الأربعاء, 18 تموز 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 102 تاريخ 5/2/2018 > الكاتب والسيناريست د. ممدوح حمادة: أنا أكتبُ كما كان سبارتكوس يكسرُ الحجارة من دون توقّفٍ وظروفٍ ملائمةٍ
الكاتب والسيناريست د. ممدوح حمادة: أنا أكتبُ كما كان سبارتكوس يكسرُ الحجارة من دون توقّفٍ وظروفٍ ملائمةٍ
جهينة- أحمد علي هلال:

في شخصيته المتعددة والمشبعة بالتجربة يقال الكثير، وبقدر ما تنفتح هذه التجربة على فنون بعينها لا سيما فن القصة وإبداعها، فإنه انتقل منها إلى غير نوعٍ كتابي ومنها نصوص أدبية تحولت إلى قصص للعمل الدرامي، ولعلّ الثيمة الأساسية جنوحه للسخرية أبداً لكي يمتع العقول ويحاورها، ويتدفق بمعرفة ملونة ومتعددة بمفارقاتها ورسائلها ستتوزع على شواغله وعلاماته الدرامية، التي لاتزال في ذاكرة المتلقي السوري والعربي، ولعلّه قدّم نفسه بحريّة للمرة الأولى في (بطل من هذا الزمان) و(جلنار) وما تبعهما من أعمال مازالت تتحدث عن نفسها، ليكتمل عالمه الخاص به متفرداً بأسلوبية اختطها في نصوصه الدرامية المختلفة، والتي وظّف فيها نماذجه من شخصيات ستترك تأثيرها في غير زمن.. يكتب من دون توقّف ليأخذنا إلى عالمه المتنوع وإبداعه المختلف، إنه الكاتب والسيناريست ممدوح حمادة الذي كان لـ(جهينة) الحوار التالي معه:
الكوميديا منتجٌ يعتمد على التجارب الفردية
رحلة مديدة لك ما بين الصحافة والكتابة القصصية ورسومات الكاريكاتير، هل شكّل لك ذلك مهاداً ضرورياً للدخول إلى الكتابة الساخرة تلفزيونياً، وما معايير هذه الكتابة، لاسيما أن ثمة من يرى تراجعاً في التراجيديا وصعوداً للكوميديا؟
لم يكن لي رحلة مديدة مع الصحافة مع الأسف، فقد عملت ما يقارب ثلاث سنوات فقط في هذه المهنة، ولم أكن متفرغاً وإنما كما كان شائعاً حينها وصف هذا النوع من الصحفيين بـ(صحفي على القطعة)، وبالتالي فإن تجربتي الصحفية لا يمكن الاعتداد بها البتة، كذلك تجربتي مع الكاريكاتير لم تكن تلك التجربة العميقة، فقد نشرتُ رسومي في الصحف البيلاروسية لمدة لم تتعدَ الأربع سنوات ثم تابعتُ النشر بشكل متقطع والمشاركة في بعض المهرجانات الدولية حوالي خمس إلى ست سنوات وبعدها انقطعت عن ذلك عملياً بشكل كلي. وبشأن الجنوح نحو السخرية فقد بدأ عندي قبل ذلك منذ مرحلة المدرسة عبر مواضيع التعبير التي كانت تشكل لي متعةً كبيرةً، كما أنها لاقت تشجيعاً من مختلف المعلمين وقتها، ولم تنقطع بعد ذلك قصصياً وشعرياً إلى أن وصلت إلى الشاشة، ولا أظن أن الكتابة التلفزيونية الساخرة تختلف عن غيرها من أنواع الكتابة الساخرة، وبالأصل أنا أعتقد أنه ليس هناك نوع أدبي يمكن أن نطلق عليه الكتابة التلفزيونية، وعلى الأقل أنا لم أسمع بمصطلح كهذا، أما كتابة السيناريو التلفزيوني فهي أمر مختلف بطبيعة الحال لأن طبيعة التلفزيون تفرض نفسها من حيث نوعية الجمهور المتلقي واتساعه ومواصفات المنتِج وغيرها من العوامل المؤثرة على نوعية العمل الفني في التلفزيون وفيما عدا ذلك فإن المعايير واحدة في الكتابة الساخرة وهي تضمين المادة مفارقات ساخرةً ورسائل مختلفةً يحددها صاحب المادة الساخرة والابتعاد عن الافتعال والابتذال. وبخصوص صعود الكوميديا عندنا أخالفك الرأي فما يقدم قليل جداً ومعظمه ذو نوعية (لا تبيّض الوجه) سواء في السابق أم الآن، حيث إنه لم تتبلور لدينا مدرسة في هذا المجال، وبقيت الكوميديا منتجاً يعتمد على التجارب الفردية التي تترك فراغاً كبيراً عند غياب أصحابها، بينما نجد زخماً في إنتاج بقية الأنواع الدرامية.
تجربتي السينمائية عبر الأفلام القصيرة غير مكتملة
شكلت ما اصطلح عليه «دراما العائلة» وقبلها فيلمك الروائي القصير « ضمانات للمستقبل» دخولاً قوياً للكوميديا الذكية، كيف كان أول الاحتكاكات مع (عائلات النجوم) الشهيرة، وهل كانت مغامرة بالمعنى الفني أم عتبة لتنعطف بعدها لأعمال مثيرة للجدل وشغف الجمهور؟
بدايةً لندع تجربتي السينمائية عبر الأفلام القصيرة جانباً في الفترة الحالية، فهي غير مكتملة بعد ولا يمكنني الحديث عنها كتجربة مختمرة، فــ«ضمانات للمستقبل» ليس سوى مشروع تخرًج طلابي لم يتم تنفيذه أصلاً كما ورد في السيناريو لأسباب مادية ولو قُيض لي إعادة إنتاجه فسيكون أمامنا فيلم آخر كلياً، أما (عائلات النجوم) فقد كانت دخولاً إلى الدراما بالرِجْل اليسرى -كما يقولون- بعد سنة ونصف السنة من التشرد الحقيقي، وكان بودّي أن أدخل بمشروع يمثلني كلياً ولا علاقة له بأي مشروع آخر سابق له، على الأقل أن يحمل اسماً آخر غير اسم العمل الذي سبقه، ورغم أنني بذلت جهدي لكي أقدّم عملاً جيداً، وأيضاً رغم أن هذه السلسلة لاقت وما زالت حتى الآن تلاقي نجاحاً جماهيرياً كبيراً إلا أنها لم تكن بداية مشروعي، فأنا قدّمت نفسي بحريّة للمرة الأولى في (بطل من هذا الزمان) و(جلنار) وما تبعهما من أعمال.
هل تؤمن بالشراكة بين السيناريست المبدع والمخرج المثقف كما جرى وبشكل خاص بينكم وبين المخرجين هشام شربتجي والليث حجو، وما مدى رؤيتك لتلك الانعطافات والمدارس التي وسمت سلوك مخرجين مبدعين كلٌّ بأسلوبيته؟
بالتأكيد، الشراكة أمر مهم، وتتالي التجارب المشتركة يجعل التفاهم بين الطرفين أكبر وأعمق وتنخفض نسبة الأخطاء إلى درجة كبيرة وهذا يخدم العمل، وبالنسبة لتجربتي مع الصديقين هشام شربتجي والليث حجو فإن الأعمال تتحدث عن نفسها.
الصعوبة الأهم في (بقعة ضوء) هي كتابة اللوحات بالتكثيف والرشاقة
كانت لك مشاركات لافتة على صعيد النصوص في ( بقعة ضوء)، هل ترى أنها الآن بلغت ذروتها وسط اشتراطات الجهات المنتجة، وما مدى الصعوبات التي تواجهها هذه الأعمال؟
(بقعة ضوء) عمل بدأ بحماسة كبيرة من مجموعة كبيرة من الفنانين والكتّاب ومخرجه الليث حجو، وبسبب الخلافات التي دبّت بين أطراف العمل تعرّض هذا المشروع للكثير من الأذى، ثم بدأ ضوءه يخفت لأن تلك الحماسة خبتْ، وأقول بصراحة: إن هذا المشروع في مأزق كبير، فمع الأسف بدأنا نشاهد لوحات باهتةً ولوحات مسروقةً من أعمال أخرى وأحياناً من (بقعة ضوء) نفسه، وإذا لم يتم تلافي هذه النقاط فإن العمل سينحدر أكثر. أما اشتراطات الجهات المنتجة فلستُّ مطّلعاً عليها، وأهم صعوبة تواجه هذه الأعمال هي كتابة اللوحات التي يفترض أن تكون مكثفةً ورشيقةً وذات إيقاع سريع وهذا ليس سهلاً، ولكن الصعوبة الأكبر في الأعمال التي يمكن وصفها بالأجزاء هي الحفاظ على النجاحات السابقة.
النقد هو مبرر وجود السخرية
لعلّ اختيارك للكوميديا وما تجلى فيها لاسيما من خلال علامتين فارقتين هما «الخربة» و«ضيعة ضايعة» بجزأيه يوازي إشباع مقولة «الضحك في الزمن الأسود»، وأكثر من ذلك هي تصعيد لمفهومك حول السخرية والنقد وأنت ترى أن الكتابة الساخرة تعتبر أن النقد إحدى أهم وظائفها، كيف تعلل هذه المسألة؟
في الحقيقة السخرية أنواع ولكنها عندنا غير مصنفة نقدياً بعد، وهي مصنفة بناءً على الوظائف المنوطة بها، فهناك نوعٌ وظيفته النقد من أجل الإصلاح، ونوعٌ آخر وظيفته النقد من أجل التغيير، ونوعٌ ثالثٌ وظيفته النقد من أجل التدمير وهذا نجده في فترة الحروب، والنقد باعتقادي هو مبرر وجود السخرية، فماذا ستفعل النصوص الساخرة إن لم تنتقد، ولا نستطيع وصف تلك النصوص الظريفة والطريفة الكوميدية التي تسبب الضحك بأنها تنتمي إلى السخرية لأنها تخلو من النقد.
هل يمكن الحديث عن معوقات النص الكوميدي السوري وأنتم لكم بصمتكم الواضحة فيه في ضوء ما يقال عن غياب النصوص الجيدة مثلاً؟
النص الكوميدي نادر بسبب صعوبته، وكانت هناك أزمة فيه بجميع المراحل سواء في سورية أو غيرها.
إلى أين يتجه المشهد الدرامي (اليوم) في ضوء استحقاقات كثيرة منها الحصار الذي تواجهه الدراما وهجرة بعض النجوم؟
المشهد الدرامي السوري مرتبط بشكل مباشر بالوضع في سورية وإلى أين تتجه سورية ستتجه معها جميع المشاهد الأخرى، وبالتأكيد فإن الحرب وهجرة العاملين في حقل الدراما بمختلف تخصصاتهم أثّرتا وتؤثران سلباً في هذا المشهد، أما عن المستقبل فيصعب الحديث عنه بدقة حالياً، كل ذلك مرتبط بالتطورات اللاحقة.
البطولات الجماعية تفوقت على مفهوم تكريس النجم
لم تنحاز إلى نجم بعينه بل إلى مفهوم الشخصية وإلى مفهوم العمل بكليته ورسائله الثقافية عبر الكوميديا، فهل مازال العمل بطلاً مطلقاً، أم إننا مازلنا ننظر إلى النجم / الشخص بوصفه حامله؟
أنا كاتب ولستُّ حرفياً أنفذ طلبات الزبائن، وإذا لم تتوفر لي الحرية في الكتابة فإنني لن أتمكن من الكتابة، حيث إن كل ما كتبته من أعمال قدّمته قبل اختيار الممثلين إلا حين يحدث أن أكتب جزءاً آخر كما في (ضيعة ضايعة) فإنني أعرف من سيلعب الدور، فالممثل هو وجه العمل وله أهميته بالتأكيد وله دورٌ غاية في الأهمية في نجاح العمل، ولكنه من دون توفر بقية العناصر لن يتمكن من فعل شيء. أما نظرية النجم حامل العمل فلم يتم التعامل بها في الدراما السورية على حد علمي، ويتم الاعتماد في معظم الأحيان على البطولات الجماعية.
تجربتك الغنية في مجال الكتابة الدرامية لم تمنعك من العودة إلى القصة ولك مجموعات صدرت حديثاً « دفتر الغربة» و« ودفتر القرية» و« دفتر الأباطرة»، هل هي مشروع سيرة ذاتية / موضوعية؟
أنا لم أترك القصة لأعود إليها، قبل السيناريو كنتُ أكتب القصة ولم أتوقف عن الكتابة والنشر بعد أن امتهنت السيناريو، وقبل مشروع (الدفاتر) نشرت مجموعة من الكتب، و(الدفاتر) هي مجموعات قصصية يوحّدها الموضوع وسمّيتها كذلك لأنها كانت محفوظة في دفاتري، حيث لم يتسنَ لي نشرها وهي بالتأكيد أعمال أدبية وليست سيرة ذاتية.
الصورة والكلمة تكملان بعضهما
هل تشكل الصورة (اليوم) وسحرها تحدياً للكتابة الإبداعية، وقيل إن الصورة بألف كلمة؟
كل الفنون تدور في فلك الكلمة حتى الفيلم الصامت يُكتب السيناريو له وتُكتب فكرته بالكلمات، والصورة لم ولن تشكل تحدياً للكلمة، الصورة والكلمة وسيلتا تعبير مختلفتان لا تتنافسان إطلاقاً وفي الكثير من الأحيان تكملان بعضهما.
درامانا ليست بخير ولكن..
ثمة من يقول: درامانا بخير، وثمة من ينفي هذا الأمر، أين تقف من هذه الآراء؟
درامانا ليست بخير، فبعد ما جرى ويجري لا يمكن لدرامانا أن تكون بخير، حيث إنها إضافة إلى المشاكل التي تعانيها بسبب الحرب على سورية والتي تطرقنا إليها آنفاً تعاني من أسراب من المتسلقين من كتّاب ومخرجين وفنانين ومنتجين وغير ذلك من أصناف المختصين أنصاف وأرباع المواهب والخبرات سيأتون على أخضر الدراما ويابسها إن لم يتم وقف هذه الأسراب وهو ما يبدو أنه لن يحصل قريباً، فالمتسلقون يثبتون مواقعهم يوماً بعد آخر.

سطور وعناوين
- قاص وروائي وصحفي ورسام كاريكاتير.
- ولد عام 1959 من هضبة الجولان المحتلة.
- درس الصحافة في جامعة بيلاروسيا الحكومية، وتخرّج فيها عام 1994 بدرجة دكتوراه.
- درس الإخراج السينمائي في أكاديمية الفنون الحكومية البيلاروسية وتخرّج فيها عام 2009.
- أخرج فيلمين (ضمانات المستقبل) وهو مشروع تخرجه ومن تأليفه، وآخر بعنوان (مازلت على قيد الحياة) استمد موضوعه من الحرب على سورية.
- بدأ كتابة السيناريو عام 1995، ومارس كتابة القصة وله عدة مجموعات قصصية بعنوان (الدفاتر) صدر منها (دفتر الحرب، ودفتر الأباطرة، ودفتر القرية).
- من أعماله في التلفزيون (عائلات النجوم، بطل من هذا لزمان، قانون ولكن، ضيعة ضايعة بجزأيه، والخربة، وضبو الشناتي، والواق واق)، وللأطفال: (مدينة المعلومات بجزأيه – كليلة ودمنة مسلسل كرتوني، وفيلم أيضاً).
- يقول د. ممدوح حمادة:
- ليست لدي طقوس خاصة للكتابة، أنا أكتب كما كان سبارتكوس يكسر الحجارة من دون توقف ودون ظروف ملائمة.
- أنا أتعرّف إلى الشخصيات أولاً، وعندما أرى أنها تستحق أن أعرّف الناس عليها أُعلن ذلك، فعلى سبيل المثال مسلسل (الخربة) رسمت شخوصه على مدى عامين، وكنت أريد أن أقدمه كمسرحية غنائية لكنه خرج تلفزيونياً
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة