الأربعاء, 21 شباط 2018
وجهات نظر أم (عمَه)؟!
بقلم: د.غالب خلايلي

في قضايا حيوية خطيرة يجادلك البعض بحدّة وعصبية وهو يبدي آراء غير مسؤولة بدعوى أن هذه (وجهات نظر)، والسؤال: هل هي بالفعل كذلك، أم إنها آراء هدّامة كما سنتبيّن من الأمثلة التالية:
تكاثرت في الآونة الأخيرة شكاوى لم تكن مألوفةً عند الأطفال، منها الصداع وألم العينين وجفافهما واحمرارهما وحكّتهما والحوَل والنزق والعصبية المفرطة وقلّة التركيز وربما نوبات الصرع وألم البطن والإمساك وسوء النمو.. وبعد البحث والتدقيق نكاد نجزم بأن السبب الأهم لتلك الأعراض هو الإدمان الإلكتروني على أجهزة الحاسوب والهواتف والألعاب التي يدمنُ عليها الأطفال فتجعلهم يُهملون نداء الأهل لتناول الطعام، وكذلك نداء الأمعاء لأنهم مندمجون بأجهزتهم، ولا يريدون أن يضيّعوا دقيقةً واحدةً، ومع أن مخاطر الإدمان الإلكتروني هي حديث العلماء، وأيضاً أضرار الأمواج الكهروطيسية على أدمغة الأطفال، فإننا نلمس كثيراً تساهل الأهل تجاه أطفالهم، إذ لا يقدرون على ضبط هؤلاء الأولاد النزقين ومن ثم يتركون لهم الحبل على الغارب في أعمار مبكرة، لكن من الأهل من يدلي بـ(وجهة النظر) التالية: لقد تغيّر العصر، وصار إلكترونياً بامتياز ولابد من مجاراته، ومن ثم لا يمكن ترك الأطفال بعيداً عن هذا المجال.. وبسبب وجهة النظر هذه ينغمس الأهل في تعميق المشكلة، إذ يزوّدون أطفالهم بكل متطور إلكتروني جديد على الرغم من أعراض النزق والشراسة وقلّة النوم التي يغلب أن يتلوها تراجعٌ صحي ومدرسي، هذا إن لم يحدث مرضٌ نفسي معقّدٌ ناتجٌ عن مشاهدة الطفل (ولو عرضاً) مناظر جنسية أو مناظر القتل والذبح، وهنا يجزم اختصاصي نفسي بأن مقطع فيديو قصيراً مريباً يراه الطفل يشوّه نفسه وعقله من دون ريب. ويا تُرى، هل هذه وجهة نظر عقلانية بالفعل لمن سيكونون شباب الغد، أم إنها حالة (عمَه) مستعصية؟!
***
في الحياة يوجد طفيليون يتزايدون (اليوم) وهم أشخاص يعتمدون على غيرهم كلياً، ولا يريدون بذل أي جهد صادق من أجل تحسين أوضاعهم، إذ إنهم استمرؤوا حياة الكسل واستدرار العطف، أو أدمنوا الاحتيال و(البلطجة)، وتراهم فور حصولهم على المال الضروري لمسائل حياتية مهمة كالخبز والدواء.. إلخ يشترون هواتف ذكية غالية الثمن رغم أنهم يمتلكون هواتف لا تقلّ ذكاءً، أو يشترون ملابس وأحذية فاخرةً، وحينما يبدي الذين ساعدوهم أي ملاحظة حول تلك التصرفات الخرقاء تجدُ من يبدي (وجهة النظر) التالية: شباب ويجب أن يعيشوا شبابهم، فهُم ليسوا أقلّ من غيرهم!! ويا للخيبة.. فلو أن كل الناجحين عاشوا شبابهم بهذه الطريقة لما نجحوا إطلاقاً، فأين هو جدُّ الشباب وتحمّلهم وتعبهم في سبيل العِلم والعمل؟ ثم مَنْ مَنَحَ الطفيليين المساواة مع غيرهم من المجدّين الكادحين؟ نعم، هم دُونَ غيرهم بكثير بل ذوو شخصيات مشوّهة، وإلا ما ارتضوا لأنفسهم الذي ارتضوه من صغار.. ولكن ماذا يضرّ شخصاً يبدي وجهة نظر غير مسؤولة يحابي فيها طفيليين وتجعله في أعينهم إنساناً جيداً مادام لا يدفع من جيبه شيئاً؟!
***
يتعرض الناسُ إلى مآسٍ خاصة أو عامة ويتأثرون بها، ثم تأتي مناسبات قريبة من تلك المآسي المحزنة مثل الزواج أو العيد فترى الناس ينقسمون في (وجهات نظرهم) قسمين: الأول، يقول أصحاب وجهة النظر هذه: إن الحياة سوف تستمر والحيّ أولى من الميت، ومن ثم لا توجد مشكلة في إقامة حفلات الفرح وما فيها من هرج ومرج ولو كانت الدنيا كلها كئيبة من حولهم حيث الدمار والدماء والموت. والثاني: وهم أصحاب وجهة النظر الثانية وبديهي أنها عكس الأولى، إذ يشعر أصحابها بالخزي حتى وهم يفكّرون بأن يفرحوا بينما الآخرون حزانى، فما بالك أن يسعَوا إلى مظاهر الفرح ذاتها؟
إن قولنا (الحياة سوف تستمر) صحيح، ولا يمكن إيقاف هذه الحقيقة ولا منع الفرح المطلوب للترفيه عن النفس، لكن أن نفرحَ والناس حولنا ذاهلون يبكون، وأن نشبعَ والناس حولنا (خماصٌ) يتألمون، وأن نرقصَ والناس حولنا يُذبحَون، فهي أمورٌ بعيدة عن الصواب إن لم نقلْ إنّ فيها إساءة بالغة لمشاعر أناس مكسورين مقهورين وخاصة حينما تُنشر الصور على الملأ وعبر وسائط التواصل، فأين هي المواساة والتضامن واحترام أرواح الشهداء والموتى؟!
***
كم تؤلمني العبارةُ التي قالها ناجي العلي يوماً: (أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر).. فثمة قضايا كثيرة قد نتفق عليها أو نختلف فيها، فنقبلُ ذلك أو نرفضه مع أن الاختلاف من طبيعة الحياة، فنحن البشر لسنا صوراً متكررة ولا ظروفنا كذلك، لكن عندما يتعلقُ الخلاف بمكارم الأخلاق أو بمصير الوطن فلا يوجد مجالٌ لقبول (وجهات نظر) تجمّلُ الخيانات أو تنخرُ الأخلاق أو تذبحُ الوطن وأبناءه وتاريخه، لأن الاختلاف هنا ليس على صندوق بطاطا أو تفاح أو حتى ذهب، بل هو على الوحدة والحرية والوجود والأرض والتاريخ.. لنكون أو لا نكون.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة