الجمعة, 19 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 45 تاريخ 5/2/2009 > الأبناء.. حاجات واهتمامات برسم الأهل...
الأبناء.. حاجات واهتمامات برسم الأهل...
أصواتهم.... في مهب الريح.....

جهينة- فاتن دعبول:

وربما يتناهى إلى سمعنا صوت تلك الأم التي توبخ ابنتها، حيث ذهبت دون إذن منها إلى أحد الأماكن العامة مع ثلة من صديقاتها... ليقضين بعض الوقت بعيداً عن أجواء الامتحانات لتقول لها «هذا سلوك غير سوي، وبناتنا يجب ألا تنحدر إلى مستوى الرذيلة، وما قمت به معيب!!»
ولم تكن الفتاة تسعى لاغضاب والدتها، ولكنها على العكس، هي لم تخبرها، لأنها تعرف سلفاً، أنها لن توافق، وإذا علم أخوها، فالكارثة ستكون أكبر...
لم تترك هذه الأم فسحة لفتاتها، بأن تحكي لها عن صديقاتها المجدات والملتزمات بآداب السلوك والخلق، وأنهن خلاف ما تظن....
فالقرارات مسبقة الصنع، ولا مجال للنقاش، واللاءات تأتي دون مبرر أو توضيح، فقط هي الأوامر»كالنظام العسكري... نفذ ثم اعترض»!!!
والقائمة تطول، والشباب يتخبط في مجتمع مفتوحة أبوابه على مصراعيها على العالم أجمع، حيث الحريات والثقافات والتقنيات... فهل نغمض العين عنها، أم نقف عندها، ونغربلها، لنأخذ السليم منها، وما يتناسب مع عوالمنا الاجتماعية العربية.

رغم ثقافته... وموقعه الاجتماعي !!
لن تغيب عن ذاكرتي حادثة، ربما كانت صادمة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى...
ففي مسرحية كان يقوم بها بعض طلاب قسم اللغة الانكليزية، قام شاب بدور تابع للحاكم، أو حاجب لديه... وقد حضر المسرحية والد هذا الشاب، وما إن رأى ابنه على هذه الحال من التبعية والخنوع في المسرحية، حتى هب واقفاً، وملأ قاعة المسرح صراخاً وغضباً، وأقام الدنيا ولم يقعدها، وطلب من ابنه أن ينسحب فوراً من دوره، فموقعه الاجتماعي لا يسمح له أن يكون ابنه في هذا المكان، ونسي بعنجهيته أن ما يدور حوله هو نوع من التمثيل ليس إلا... وما يحدث لا يقلل من شأنه أو شأن ابنه، وربما عدم قناعته بتلك المهنة، واعتراضه عليها، أفرز هذه الغضبة التي أثارت اللغط والاستهجان بين الحضور... وأحرجت الابن الذي يستحق كل احترام، لأنه يقوم بممارسة قناعاته دون أدنى إساءة أو انحراف....
فعلاً تركنا لأبنائنا حرية اختيار هواياتهم وممارستها وخصوصاً عندما تكون على هذه السوية من الرقي...؟!
الأب مشغول.... والأم هي الوسيط
وعندما يتحدث الأبناء تقول ربا: نحن في البيت ثلاث بنات وشابان، الوالدة ربة منزل، ووالدي دائم الانشغال والغياب عن المنزل، ويبدو أن المنزل تحول لديه إلى فندق يأتي إليه للراحة والطعام فقط وثمة قضايا كثيرة تعترضنا، ونحتاج إلى قرارات من والدي لكن في كل مرة يقول لا وقت لديّ، يكفي ما أعانيه من مشاق العمل، فلا تزيدون الطين بلة، قولوا لوالدتكم وهي تخبرني بما تريدون.... وإذا ما أتينا على عمل ما، وعلم بالأمر، يقيم الدنيا ولا يقعدها، لأننا تجاهلنا رأيه، وأين ذاك الرأي الذي لم نستطع انتزاعه منه بأي شكل أو طريقة... نفتقد الحوار، نفتقد التعايش والانسجام، فكل من في البيت يغني على ليلاه، ووالدتي لا حول لها ولا قوة، وهي الغارقة بشؤون المنزل ومتطلباته... أمنيتي أن نجتمع معاً، ويكون الحوار هو السائد بيننا، لأن هذا يمنحني الأمان والسلام في داخلي فأنا أتعلم الموسيقا لكن خفية عن والدتي، لأنهم يعتبرون ذلك لهواً ومضيعة للوقت وأخشى إن كشف أمري، أن أحرم من حقوقي الأساسية وكم أتمنى أن أشرح وجهة نظري لهم!!!
العلاقة ... نسبية
برأيه أن العلاقة بين الفرد وأسرته هي علاقة تفاعلية تبادلية، باعتبار أن الفرد يشكل أحد أفراد هذه الخلية الصغيرة التي تسمى الأسرة، وهي محكومة بالقوانين والأعراف التي توافق عليها المجتمع...
يقول كريم عيد: علاقتي بأسرتي نسبية، فهي تكون أحياناً في أفضل حالاتها، وأحياناً يشوبها التوتر، ولكن هناك عتبة لا يمكن أن تنخفض، تتجاوزها هذه العلاقة، ولكن من وجهة نظري أنه يجب أن تقوم العلاقة على أسس هامة وهي الحوار، لأنه الوسيلة الأهم للتواصل بين أفراد الأسرة... والأمر الآخر الوضوح لأنه مرآة العلاقة والشكل الأمثل للصدق فيها، ويتوج هذين الأمرين، معرفة الحقوق والواجبات في الأسرة، وأن يعرف كل فرد ماله وما عليه... وبذلك نبني أسرة معافاة، وبالتالي مجتمعاً سليماً فيه من الانسجام والرقي، ما يدعم بناء صرح عالٍ من الأخلاق والتقدم.
والدي ... سيف مسلط على رقابنا
احذروا.. والدكم قادم، لا تخطئوا، فإن علم والدكم بالأمر لابد ستكون العقوبة لا ترحم.. عليك أن تدرس وإلا..... نشأنا على هذه الأسس والأفكار، بتنا نخشى الأب ونخشى حتى الاجتماع به، هو لا يناقش، ولا يجادل، فقط لديه في قاموسه كلمتان »افعل، لا تفعل...» لمن نلجأ، الوالدة قد تحل بعض الإشكالات لكنها ليست صاحبة القرار النهائي في أي أمر...هذا ما دفعنا للتوجه حيثما نشاء دون الرجوع إليهما، وكثيراً ما دخلنا في متاهات لا تحمد عقباها، وأيضاً توالى فشلنا في دراستنا، لأننا لا نجرؤ على مناقشة الأهل في أمور الدراسة من جانب، وأمور علاقاتنا الاجتماعية، لأننا اعتقدنا أننا نهرب من جور الأب إلى أحضان الخطيئة، مبررين ذلك بعدم وجود الحضن الدافئ الذي يرعانا ويوجهنا الوجهة الصحيحة...
لكن وائل يقول هذا، وهو يشعر بالأسى والحزن، فوالده حاضر، لكنه غائب، فكيف السبيل لإشباع عاطفة الحنان لديه، وقد افتقد من يمنحه الثقة والأمان في حياته... هو ليس سيئاً كما يقول، لكنه فقط يحتاج لمن يوجهه، إنه في الثانوية لكنه بحر دون شطآن كما يصف نفسه... ليت الأهل يعلمون كم نحن بحاجة لرعايتهم وحبهم ومتابعتهم المستمرة.
ظاهرة... تعطِّل العمليات الداخلية في الأسرة
هل حقاً نبرر للأبناء أخطاءهم وانحرافاتهم لانشغال الوالدين عنهم، يجيب د. بهاء الدين تركية، الأستاذ في قسم علم الاجتماع: إن ظاهرة غياب الأب و الأم داخل الأسرة قد يؤدي إلى تعطيل العمليات الداخلية في الأسرة التي تجري بين أفرادها لصياغة حياة اجتماعية جيدة.
فغيرة الأب والأم وحرصهما على تأمين الاحتياجات الضرورية للأسرة من مأكل ومشرب وملبس، وتلبية شروط أفضل للأسرة، يضيّع الغايات الاجتماعية الأخرى وهي تلبية الاحتياجات العاطفية، وبعض الاحتياجات المعنوية، ولو سألت الأولاد ماذا تتمنون: عيشة بسيطة أم علاقة اجتماعية جيدة، لاشك سيختارون العلاقة الاجتماعية التي تتسم بالحميمية والحب، والعلاقة الجدلية، التعاضدية بين أفرادها.. لأن انعدام هذه العلاقة لاشك سينتج عنه ضعف الرقابة الاجتماعية، لغياب الأبوين عن معرفة ما يريده الأبناء من احتياجات... وتدني العلاقات على المستوى المجتمعي »الخوف على التماسك الاجتماعي».. وضعف العلاقات بين الأولاد فيما بينهم، وتدني وظيفة الأخ كرابط دموي مع الأخ، والأخت مع الأخت، وهذه تعد من أهم الوظائف الأسرية في المجتمع.
العمل.... لا يرحم
وبالعودة إلى الآباء، لا نجد أن الحال أفضل، فما إن تسألهم عن فسحة الوقت التي يمنحونها لأبنائهم حتى تأتي الإجابة:
سامر -ع- طبيب: أشعر أنني ضيف في بيتي، وبنك متنقل يمول الأسرة كل حسب حاجته، وأشعر في أحيان كثيرة أنني مسلوب الحقوق، فلا أستطيع أن أعطي ملاحظة، أو أوجه أحد الأولاد لأن غيابي الطويل عنهم بين العيادة والمشفى، جعلني أشعر بالغربة تجاههم، وتقوم والدتهم بالدورين معاً، فهي من يرعى شؤونهم، ويلبي رغباتهم، وهذا يحزنني حقاً.. العمل لا يرحم، والمتطلبات كثيرة، لكني لا أمانع في تحقيق جميع رغبات الأولاد قدر المستطاع، وربما أحياناً لا أكون مقتنعاً بها، لكن كتعويض عن غيابي المستمر عنهم، ربما هي طريقة سلبية، وهذا هو الحال شئت أم أبيت.
التنظيم في الوقت هو الحل!!
ولا يجد د. بهاء في الضغوطات الحياتية مبرراً لأي كان، لأن حماية الأولاد ورعايتهم اجتماعياً وعاطفياً ومعنوياً هي مسألة في غاية الأهمية، ولو نظم الأبوان أوقاتهما لوجدا الوقت الكافي لمتابعة ورعاية الأبناء، ولما حصل التفكك الأسري، ففكرة أن لا وقت هذه حجة واهية، لأن هذا سينعكس بالتأكيد على المجتمع بأكمله.. لذا من الأجدى للأبوين أن يوازنا بين الاحتياجات المادية، والاحتياجات المعنوية العاطفية، والاجتماعية لأولادهما، لإنتاج فرد مرتبط أسرياً، مستقر عاطفياً، وفاعل اجتماعياً... فليس بالأمور المادية وحدها، يحيا الإنسان، بل لا بد من تكامل يشمل الحياة الاجتماعية بما تتضمنه من التواصل مع الآخر، عبر ممارسة الهوايات، والمشاركة في النشاطات على اختلاف أنواعها رياضية أم ثقافية والرجوع إلى ميول البناء ودراسة توجهاتهم، وتنميتها بالطريقة السليمة، ما يخلق إنساناً سليماً، متوازناً، ومتصالحاً مع نفسه ومع بيئته ومجتمعه.
يسمع صوته فقط؟!
أعتبر نفسي محظوظاً في أسرتي، فأنا أكملت دراستي، وأهلي يلبون جميع رغباتي.. بهذه العبارات بدأ مناف فروح حديثه.. ووقف في حديثه عند نقاط هامة مستطرداً: والدي يرفض تعليم البنات رفضاً تاماً، ومهما تدخل الآخرون لإقناعه بالعدول عن أفكاره، فهو لا يستجيب ولا ينفذ إلا «الذي برأسه» وإني أرثي لحال أخواتي، لكن ليس باليد حيلة، فهو لا يترك مجالاً للنقاش أو الجدال، وإلا فالتهديد والوعيد، وربما يحتد الأمر ليصل إلى الضرب حاولنا أن ندخل وسطاء لكن دون جدوى، ورغم ذلك نحاول أن نرضيه، لنتجنب غضبه وعقابه، فهو أولاً وأخيراً الأب الذي علينا احترامه، وطاعة أوامره وأمنيتنا أن تحدث معجزة في تغيير آرائه، والتطلع إلى المستقبل بعيون أخرى، لتكون حياتنا أجمل، فنحن نحبه، ونحتاج إليه.
الدنيا.... كلها دراسة
رغم أنني متفوقة - تقول نور- لكن أهلي ما برحوا يلحون عليّ بذل الجهد أكثر، وملازمة المتفوقين، وإبعاد أي شيء قد يشغلني عن دراستي، يجب ألا أفكر بكلام الحب والعشق، لأن ذلك يشغلني عن تحصيلي العلمي، وباختصار هم صوروا لي الدراسة كأنها وحش... وأشعر أنها تسرقني من حياتي وعمري وشبابي، ولا حيلة لي في هذا. تستهويني كثيراً الرياضة وأحب أن انتسب لأحد النوادي... لكن هذا ممنوع، الزيارات ممنوعة، الرحلات ممنوعة... شيء واحد هو المسموح، الدراسة، ثم الدراسة والدراسة...
ومن قال إن ممارسة الهواية مع تنظيم الوقت قد تضر بالدراسة، وخصوصاً أنني أرى زميلاتي يحصلن على جزء من الحرية ليس قليلاً؟؟... ما يزيد المشكلة والأزمة عندي، وأشعر أن الأهل عندما يضيقون على أبنائهم، فلا يعني هذا أن إنتاجهم وتحصيلهم العلمي سيكون أفضل، فنحن لسنا آلات تتحرك »بجهاز تحكم» نحن أيضاً مشاعر وأهواء.
تتباين الأفكار بتباين الشرائح
لاشك أنه لا قاعدة ثابتة في جميع شرائح المجتمع، ففي الوقت الذي نجد الأبناء يحصلون على ميزات عديدة »حرية، هوايات، نشاطات...» في بعض الأوساط الاجتماعية، نجد افتقادها في أوساط أخرى.. وعوامل عديدة قد تلعب دورها في هذه الأمور، ربما العامل الاقتصادي، أو المستوى الثقافي...أو البيئة الاجتماعية، أو الموروث من العادات والتقاليد.. إذاً الأمور مرهونة بعواملها، ففي حين تسود العلاقات السليمة في أسرة ما من حيث الصراحة، والحوار، والانسجام، نجد ذلك يكاد ينعدم في أسرة أخرى..
ولكن في النهاية يجب ألا نصل في حال من الأحوال إلى الشعور بأن الأولاد باتوا عبئاً ثقيلاً علينا... وإنما هم مسؤولية أخلاقية ودينية واجتماعية.. فمجرد القبول بمتطلبات الأسرة وبنائها... وحمل مسؤوليتها هو كاف لندعمها بالتفاهم، والحوار والحب... لأنها دعائم هامة في قيام أسرة متماسكة، وهذا هو سر قوة مجتمعنا العربي، حيث غلبة الإيثار والغيرية على الأفكار المادية البعيدة عن روح مجتمعنا وأسرنا وعلاقاتنا.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة