الأربعاء, 18 تموز 2018
فلسطينَ سوريّةٌ
لا يوجد أدنى شك في سوريّةِ فلسطينَ، فهي جزءٌ غالٍ من سورية الطبيعية، مثل كيليكيا وأنطاكيا وإسكندرون، كانت كذلك عبر التاريخ، وستبقى إلى الأبد. هذه حقيقة لا داعيَ للخوض فيها، لكن ثلاثة كتب قرأتُها جذبت نظري تؤكّد أمرين بالوقائع: أولهما سوريّةُ فلسطينَ، وثانيهما: ظلم العثمانيين لأهل بلاد الشام.
الكتاب الأول هو أقدمها “فلسطين: إليكم الحقيقة” (Palestine: The Reality) للصحفي البريطاني المدافع عن سوريّةِ فلسطين ج م ن جفريز((J.M.N. Jeffries، المنشور بعد عناء وعَنَت مع الحكومة البريطانية والنفوذ الصهيوني عام 1939، يقول في الفصل الثاني: “... إن فلسطين ليست إلا جزءاً من وحدة سورية الطبيعية، وإن سوريةَ نفسَها جزءٌ لا يتجزأ من الإرث العربي العظيم، وإن ادّعاءَ الصهاينة “الرابطة التاريخية” لا يمكن أن يستخدم عدلاً وإنصافاً لإلغاء ملكية سكانها لها الذين يملكون رابطةً تاريخيةً أعرق وأقدم.... لقد نسينا مآثر العرب الخالدة، وجاز لدينا تدمير الأتراك لحضارتهم، وكأنه نتيجة مترتبة على اضمحلالها.. وفي أيامنا هذه يُعزى الإقفار في أي بقعة عربية إلى خمول العربي، الذي هو في الواقع فلاحٌ ممتازٌ كآبائه الأقدمين، ولا يعزى إلى النير العثماني القاتل”..
أما الكتاب الثاني، فهو “عشْنا وهرِمْنا وشفْنا أخيراً” للكاتب فؤاد عبد النور المطبوع في بيروت عام 2014، وفي الدلالة على ظلم العثمانيين نقرأ أن “جدّ الكاتب عمل في الخط الحديدي الحجازي مراقباً للعمال في حيفا، وكان قد أتى إليها بسبب المذابح الوحشيّة التي تعرّض لها المسيحيون عام 1860م، في لبنان: بسبب تهوّر البطريرك الماروني.... وفي دمشق: بسبب هبّة الرّعاع والحثّ المباشر من الوالي العثماني لمهاجمة الحي المسيحي في دمشق وتدميره، فقتل ما يُقدر بعشرة آلاف من الجيران المسيحيّين (وهنا الجدير بالذكر أن الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري هو أحد الذين قاموا بحماية المسيحيين في سورية). وفي مكان آخر من الكتاب يصف تعسّف الأتراك بقوله: “كان وجه أبي يتجهّم عندما يتحّدث عن حياته تحت الحكم العثماني.. كانت الأحوال في حيفا صعبة كثيراً.. مجاعة.. كنا نلحق خيل الجيش التركي حتى نلمَّ الروثَ ونغسلَه في البيت، ونستخرجَ منه حبوب الشعير غير المهضومة حتى ندقَّها ونخبزَها!” (ص 25).
وفي الدلالة على سوريّةِ فلسطين يقول الكاتب، وهو المولود في دمشق: كان أبي موظفاً في شركة (سبني) الإنكليزية ومركز عمله الناصرة، ونُقل أبي إلى نابلس، وأُلحقتُ وأخي سمير بـ(دار الأيتام السوريّة) في الناصرة (التي عرفت بين الناس باسم مدرسة شنلّر المهنيّة نسبةً لمؤسّسها المبشّر الألماني). سنة 1947 كانت مختلفة، حيث شعرنا بالتوتر يسود البلاد وبصدمةٍ وحزنٍ من (احتفالات اليهود بإعلان التقسيم)، وأخذنا نسمع أكثرَ وأكثرَ أزيز الرصاص، وقرّرت الإدارة إغلاق المدرسة، فجَمَعَنا في القاعة نائب المدير، الأستاذ السوري إسكندر حداد، وخطَبَ بنا خطبة الوداع المؤثرة، وتحدّث عن قدسيّة الوطن وواجبنا في حمايته، وأنهينا الاجتماع بترديد النشيد الوطني السوري (حماة الديار) المعتمد في المناسبات الاحتفالية (ص 27).
أما الكتاب الثالث، فهو (تاريخ جسكالا) للراحل خليل خلايلي المطبوع في دمشق 2001، وقد أشار المؤلف إلى بشاعة الزمن العثماني السابق للانتداب البريطاني في قريته الجش، فقال: “عاشت الجش أسوأ أيام حياتها في أواخر العهد العثماني، فالكوليرا والهذلان والجراد ومن ثم الفقر والجوع والمرض، كانت كلُّها السماتِ الأساسيةَ للعهد المظلم آنذاك، ما جرّ البلدة إلى تأخر عجيب، فأصبح من النادر أن تجد واحداً من أهاليها يحسن القراءة أو الكتابة، وكثرت حوادث السرقة والسطو ونقب البيوت وسرقة المواشي، وشكلت الضرائب عبئاً كبيراً، وأخذ الفلاح الساذج البسيط يئنّ تحت وطأتها”. لكنّ الزمن التالي لم يكن أفضل، فقد عاشت فلسطين فظاعةَ الاحتلال البريطاني، هذا الذي أدى في النهاية إلى (نشوء) الكيان الإسرائيلي الغاصب.. ومع ذلك كانت بعض الأمور متميزةً قياساً بزمننا الحالي، ومن ذلك سهولة التنقل في بلاد الشام بين دمشق وبيروت وعكا والقدس رغم وجود المحتلين. ويذكر المؤلّف مدرّساً للغة الإنكليزية من أهالي صفد يدعى حسن حميدة، يصفه بقوله: “ كان راقياً دمثاً وذا خلق رفيع، هاجر إلى سورية بعد النكبة قبل هجرتنا بستة أشهر، وقد وصلتني منه رسالة من (مخيم النيرب، في حلب) إلى (الجش، في الجليل الأعلى) يسألني عن المدرسة في البلدة، وأجبتُه عن وضع المدرسة آنذاك”. كما يذكر المؤلف شيئاً عن صحف ذلك العهد ومجلاته، فيقول: كانت الصحف المصرية كـ(الأهرام والمصوّر والبعكوكة والهلال والرسالة) تصل إلى بعض المثقفين في البلدة، ومثلها كانت الصحف الفلسطينية”، والمؤسف (اليوم) أننا نلحظ اختفاء المجلات الثقافية المعروفة في مدن عربية كبيرة.
وارتكب الصهاينة فظائع في البلاد جميعها تذكّر بما يحدث (اليوم) من مجازر وجرائم مروّعة واغتصاب على أيدي العصابات الإرهابية، ومن ذلك ما كشفه أحد مستشاري (بن غوريون) الثقات، فرد غرونيش، عن “الفظاعات التي شهَدَ عليها في قرية الجش العربية لدى الاستيلاء عليها واصفاً إياها بالجريمة البشعة ومجزرة المدنيين”، فلم يجد الأهالي بداً من اللجوء إلى أماكن كثيرة في سورية ولبنان، ويلفت النظر قول المؤلف: “وُزِّع بعض أهالي بلدة الجش المهاجرين إثر النكبة على مخيمات كانت قد أعدّت مسبقاً لهم في أنحاء متفرقة من لبنان الشقيق”.
هذه الحقائق التي ذكَرَها المؤلفون، إضافة إلى آلاف الشواهد التي ما زال شهودُها أحياء، تذكّرنا بأن فلسطينَ قطعةٌ غاليةٌ من سورية، وأن ما يجري (اليوم) فيها من أحداث دموية ليس بعيداً في أهدافه عمّا حدَثَ في النكبة الأولى.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة