الأربعاء, 21 شباط 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 101 تاريخ 15/1/2018 > عدسات تمزجُ الحرفة بالإبداع.. رصْد الحياة وتحولاتها بالصورة الضوئيَّة
عدسات تمزجُ الحرفة بالإبداع.. رصْد الحياة وتحولاتها بالصورة الضوئيَّة
د. محمود شاهين

جعل الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي من الألمانيتين الاتحاديّة والديمقراطيّة خلال الحرب الباردة (فترينات) زاهيةً وأنيقةً ومثاليةً لعرض بضاعتهما الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بأبهى صورة، وأجمل شكل، وأرقى صيغة بهدف الترويج لها، وإقناع الآخرين بها.
ومع انهيار سور برلين انهارت (الفترينا) الاشتراكيّة لتتحول ألمانيا الموحدة إلى (فترينا) رأسماليّة خالصة، تبدو هذه الأيام في الجزء الغربي طبيعيّةً وسليمةً (رغم وجود منغّصات يُقال إن سببها هو الألمان الشرقيون الذين انتقلوا إلى جنة الغرب الموعودة) لكنها في الجزء الشرقي، فهي حتى تاريخه هجينة وملفقة وتمور بالتناقضات المنذرة بتحولات جذريّة لمجتمع أصيب بنوع من الانفصام الذي جعله غير قادر على قبول الحياة الجديدة (حلمه السابق) ولا العودة إلى الحياة القديمة التي اكتشف بعد مغادرته لها أن لها محاسنها ومزاياها وامتيازاتها المختلفة.. هذا الانفصام كان الموضوع الرئيس لمعرض تصوير ضوئي ألماني شهدته دمشق قبل مدة تحت اسم (صور من ألمانيا.ـ ثماني وضعيات تصويريّة).

تصوير ضوئي
ضمّ المعرض 62 صورة ضوئية منفذة بالألوان، وبالأبيض والأسود عائدة لثمانية مصورين ضوئيين أعضاء في مؤسسة (أوست كرويتس) للتصوير الضوئي، والصور بشكل عام مكرسة لموضوعات إنسانيّة إشكاليّة مأخوذة من الحياة الألمانيّة اليوميّة المعاصرة في أكثر من مدينة وموقع وبيئة، وكل فنان مشارك في المعرض تناولها حسب اهتماماته ورؤاه وتصوراته ومواقفه، من الحالة الألمانية الجديدة التي انبثقت بتأثير توحّد الألمانيتين وزوال سور برلين الشهير، ولتباين واختلاف هذه التصورات والمواقف تماهت في صورهم الرومانسية الحالمة بالواقعية الصارمة، والدعابة الباسمة بالسخرية المرّة، وخراب الروح بخراب المادة، والفكر العميق المبطّن بأكثر من رسالة بالتلقائية البسيطة الباحثة عن الجماليات الإنسانية والطبيعية القادرة على أن تقدم وبشكل دائم أسباباً للحياة وحب الحياة! .
تماهٍ مدهش
هذا التماهي المدهش بين الذاتي والموضوعي في صور المعرض جعل منها وثيقةً صادقةً في تعبيرها عن هذا البلد )ألمانيا) الذي مازال يعاني حتى تاريخه انعكاسات تقسيمه إلى دول ومناطق نفوذ مختلفة الانتماءات عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتصار الحلفاء على ألمانيا الهتلرية، تجسّدت بقيام دولتين: الأولى ألمانيا الاتحادية التي كانت تديرها (بشكل أو آخر) الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، والثانية ألمانيا الديمقراطية التي كان يديرها الاتحاد السوفييتي السابق، وقد حاولت صور المعرض وبأمانة واقعية متماهية بلغة الفن الرفيع والصادق والمتقن، رصْد هذه الإرهاصات والانعكاسات والتداعيات والتحولات التي تعيشها ألمانيا (لاسيما الشطر الشرقي) ما جعل قيمها الفنية والتعبيريّة تتسامى عن مفهوم الحرفة، أو الفن التطبيقي، أو الصور الوثائقيّة الجامدة التي التصقت بمسيرة هذا الفن وكانت قرينة وجوده، مستشرفةً حقول التعبير الحر والمفتوح المتسم بالإبداع، ومن دون أن يؤثر ذلك في واقعيتها وموضوعيتها بالتعبير عن الواقع المعيش في ألمانيا بتناقضاته وهواجسه ومفارقاته ومشكلاته الظاهرة والكامنة المستترة، ومن ثم محاولة قراءة تداعيات هذا الواقع مستقبلاً.
مبادئ ثابتة ‏
نهضت مؤسسة (أوست كرويتس) للتصوير الضوئي التي ينتمي إليها الفنانون المشاركون في المعرض على أكتاف سبعة أعضاء من ألمانيا الديمقراطية (أصبحوا سبعة عشر عضواً) ولا تزال حتى الآن قائمة رغم تنامي النزعات الشعبيّة والمتطلبات التجاريّة في الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة، والتي أدت إلى غياب مؤسسات مشابهة لها، ولهذه المؤسسة جملة من المبادئ تحرص على التمسك بها والمحافظة عليها، ومنها حق الإبداع القادر على أن يوفر لكل عضو فيها حرية الإبداع وفرديته بحيث يترك للفنان حرية تناول الموضوع في أعماله، وشكل هذا التناول.
‏ ويشير اسم هذه المؤسسة «ostkreuz» إلى أكبر وأهم محطة مترو في القسم الشرقي من العاصمة الألمانية (برلين) وإلى الطرق العديدة المتفرعة عن هذا المركز المهم للمواصلات الداخلية، وتكتنز المؤسسة إمكانات كبيرة، ولها خصوصيتها وتأثيرها وآفاقها المستقبليّة الواعدة، لاسيما أنها تقوم على الفكر المتنوع، وتركز على قيم الإبداع والتجديد، إذ شارك في المعرض ثمانية مصورين من أعضاء هذه المؤسسة في طليعتهم تأتي الفنانة (لين شرودر مواليد 1977) التي أطلقت على أعمالها عنوان (قطعة) وفيها رصدت مشاهد من الحياة اليوميّة المدروسة كعناصر ودلالات ورموز وكقيمة فنيّة وتعبيريّة، فصورها مفعمة بالنزعة التأمليّة الشاعريّة وذات رؤية نظيفة وعميقة ومتنوعة. أما الفنان (فولفغانغ بيلفينكل) فقد أطلق على أعماله اسم )الموطن الثاني) وهو من مواليد عام 1959، درس تصميم الاتصالات، وتفرّغ لفن التصوير الضوئي منذ عام 1988، وحاول في صوره المعروضة رسم مسار رحلة في المقاطعات الألمانيّة سعياً وراء الحياة الرعويّة الهادئة، لذلك تعمّد الربط بين الإنسان والطبيعة، والمنازل الريفيّة البسيطة، أو قصرها على الطبيعة الخلويّة، وفي الحالتين حاول أيضاً التغلغل في الحياة الريفيّة الهادئة المبطنة بإشارات بليغة وعكسها عبر قطوعات مدروسة، ورصد متقن لتوزيع الضوء والظل على العناصر والأشياء. ‏
الطفولة
وتحت عنوان (الطفولة) تدخل الفنانة (آنة شونها رتنغ مواليد 1973) بعدستها الخبيرة إلى البيوت لترصد حياة الطفولة والأمومة عبر تفصيلات صغيرة معبّرة تعكس بعمق معاناة هذه الشريحة المتواضعة في دخلها وحياتها وأحلامها، وهذه الفنانة لا تكتفي بدراسة عناصر صورها وقطوعاتها وإضاءتها، وإنما تذهب لاستنهاض جوانيّة شخوصها متباينة التعبيرات والهموم والمشكلات، وانعكاساتها على ملامح وجوههم، ثم تقوم بتسجيلها لحظة توهجها!. ‏
موضوع مشابه عالجته صور(يورديس أنتونيا شلوسر مواليد 1967) المنفذّة بالأبيض والأسود والموسومة بـ«الجذور الضائعة«، لكن هذا الفنان الباحث عن الهوية الضائعة أضاف إلى ملاعب الطفولة وبؤسها ومحيطها المرتاب وغير السليم إشارات متفائلة بإمكانية تغيير هذا الواقع، وتحريك رتابة الحياة المعلّبة الباردة وكشح بوادر الدمار الروحي والمادي الذي بدأ يطول عالم هذه الشريحة الإنسانيّة التائهة والمنفصلة عن جذورها. ‏
عشق الطبيعة
وبعنوان (بحر الشمال) جالت عدسة (توماس ماير) المولود عام 1967 والدارس للتصميم الغرافيكي والمتخصص بالتصوير الضوئي، راصدةً جوانب من الحياة على شاطئ هذا البحر الذي تعانقه الخضرة والرحابة، وتطرزه الطفولة بحضورها الآسر والمعبّر، فالصورة لدى (ماير) مأخوذة برؤية فنان مسكون بعشق الطبيعة، وعارف بتجلياتها المختلفة، لذلك يدخل عليها بعدسته عندما تتفرغ لجمالها، وتبرز محاسنها، وتكشف عن الأوجه الشهية والرائعة فيها.
‏ وعبر ذكرياتها المتلاشية المتمثلة بـ(بشكير) معلّق على جدار أو جسر حديدي متهالك أو لعبة من البلاستيك أو الخزف أو جدار أو صورة لرمز سياسي.. عبر هذه الرموز والعناصر حاولت (سيبيله بيرغمان مواليد 1941) استعادة رؤية كئيبة عن (الموطن) رؤية متوهجة بحالات وجدانيّة وذكريات كانت إلى وقت قريب تضجّ بالحياة والحيويّة، حياة هادئة ورتيبة ومفعمة بالرموز المبجّلة انسحبت إلى الظل لكنها تركت إشارات تدل عليها، وعبر هذه الإشارات حاولت ‏ بيرغمان) إعادة رسمها. ‏
كما شكّلت الأحداث اليوميّة العاديّة ذات السمات المسيحيّة والتي تجري عادةً أيام الآحاد لـ(أنيته هاوزشيلد مواليد 1969) الموضوع الرئيس لأعمالها، فيوم الأحد المخصّص للراحة والعبادة يأخذ بعداً جديداً فيها أقرب إلى عالم السرياليّة منه للواقع المعيش الذي رصدته بكثير من الأناقة والبساطة والعمق، وأبطال صورها المرأة والرجل والطفل الذين يتخذون وضعيات مختلفة تُعمّق وتُكمّل مدلولاتها الخلفية أو المحيط الطبيعي والمعماري الموجودين فيه. بمعنى أن الخلفية تكاملت شكلاً ودلالةً مع الشخوص ووضعياتهم المفعمة بتعبيرات إنسانيّة متباينة.
المشاركة الأخيرة في المعرض هي (أوته مالر مواليد 1949) التي أطلقت على صورها عنوان (العجوز العصري) أو الناس الذين يقطعون المسافة الأخيرة من الحياة بانشغالاتهم المختلفة، كالرياضة، والتظاهر، والمثاقفة، والاستجمام، والتحاور وارتشاف جماليات الطبيعة، وإغفاءات ما قبل الرحيل: هذا العالم الإنساني المتلوّن والعميق في معانيه ودلالاته ورموزه رصدته عدسة (مالر) بأناقة وحب وصدق ودراسة عميقة لعناصره والمحيط (الكادر) الذي يتشكّل منه (إنسان وعمارة وطبيعة) والأضواء والظلال التي ترتمي عليه لنجد أنفسنا في النهاية أمام صورة تقول الكثير عن واقع هذه الشريحة من البشر الموجودة في كل مكان وزمان بلغة الواقع القادرة على التواصل مع الجميع، والمُصعّدة بلغة الفن الخالد، البليغ والساحر!.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة