الأربعاء, 21 شباط 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 101 تاريخ 15/1/2018 > العنصر الزخرفي في التصميم الداخلي.. صورةٌ بصريةٌ ترسمُ هوية المكان
العنصر الزخرفي في التصميم الداخلي.. صورةٌ بصريةٌ ترسمُ هوية المكان
د.حسام دبس وزيت

إن عملية تصميم وإنتاج الفراغ في محتواه البصري صبغت إبداع الإنسان القديم منذ اتخاذه للملجأ الأول من الكهوف التي احتمى فيها وبدأ يصوّر على جدرانها نماذج رسومية تحاكي الموجودات من حوله، وبدوره انطوى هذا الإبداع على صنع وتزيين ما بدا أنها الأدوات وعناصر الأثاث الأولى التي عرفها ذلك الإنسان.. ويعدّ العنصر الزخرفي أحد أهم المكونات البصرية التي ترجمت ذلك البحث الدؤوب الذي لطالما نحا إليه الإنسان في سعيه نحو إدراك الجمال، وذلك من خلال أبعاد زمانية ومكانية رسمت الحياة الاجتماعية والثقافية ومكوناتها لهذا الإنسان. وما يهمنا في هذا العرض هو الإضاءة على هذا المكوّن وحضوره المبكّر جداً في تاريخ التصميم الداخلي.

تكرار
تقدم الزخرفة نماذج من المحاكاة التشكيلية لمساحات وحجوم تستقي مكونها البصري الرئيس من الطبيعة، التي تعدّ المصدر والملهم الرئيس لكل فنان، وتستند هذه النماذج في الغالب إلى عملية تكرار لعنصر أو رسم أو وحدة هندسية بهدف إنتاج إيقاعات بصرية تزيّن عناصر الفراغ الداخلي من جدران وأرضيات وأسقف، إضافة إلى الأثاث ومكملاته، وهذا التكرار بدوره قد يعاد إنتاجه هو الآخر في تناغمات بصرية تضفي بدورها قيماً جمالية جديدة على المكوّن البصري الأول الذي تمّ توظيفه في هذا المحتوى، ونتحدث هنا عن العنصر الزخرفي، الذي يمثل الحجر الأساس في أي بنية زخرفية قد يتم استخدامها في أي محتوى تصميمي.
إدراك
إن الإدراك البصري لدى الإنسان، وحسب علم نفس الشكل، يميل إلى البحث عن الأنماط المتشابهة بهدف فهم الروابط بين تلك الأنماط، حيث يميل الإنسان إلى إدراك تلك الروابط في مجموعات، وتترجم الزخرفة في بنيتها البصرية عملياً تلك الروابط، بل تدفع بها إلى أعلى المستويات بحيث تحقق تناغماً حركياً جذاباً بين مجموع العناصر، وتمثل مدرسة الخداع البصري Op.Art)) إحدى أهم التجارب الفنية الحديثة في هذا المجال والتي قدمت لوحات زخرفية تقوم على خداع عين المشاهد في عملية إدراكه لهذا المكون البصري الجديد.
قيم
إن تصميم العنصر الزخرفي، في السياق الذي عرضناه وطبيعة هذا التصميم وما ينطوي عليه من قيم مختلفة، يعدّ من الأهمية بمكان، فحضور هذا العنصر في موضوعات التصميم الداخلي يفرض نفسه بقوة على المحتوى التصميمي للفراغ بما يقدمه من تلك القيم، حيث يعرض هذا العنصر بالضرورة قيمة جمالية مضافة إلى القيم الجمالية التي يتضمنها الفضاء الداخلي بمكوناته البصرية، وتستمد هذه القيمة بُعدها التشكيلي من النموذج التصميمي للعنصر بذاته وطبيعة ذلك النموذج الذي يتدرج من الواقعية إلى التجريد، وبالتالي يكون لكل مفردة تشكيلية من خط ولون ومساحة حضورها المميز في ذلك العنصر. ويعرض هذا العنصر أيضاً قيمة رمزية مضافة هي الأخرى إلى القيمة الرمزية للمكان بما يمثله هذا العنصر من مكون بصري يرتبط بمدلول معرفي محدد لدى الإنسان والذي قد يختلف تبعاً لمعطيات الثقافة المحلية لكل شعب من الشعوب وكل زمان وعصر. كما يكون للقيمة التعبيرية النصيب الأكبر بما يعرضه العنصر من موضوعات الحياة المحيطة بالإنسان، وما يقدمه من ألوان وخطوط ومساحات تستطيع أن تخاطب حواس الإنسان وتبعث في نفسه عدداً من المشاعر، وتستدعي عدداً من الذكريات، إضافة إلى ما تتضمنه الزخرفة عموماً من صيغ تعبيرية تتمثل في تكرار هذا العنصر في أنماط زخرفية متعددة ومبتكرة. ومن ثم يحدد مجموع تلك القيم طبيعة التكوين البصري للوحة الزخرفية التي من الممكن تكوينها عبر نماذج التشابه والاختلاف وعبر التموضع الحركي، إن صح التعبير، لكل مفردة زخرفية يتضمنها هذا العنصر جزءاً أو كلاً. كذلك يمكن لهذا العنصر الزخرفي، المكوّن من رسم بسيط، أن يتدرج في التعقيد وصولاً إلى أيقونة بصرية تتجاوز في مكونها مفهوم الوحدة الزخرفية ليعرض لنا لوحة فنية مستقلة لها ذاتها وكينونتها، كما يمكن أن يتباين بناء هذا العنصر باستخدام صيغ من الواقعية والتجريد الفني، من خلال خطوط عضوية أو هندسية أو بمزيج من الاثنين معاً.
تطور
وفي موضوع متصل، نستطيع أن نلمس تلك العلاقة التي ساير فيها تطور تصميم العنصر الزخرفي تطور الفكر الفني والمعماري على حد سواء، إذ تأثر هذا العنصر الزخرفي بالسمات الفنية التي ميزت كل طراز معماري بل تجاوزها في بعض الأحيان ليصبح بدوره المحدد الرئيس الذي طبَعَ تلك السمات للنموذج الفني والمعماري لعدد من الطرز، كما تباين حضور ذلك العنصر كمكون بصري في كل طراز أو أسلوب معماري، وغاب عنها في بعض الأحيان. وإذا أسهبنا في الحديث قليلاً في هذا الصدد، نستطيع أن نتبين الحضور القوي للعنصر الزخرفي كملمح رئيس في العمارة الكلاسيكية التي ميزت الحضارتين الإغريقية والرومانية، ثم في عمارة العصور الوسطى وبشكل خاص في العمارة الإسلامية، ثم في عمارة عصر النهضة وعمارة الباروك والركوكو، ثم في بعض الحركات الفنية الحديثة، مثل حركة الفنون والحرف وحركة الفن الجديد وغيرها، إلى أن غابت بشكل كلي في عمارة (الباوهاوس)، وعادت مع تيارات ما بعد الحداثة لتمثل حضوراً خجولاً نوعاً ما، لكن أكثر ارتباطاً بالمكون البصري للفضاء المعماري من ناحية الصياغة والمضمون، إذ وجد العنصر الزخرفي مكانه، في كثير من الأحيان، في نماذج إنشائية معمارية بدل أن يكون عملاً تزييناً يصوغ أو يطبع ذلك الفضاء.
حرف تقليدية
وفي عرض لا يقلّ أهمية في موضوعنا لا بد أن نعرج على تطور الحرف التقليدية التي ارتبطت بدورها بالعنصر الزخرفي وإعادة إنتاج ذلك العنصر من خلال تلك الحرف، حيث تباينت الطرق والأساليب التي اتبعها الحرفي الفنان في الوصول إلى الصورة النهائية لما ينتجه من أقمشة ومنسوجات ونقوش حجرية ومعدنية وخشبية وتراكيب خشبية وزجاجية، إضافة إلى أعمال التطعيم والتذهيب وأعمال الطباعة الخشبية للأقمشة وورق الجدران وغيرها، وقد زينت تلك الحرف مختلف الفضاءات المعمارية، وبرز فيها العنصر الزخرفي باعتباره المكوّن الذي تفرّد به كل طراز.
صناعة
صحيح أن موضوعات الزخرفة والتزيين غابت في بدايات فترة الحداثة، كما أوردنا، إلا أن التطور التقني الهائل في مجال الصناعة التي انتقلت في كثير من الأحيان من الحرفة التقليدية إلى عملية التصنيع والإنتاج بكميات كبيرة، أعاد إنتاج هذه الموضوعات في إطار معرفي وبصري جديد كلياً، خصوصاً مع ظهور تقنيات جديدة للمواد والإضاءة الحديثة ونماذج المحاكاة الحاسوبية، والتي استطاعت أن ترسم ملامح لعصر جديد أطلق عليه البعض اسم (عصر الباروك الرقمي)، وقد قدمت هذه العمارة الرقمية بعداً تشكيلياً ومفاهيمياً لموضوع العنصر الزخرفي بهدف إعادة إنتاجه ضمن المنظومة الهندسية الجديدة، والتي فرضها تطور الحلول التقنية والتقانية في مجال العمارة.
تأصيل
في حين يمثل إنتاج العنصر الزخرفي في محتوى الفضاء الداخلي إعادة إحياء لمجموع تلك القيم التي غالباً ما ارتبطت بطراز وأسلوب معماري ما، وبالتالي بزمان ومكان محددين، وهو ما يفترض بالضرورة إعادة تمثيل تلك القيم بهدف تضمينها في مجمل الصورة البصرية الجديدة، وربما في دعوة لاستدعاء تلك القيم لترجمة هوية ثقافية أو محلية ينحو إليها المصمم في محاولة لتأصيل الفكر الفني والمعماري الجديد في إطاره المعرفي، وهو ما أضحى الشغل الشاغل للعديد من المصممين الذين حاولوا الوقوف في مواجهة التيارات المعمارية الحديثة التي عولّمت بشكل أو آخر موضوعات الفن والتصميم، وبالتالي يبرز العنصر الزخرفي ربما بمنزلة كنز دفين يستطيع أن يوظّفه أولئك المصممون خير توظيف بهدف إعادة ذلك الرابط التاريخي بين العمارة التقليدية والعمارة المعاصرة.
تجريب
الجدير بالذكر أن ما نعرضه بإيجاز هنا عن العنصر الزخرفي يرتبط بطبيعة الحال بجوهر عملية التزيين والزخرفة للفضاءات الداخلية، فهذه العملية ما زالت تخضع للكثير من التجريب من خلال عدد من المصممين الذين حاولوا المزج بين أنواع مختلفة من الفنون بهدف إعادة إنتاج المحتوى التصميمي والزخرفي للعمارة المعاصرة، ففنون التجهيز في الفراغ، على سبيل المثال، التي أطّلت من نافذة التصميم الداخلي، قدمت بعداً تشكيلياً وإطاراً معرفياً جديداً يعيد تحديد ماهية العنصر الزخرفي من خلال تراكيب فنية مستمدة من الزخرفة، وتستند إلى صيغ من التشابه والاختلاف، وتحاكي في إيقاعاتها البصرية العناصر الزخرفية المكونة لأي تصميم. وبعيداً عن ذلك التطور التقني والتقاني الذي لابد أنه ألقى بظلاله بعمق على مجمل عملية التصميم والجوانب المرتبطة بها، لا بد أن نؤكد نهاية على الدور الرئيس في تطور مفهوم الزخرفة والبُعد الزماني والمكاني لها بشكل عام، والعنصر الزخرفي بشكل خاص، والذي يقع على عاتق الفنان المصمم المبدع الأول، فوحده يستطيع إنتاج مفردات تشكيلية متجددة يومياً.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة