقتنا ذاك، كان الطبُّ في أعلى سلّم المهن، فكان المدير يأتي إلينا ويذكّرُنا بأن المدرسةَ خرّجتْ ساداتِ سورية، وهو يتوقّع أن يخرجَ من شعبتنا عددٌ كبيرٌ من المشاهير–لاسيما الأطباء- في المستقبل، حيث كان الراحل (أبو سعدي) خرّيج الجغرافيا رجلاً رياضياً بما يسمح به وقته، وكنتُ أراه يلعبُ كرة السلّة ببراعة، وكان حازماً لا يتهاون بشأن أي تقصير أياً كان صاحبه لكنْ بأبويّة ساعيةٍ إلى الإصلاح لا الانتقام، ولم يكنْ (وهو الدمشقيّ) يميز بين شخص وآخر، فقد علّمتْ مدرستُنا أبناء أشهر العائلات على قدم المساواة مع طلاب أتَوا من شرائح المجتمع كافّة ليجلس ابن الوزير مع ابن الموظف العادي على مقعد واحد.. إذ إن ما كتبه المدير لي في رسالة ذات يوم: “إن استعادة الأرض المغتصبة وإعلاء كلمة العروبة لا يمكن أن يتمّا إلا على يد شباب تسلّحوا بالخلق والمعرفة والعلم والفداء”، دليلٌ على نمط تفكيره الواعي وحسّه الوطني العالي. وكان عدد طلاب شُعبتنا أربعةً وخمسين، وعدد شُعب الصف العاشر وحده إحدى عشرة شعبة، وعرفتُ في المدرسة تقاليد جميلة مثل: فوج الكشّافة، وفرقة الموسيقا النحاسية التي كانت تعزف النشيد الوطني السوري الجميل (حماة الديار) في كل (تحية علَم)، وغير ذلك من الأناشيد الوطنية (في سبيل المجد، نحن الشباب، بلاد العرب أوطاني..)، فنمتلئ بالحماسة والزهو مرتين أسبوعياً، عدا المناسبات الوطنية المختلفة مثل عيد الجلاء (17 نيسان) وذكرى حرب تشرين وغيرها، وكانت لمدرستنا أيضاً مهمةٌ خاصةٌ في المناسبات الوطنية هي (حملُ المشاعل)، وحملتُ المِشعلَ مراراً أنا وزملائي في المسيرات نجوبُ به شوارع دمشق.. وكان معظم أساتذة المدرسة من طراز رفيع، وأذكر عينةً من أسماءَ لامعةٍ علّمني أصحابها: إبراهيم خوري (جغرافيا)، محي الدين سليمة ومحمود الخطيب (لغة عربية)، محمود عجاج (لغة إنكليزية)، تيسير العيتي (رياضيات)، هشام مبيض (فيزياء)، وعبد الرؤوف نقشبندي (علوم طبيعية)، وغيرهم كثير.
سقى الله تلك الأيام الجميلة، ومنَّ على شعبنا الأبي الصامد، مَضربِ الأمثال، بمثلها أو أفضلَ منها.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة