الإثنين, 18 حزيران 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 101 تاريخ 15/1/2018 > وجهٌ لأنثى من زمان الوصل لـ. قحطان بيرقدار
وجهٌ لأنثى من زمان الوصل لـ. قحطان بيرقدار
لطالما انطوى الشعرُ على مغامرة، ولعلّ الشاعر يذهبُ فيما يذهب إليه إلى وعي هذه المغامرة ومستوياتها لتكون مغامرةً واعيةً بأدواته ووعيه ومدى ما يحرزه من علامات في مسيرته الإبداعية وداخل حقل الشعرية، علامات سوف تجلو خصائصه الإبداعية وسماته، فضلاً عن أغراضه وصولاً إلى جماليات التأسيس والاختراق بآن معاً.


هكذا ندلفُ إلى تجربة الشاعر قحطان بيرقدار التي ابتدأت أولى علاماتها في منجز ذي خصوصية منذ عمله الأول (لو تعودين قبل أيلول) ليتبعه بأعمال لاحقة (في آخر الأعلى المضيء، هجرةٌ في تفاصيل الحنين، من نغمٍ إلى نغم) إلى عمله الشعري الراهن (وجهٌ لأنثى من زمان الوصل)، هذا العمل المشبع بالتجريب وبحداثة الرؤيا وبتواتر المكونات الإيقاعية للجملة الشعرية سيأخذنا إلى تلك الأمداء لخصوصية القول الشعري وانفتاحه في الأغلب الأعم على ثيمات وقيم شعرية نقف فيها على سرديات الأنا الشعرية وحضورات الآخر، وكل ذلك ممزوج بحداثة الصوفية الشعرية التي تتقصّد انفتاح الذات على العالم والآخر، وهكذا يصطفي لهذه المدونة التي تذهب إلى تأنيث الأشياء والوجوه والحالات عبر سردية متواترة تبثُ إيقاعاتها بغنائية الوجد الأعلى وترجيعات الشعور، ويستوي في ذلك النزوع التأملي/ الفلسفي القول بتعبير الرؤيا الذي انطوت عليه قصائد الديوان: (قد مرّ يوم إثر يوم/ والجذور مضت تشرّش/ في خضم الروح/ هبّ العشب/ أورقتْ الغصون وأثمرتْ/ وتبعثرتْ كل الصخور/ فقد جرتْ في الصدر سبعة أنهر/ لتصبّ في رئة الجمال).
لعلّها اختمارات إشراقية بلبوسها الصوفي كما نزوعها لتتخلق من حوافز الشعر: (لم أزلْ ذات طلعة صوفية الإشراق/ حزنك دمعةٌ في كل عين/ من عيون الروح)، ما يشي بانفتاح دلالي لجماليات الصوت الداخلي الذي يتعدد في القول الشعري بدءاً من دلالات العنوان (وجهٌ لأنثى من زمان الوصل) وإيحاءاته وتطييفه للمعنى الذي لا يُختزل بالوجه، بل يشتقُ له الأمداء والأقاصي وحضورات الأزمنة والأمكنة حتى ينوّع الشاعر قحطان بيرقدار في خياراته وأسلوبيته متنكباً انفتاح الدلالة على ما تعنيه التجربة في غنائيتها العالية، وفي تطيّرها لأسئلة التأمل والذات بحثاً عن المغايرة والدهشة والتجاوز الخلاّق، وتحضرُ الأشياء برمزياتها وفتنتها وتجلياتها، إذ هي شعريةُ الدهشة في مقام آخر وللتجلي شعريته الأعلى، وللدهشة تلاوتها العارفة حتى يستوي التشكيل في فضاء تلك المشهديات التي يؤسّسها الشاعر بأناشيده المبللة بالحنين وفطنة ذاكرته واستدعائه قضية الشعر في قلب قصيدته: (هي لا تحبُ الشعر موزوناً/ وكل فراشة فيها/ تحطّ على يديك لتولدا/ فانثر خطاك وأنت تمشي نحوها نثراً/ فهذي الأرض ما كانت لغيركما/ وكن رجل الأعاصير اللطيف/ ولا تدع خيلاً أصيلاً في دمائك/ غافلاً عمن تمدّ لك الصهيل لتصعدا)، وبما يضاف إلى ذلك من شعرية التناص: (هي في انتظار/ ليس يحجبها/ سوى ما لملمته/ من القرنفل من حقول شغافها/ غطّت به جسداً تضيق به العبارة/ كلما اتسعت/ ويعلن أنه/ أدنى سماء منك/ تلبسها فتمنحك الهدى).
ثمة ما يأخذ القارئ إلى شغفٍ ممكن، سواء لجهة بنية القصيدة أو جهة شواغلها، وأكثر من ذلك لجهة تشكيل حدسها وصوغها الجمالي الذي يأخذنا إلى التجليات الحداثية بوصفها انفتاحاً بالقول وتأسياً فيه، وما يعني أصالة المغامرة الشعرية لدى الشاعر في جملة تجلياتها بدءاً بالتعالق الصوفي الإشراقي وصولاً إلى المكونات الإيقاعية على المستوى الجمالي اللغوي والفكري، ما يمنح ديوانه الجديد (وجهٌ لأنثى من زمان الوصل) أكثر تأويلاً مخصّباً للقول الشعري وعلاماته الفارقة في الإضافة النوعية إلى التجربة تماماً كما هي الإضافة إلى المشهد الشعري.

ديوان (وجهٌ لأنثى من زمان الوصل)
منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب
وزارة الثقافة- دمشق-2017
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة