الأربعاء, 21 شباط 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 101 تاريخ 15/1/2018 > انتشرت بكثرة (وعلى عينك يا تاجر).. (العشوائيات).. ملاذ الكثيرين في زمن الحرب
انتشرت بكثرة (وعلى عينك يا تاجر).. (العشوائيات).. ملاذ الكثيرين في زمن الحرب
وائل حفيان

وقعتْ عيناه على قطعة الأرض الزراعية تلك الواقعة على أطراف المدينة وقام ببناء غرفتين ومطبخ صغير عليها لكي يؤوي أسرته وأطفاله في هذا المنزل المتواضع أو ما يطلق عليه (العشوائي)، متناسياً حقوق أصحاب هذه الأرض وأيضاً حقوق الدولة والقانون الذي سيجبره بالنهاية على إخلاء منزله المخالف رغم كل ما دفعه من تكاليف ومجهود لبناء هذا المنزل غير القانوني.. نعم هذه حال الكثير من السوريين قبل الأزمة، أما حالياً وخصوصاً بعد ما تعرّض له البعض من أضرار وتهجير من بيوتهم بسبب الحرب على بلادهم فإن ظاهرة العشوائيات ازدادت بشكل كبير ولافت، وأصبحنا نرى في المدن وبجانب الأبنية النظامية مساكن عشوائية تم بناؤها بطرق بدائية ولاسيما أنها شوّهت النمط المعماري للمدينة بمناظر لا يتقبلها عقل ولا منطق.. وفي هذا التحقيق تناولت (جهينة) هذه الظاهرة واستطلعت آراء بعض الحالات التي اضطرتها ظروفها لسلوك هذا المنحى المأساوي!
على غفلة!
لم يكن (مسعود) يدري ماذا سيحل بمنزله في دمشق بعد أن سافر وأسرته إلى محافظته القامشلي منذ عام 2013، حيث قام بتأجير بيته الواقع في دمر- وادي المشاريع بمنطقة العشوائيات إلى شخص قريب له بعد أن نظّم له عقد إيجار وسجّله في البلدية، ولكن ماذا حلّ بالمنزل بعد أن انتهى عقد الإيجار؟.
وتواصلت «جهينة» مع (مسعود) الذي شرح قضيته قائلاً: في فترة لاحقة ذهبتُ إلى دمشق لاستخراج بعض الأوراق وتجديد جواز سفري تفاجأت بأن المنزل ليس باسمي، مضيفاً: إن الشخص الذي استأجر المنزل منّي عمَدَ إلى التخلف عن دفع فواتير الكهرباء والمياه ليصار إلى إزالة العدّادات من المنزل، وببعض الرشاوى استطاع المستأجر تركيب عدادات مياه وكهرباء ولكن باسمه، وهنا انتقلت الملكية منّي إلى المستأجر، متسائلاً: مَنْ الذي يعيد إليّ منزلي الذي لا أملك أوراقاً ثبوتية فيه سوى مستندات قديمة وإيصالات كهرباء ومياه، فهل هي كفيلة بإعادة ما تمّ السطو عليه؟!
وكالة قضائية
«سافرتُ منذ عام 2012 على أمل أن الأزمة في سورية ستحلّ خلال فترة قصيرة، وتركتُ منزلي وكل ما جنيته في السنوات السابقة بكامل عفشه»، هذا ما قاله (حسين) في لقائنا معه، وأضاف: لكن بعد مضي سنتين على سفري لم أستطع العودة نظراً لظروف شخصية، وهنا قررتُ السفر إلى ألمانيا مع أسرتي تاركاً كل ما أملك في دمشق، فاتصل بي أحد أصحاب مكاتب العقارات ونصحني بتأجير منزلي لشخص مضمون وذي سمعة جيدة، وقبلتُ العرض ولكنه اشترط عليّ أن أرسل وكالةً قضائية باسم صاحب المكتب العقاري الذي أعرفه جيداً قبل سفري، وهنا كانت المصيبة حيث إن صاحب المكتب باع المنزل بسعر 20 مليون ليرة سورية من دون علمي.
لا إثبات غير العدّاد
أما (أم جابر)، إحدى المستأجرات في منطقة جبل الرز، فقالت: إن المنازل في هذه المنطقة عشوائية ومخالفة، وإن الإثبات الوحيد على ملكية المنزل هو ساعة الكهرباء، علماً أن الذي يريد امتلاك منزل في المنطقة يحتاج إلى موافقة أمنية وعدّاد كهرباء بأسعار خيالية، ناهيك عن محاولات النصب والاحتيال التي تحصل من بعض المكاتب العقارية المنتشرة في المنطقة.
باعةٌ جوالون
مالك أحد المنازل في منطقة المزة 86، ويدعى (محمد) قال: مؤخراً ظهر باعةٌ جوالون للمنازل يبيعون المنازل بإثبات ساعة الكهرباء، وأحياناً من دون علم صاحب المنزل نفسه، ما يؤدي إلى مشاكل كبيرة في المنطقة، مضيفاً: بعض الأشخاص يقومون بتغيير أقفال المنازل التي هجرها أصحابها، ومن ثم يقومون بتأجيرها أو بيعها لآخرين بأسعار مرتفعة جداً.
مباحة للغير!
يكفي أن يكون عدّاد الكهرباء باسم الشخص الذي يقطن في المنطقة ليصبح صاحب المنزل، هذا ما حدّثنا به (أبو ربيع) صاحب مكتب عقاري بمنطقة وادي المشاريع في دمر، قائلاً: إن ملكية المنزل في المناطق العشوائية تتمثل بعدّاد كهرباء أو مياه، ولكن هجرة أغلب سكان المنطقة في بداية الأزمة الناجمة عن الحرب الإرهابية على سورية جعلت منازلهم مباحةً للاستيلاء عليها من بعض ضعاف النفوس.
تخلّف عن الدفع
عن الطريقة التي يتم بها السطو على المنازل قال (أبو ربيع): من المعروف أن المنطقة لا توجد فيها أرقام عقارية، حيث يمكن لأي شخص يملك عقاراً فيها تنظيم عقد إيجار، حتى لو لم يكن صاحب المنزل الأساسي موجوداً فإن هذا يتم من خلال فاتورة الكهرباء التي تعود له، وهنا يستطيع تنظيم عقد إيجار ولكن لغير المنزل الذي يملكه، ومن خلال هذا العقد يقوم المستأجر بالتخلّف عن دفع فواتير العدّاد، ما يتيح لشركة الكهرباء أو المياه أن تقوم بإزالة العدّاد، مبيناً أن هذا الإجراء يكون فرصة للمستأجر لكي يقوم بطلب تركيب عدّاد جديد باسمه.
عقود مزوّرة
أضاف (أبو ربيع): إن هذا الأمر يحتاج إلى سند إقامة من المختار والمستأجر أساساً وبحكم أنه مقيم في المنطقة يحقّ له سند الإقامة ولاسيما أنه قام بدفع (المعلوم)، ويستطيع المستأجر حينها تزوير عقد بيع بالاتفاق مع أشخاص وتوقيعه، ويتقدم بهذه الأوراق إلى شركة الكهرباء أو المياه مع دفع بعض المال، فيصبح المنزل ملكه.
50 منزلاً في حارة واحدة
عن عدد المنازل التي تمّ السطو عليها خلال الأزمة بيّن (أبو ربيع) أن العدد بحدود 50 منزلاً تم نقل ملكيتها بهذه الطريقة أو أخرى، مشيراً إلى أن أسعار المنازل في المنطقة تكون حسب موقع المنزل ومساحته، فمثلاً يتراوح سعر المنزل المؤلف من غرفة وصالون بين مليون ونصف المليون إلى مليونين ليرة سورية، ومن غرفتين يصل سعره إلى خمسة ملايين، وثلاث غرف بين ستة وتسعة ملايين.
وئاثق قانونية
«جهينة» توجهت إلى مدير الشركة العامة لكهرباء محافظة دمشق المهندس باسل عمر للوقوف على الخطوات التي تتيح لأصحاب العقارات نقل عدّاد الكهرباء إلى اسم شخص آخر، فقال: يتم نقل الاشتراك من مشترك إلى آخر بناءً على المادة (69) من نظام الاستثمار التي تنصّ: في حال تغيّر مالك أو شاغل الوحدة المستقلة بصورة قانونية لأي سبب كان (وفاة – بيع- إيجار...) يتم تعديل مقاولة الاشتراك وتسجيلها باسم مالك أو شاغل الوحدة الجديدة بناء على طلبهم مرفقاً بالأوراق الثبوتية اللازمة للاشتراك بالكهرباء، ويستوفى منه البدل الوارد في الفقرة /1/ من ثالثاً من الملحق رقم /4/ شريطة اختيار نظام عدّاد الكهرباء العائد للوحدة المستقلة، وتبرئة الذمة المترتبة على الاشتراك قبل تعديل المقاولة.
يمكن النقل بشروط
أضاف المهندس عمر: كما يتم تعديل مقاولة الاشتراك وتسجيلها باسم مالك أو شاغل وحدة جديدة بناءً على طلبهم مرفقاً بالأوراق الثبوتية اللازمة للاشتراك بالكهرباء، وهي: صورة عن الهوية الشخصية، وأي وثيقة تثبت ملكية أو إشغال الوحدة السكنية أو المهنية أو الإنتاجية أو الخدمية، مثل سند تمليك قيد عقاري، حكم محكمة عقد بيع/ عقد إيجار، وثيقة تخص جمعية سكنية مشهرة، وثيقة إشغال، سند إقامة من المختار، وجميعها تكون مصدّقة أصولاً، مبيناً أن الشركة ليس لها أي علاقة بين المستأجر والمؤجّر أو البائع والمشتري، وأن أي ساعة كهرباء لا تثبت ملكية العقار أو الوحدة السكنية.
5 آلاف عدّاد منقول
أما بالنسبة لعدد الحالات التي تم فيها نقل العدّادات إلى أسماء أخرى فقال عمر: إن عدد الحالات التي تم فيها نقل الاشتراك من مشترك إلى آخر في مناطق المخالفات مثل ( المزة 86، ركن الدين، عش الورور، وادي المشاريع، حي الورود وغيرها..) بلغ حدود خمسة آلاف معاملة تنجز سنوياً في تلك المناطق.
(طابو أخضر) مهم
فيما يخص الجانب الأكاديمي والقانوني التقت (جهينة) الدكتور سنان عمار نائب عميد كلية الحقوق حيث قال: إن المناطق العشوائية هي بالأساس غير منظّمة عقارياً، ولا يوجد تحديد وتحرير لهذه المناطق، أو ما يعرف شعبياً بـ» الطابو الأخضر» الذي كان موجوداً سابقاً في زمن العثمانيين، مشيراً إلى أن (الطابو) يكون باسم الشخص، بينما التحديد والتحرير هو رقم العقار الصحيح، وحالياً في سورية تم إلغاء (الطابو) ويتم الاعتماد على التحديد والتحرير.
العشوائيات مخالفة
أضاف الدكتور عمار: لا يوجد في هذه المناطق أي من الاثنين بل هي أملاك دولة، وقبل الأزمة في سورية تمّ غض النظر عن هذه المناطق بسبب أوضاع السكان، وحالياً خلال الأزمة زاد الاعتماد على هذه المناطق بسبب تهجير الكثير من الأهالي من المناطق الساخنة، مشيراً إلى أن الأزمة أفرزت الكثير من السلبيات على البلد بشكل عام، والسكن في المناطق العشوائية بشكل خاص، حيث برزت مشاكل كثيرة منها الاستيلاء على منازل ضمن هذه العشوائيات بطرق متعددة من دون علم أصحابها أو حتى في المناطق المنظّمة عقارياً، مبيناً أنه للوهلة الأولى يكون الأمر غريباً حتى على العاملين في مجال القانون، حيث يكون من السهل جداً الاستيلاء على هذه المنازل بمجرد عقد بيع مزوّر أو تغيير عدّاد المياه أو الكهرباء.
كشفٌ قبل الشراء
أوضح الدكتور عمار أن أوراق إثبات الملكية أو ما يعرف بـ(الطابو الأخضر) تكون عبارةً عن سند تمليك مصدّق أصولاً أو عقد بيع وما يتحمله العقار من أمور ثانوية كـعدّاد مياه وكهرباء أو تسجيل ضمن مديرية المالية، كاشفاً أن كل شخص يريد أن يشتري عقاراً سواء كان منزلاً أو أرضاً أو ما شابه، عليه التوجّه إلى السجل العقاري والتأكد من خلو صحيفة العقار من أي إشارة تحول دون إمكانية نقل ملكية العقار.
الدستور يكفل الحقوق
أما بالنسبة للجانب القانوني فقد قال الدكتور عمار: في حال تمّ السطو أو سرقة العقار فهذا يندرج تحت مسمى الاستيلاء على أملاك الغير، وهذه الملكية مصونة بدستور الجمهورية العربية السورية لعام 2012 بالمادة رقم / 15/، وبالتالي أي تصرف غير قانوني يخالف الدستور هو باطل ويخالف الأنظمة، لافتاً إلى أن الغاية من الاستيلاء على المنازل في المناطق العشوائية ليس بهدف السكن فقط، بل قد تكون بغرض الحصول على مقابل وخصوصاً بعد أن صدر قانون تنظيم العشوائيات، ظناً من الشخص الذي استحوذ على المنزل الحصول على تعويض مادي أو منزل منظّم قد يصل سعره إلى ملايين الليرات.
قضايا شائكة
(جهينة) تواصلت مع القاضي إقبال الطويل الذي حدّثنا قائلاً: بالنسبة لتسمية (سطو) لا تقع على العقارات بل تقع على المنقولات، فبهذه الحالة تسمى (استيلاء) بالاحتيال على العقار، مشيراً إلى أن هذه القضايا شائكة وتحتاج إلى وقت للبتّ فيها، موضحاً أن ملكية الأرض تعود للدولة بينما المنزل لصاحبه، وهنا يجب أن يلجأ المدعي إلى القضاء عن طريق التقدّم بشكوى إلى الشرطة ويرفق معها إثباتات وشهادة الشهود، ويمكن له أن يبرهن ملكيته للبيت من خلال بعض الأوراق التي تصدر عن مؤسسة الكهرباء أو المياه بأنه كان يملك عدّاداً مركباً سابقاً.
تعميمٌ بالطريق الصحيح
أضاف الطويل: صدر تعميمٌ سابقٌ من وزارة العدل بخصوص هذه العقارات بأن أي عقار لا يتم تسليمه إلا بعد إجراء دراسة محلية له من خلال أقوال الجيران والمختار وتقديم المستندات، وصاحب المستندات الأقوى بإمكانه استلام المنزل، مبيناً أنه في حال عدم وجود مستندات تقوم المحكمة بختم المنزل بالشمع الأحمر ولا يسلّم إلى أي أحد ريثما يصدر حكم محكمة.
حكم القضاء
وبالنسبة للأشخاص الذين يتم توكيلهم بوكالة عامة قال الطويل: في حال تم رفع دعوى من هذا النوع فتكون صعبة ولكن له دعوى تحمي المالك الأساسي، مشيراً إلى أن العقوبات التي تترتب على هذه الأعمال في حال ثبتت فهي متنوعة منها الاحتيال فيكون حكم القضاء الذي قد يصل إلى خمس سنوات سجن، موضحاً أنه قد لا يصدر حكم احتيال بل يثبت حكم (غصب عقار) فهنا تكون العقوبة جنحية وعقوبتها بسيطة.
أخيراً..
كما يقال «إذا لم تستح فافعل ما شئت».. كل هذه التعديات على الأملاك الخاصة ليست من نسج خيال أصحابها بعد أن أرخت الأزمة بثقلها على العقارات بشكل عام وحالة النصب والاحتيال هي حالة قديمة وليست جديدة، ولكنها ازدادت في الآونة الأخيرة وكل حالات التزوير تكون بأساليب متنوعة وتتم خارج مكاتب العدل من خلال عقود بيع مزوّرة، وإن كانت الأزمة قد تركت آثارها السلبية على العقار تهديماً وتخريباً وسلباً فإن هذه الظاهرة هي الأخطر والتي زادت بشكل ملحوظ بعمليات الاستيلاء على الأملاك الخاصة، ولذلك من يحمي أملاك هؤلاء الفقراء الذين نقلوا كل حبة رمل وحجر إلى مسافات طويلة سيراً على أقدامهم على سفوح تلك الجبال التي اتخذوها مساكن يأوون إليها بعد أن تقطّعت بهم السبل وهم يحلمون بامتلاك منازل منظّمة!!

حقوق أصحاب المنازل في المناطق العشوائية وممتلكاتهم وعقاراتهم أصبحت تختفي بطرق عديدة منها: تزوير بعض الوثائق والمستندات الرسمية، والاستيلاء على الممتلكات من خلال النصب والاحتيال، حيث شهدت بعض المناطق المتوزعة في دمشق عمليات نصب واحتيال أثناء بيع وشراء المنازل، علماً أن أصحاب هذه المنازل لا يملكون أية أوراق ثبوتية.

توضح بيانات رسمية تعود إلى ما قبل الأزمة أن حالات التزوير في الأوراق الرسمية التي تم ضبطها في عام 2010 بلغ عددها نحو 506 جنايات بانخفاض قدره 228 جناية مقارنة بعام 2009، وتبعاً للتوّزع الجغرافي لهذا النوع من الجرائم فقد جاءت حلب أولاً بنحو 81 جناية ثم ريف دمشق ثانياً بنحو 72 جناية.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة