الأربعاء, 21 شباط 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 101 تاريخ 15/1/2018 > مارغو .. لؤلؤة أرمينيا السورية
مارغو .. لؤلؤة أرمينيا السورية
بقلم: نـذيـر جعفر
مارغريت ..ماري.. ماروشكا..مريام..أمَّا في حلب فيسمونها مارغو، وتعني فيما تعنيه اللؤلؤة وربما الأقحوانة..تزوجت مارغو عازفة البيانو الأرمينية قبل ربع قرن من المسرحي السوري د. وانيس باندك وسكنا معاً في شقة متواضعة بالأجرة في حي الميدان وبدأا رحلة الكفاح المريرة في تأمين لقمة العيش، فانصرفت مارغو لتدريس البيانو لأبناء حلب طوال أوقات فراغها، فيما كان زوجها يتنقل ما بين التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق والمسرح القومي في حلب، وأنجبت مارغو ابنيها يعقوب (طالب طب بشري)، ولوسي (طالبة أدب إنكليزي)، ثم انتقلت الأسرة بعد أن ضاقت بها الشقة الصغيرة إلى شقة جديدة في حي السريان القديمة تمكنت من شرائها بالتقسيط. وطوال الفترة الممتدة من تسعينيات القرن الماضي حتى بداية (الربيع العربي الأسود) والحرب العدوانية التآمرية على سورية عاشت الأسرة بوئام واستطاعت مارغو أن تكوِّن علاقات وصداقات واسعة مع جاراتها السوريات، وأن تتعلم اللغة العربية بل تتقنها بما في ذلك اللهجة الحلبية الدارجة، ما ساهم في اندماجها في المجتمع وتوسيع دائرة معارفها وطلابها الذين تعلّمهم العزف على البيانو، ولم يخطر على بال مارغو أن تطلب الجنسية العربية السورية حينذاك، ولكن مع بدء الأعمال الإرهابية في حلب، واستهداف الأحياء السكنية والمدنيين بقذائف الهاون و(مدافع جهنم) والسيارات المفخّخة، وإزهاق أرواح العزّل أطفالاً وشباباً ونساءً ورجالاً وشيوخاً، وتدمير آلاف المنازل والمحال والمنشآت التجارية، بدأ ت حلب تشهد على أثر ذلك كله هجرةً واسعةً لم تشهدها يوماً في تاريخها القديم أو المعاصر، فتوزع أبناؤها على شتى أصقاع المعمورة على اختلاف انتماءاتهم الإثنية والقومية والدينية، ومع ازدياد هجرة أبناء حلب من المواطنين الأرمن وقفت مارغو أمام زوجها وقالت له بصوت مشحون بالإصرار والحماسة: لن أهاجر.. سأبقى هنا حتى لو بقيت الأرمنية السورية الوحيدة في حلب.. لن أهاجر وسأبقى لأموت هنا وأدفن في تراب سورية.. (اليوم) يا زوجي الحبيب وانيس جاء وقت حصولي على الجنسية السورية، صباحاً ستذهب معي إلى دائرة النفوس لتقديم طلب الحصول عليها.
فوجئ الزوج بطلب مارغو وقال لها: أيام السلم لم تطلبي الهوية السورية و(اليوم) توجد مصاعب للحصول عليها والناس يهاجرون وأنت تريدين البقاء والحصول عليها!؟ فردّت عليه بحزم: لا تناقش في هذا الموضوع لن أكون مرتاحة بعد الآن ما لم تكن الهوية السورية هويتي التي أعتز بها وأموت من أجلها، وذهبت مارغو مع زوجها وبعد الإجراءات والانتظار حصلت على الهوية فقبّلتها ووضعتها في حقيبتها وزغردت أمام الجيران حالما وصلت إلى الحي وعرفوا أنها حصلت عليها.
في منتصف هذه الحرب الخبيثة على وطننا اضطرت مارغو للذهاب إلى أرمينيا للاطمئنان على صحة والدتها، وبعد فترة من سفرها عادت مارغو ومعها أمها المريضة، وفوجئ الجيران بعودتها وأنّبوها على اصطحاب أمها معها في ظروف الحرب القاسية وشح المياه والغذاء والدواء، فقالت لهم: أنا لي والدتان: أمي وسورية. ولن أترك أيّاً منهما وحيدةً بعد (اليوم) لأنني لا أستطيع فراقهما وهما تعانيان من المرض.
تلك هي مارغو لؤلؤة أرمينيا وأقحوانتها السورية، ذلك هو الوفاء لمن لا يعرفه، تلك هي الوطنية الحقّة لمن لم يعشها، فكم من مارغو نحتاج كي يعرف العالم أن سورية وطن العالم كله، وأن حلب صمدت وانتصرت بمارغو وآلاف السوريات مثلها اللواتي لم يقفن متفرجات على القتل والدمار بل دفعن بفلذات أكبادهن إلى ميادين القتال دفاعاً عنها. إليك مارغو ولكل نساء سورية وأبنائها على تنوّعهم الجميل والمدهش ولا سيما الأرمن الصامدين في حلب وحمص ودمشق والحسكة والقامشلي وسائر المدن والقرى السورية...إليكم ..إليكن تنحني الجباه.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة