الجمعة, 19 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 45 تاريخ 5/2/2009 > مكاتب تشغيل خاصة بلا ترخيص تحتال على الشباب وتسرق أحلامهم
مكاتب تشغيل خاصة بلا ترخيص تحتال على الشباب وتسرق أحلامهم
جهينة- نجوى صليبا:

استغلال ونصب واحتيال
خيبة الأمل هي الاستغلال الأكبر لشباب وشابات متعطشين للعمل وتحمّل المسؤولية وتخفيف العبء عن أهاليهم الذين لم يبخلوا عليهم يوماً وقدموا ما استطاعوا وأكثر، حتى يكمل أولادهم دراستهم وتحصيلهم العلمي ولو على حساب راحتهم النفسية والجسدية ليأتي أشخاص كهؤلاء وينزعون المال والأمل معاً... شبابنا اليوم أحوج ما يكونون للعمل الذي يصون كرامتهم ويعطيهم الأمان والأمل والتفاؤل بمستقبل يبنونه هنا على أرض وطنهم الذي درسوا في جامعاته، أليس من المفروض تأمين العمل لعشرات الآلاف من الخريجين الذين لا يجدون عملاً وفق مؤهلاتهم العلمية وبأجور تناسب جهد سنوات دراسية طويلة؟! ومؤسساتنا الحكومية مليئة بالموظفين الذين ما عادوا قادرين على العطاء ويتمسكون بكراسيهم إلى آخر لحظة مع التقدير لكل ما قدموه أيام كانوا يستطيعون ذلك، لماذا تلعب الواسطة دورها في توظيف شبان في أماكن من المفروض أن تكون لغيرهم من ذوي الكفاءة وخريجي الجامعات، وخاصة الذين يتعرضون للنصب والاحتيال من قبل هذه المكاتب التي تعجّ بهم دون سواهم ليكونوا فريسة سهلة... فهي تقوم بدور القط الذي ينقذ فأراً كي يلتهمه لحماً وعظماً... تجارب قاسية واستغلال أشد قساوة وفرصة تعرض الشابات لها أكبر بكثير من الشباب.
الأولوية للباس وخداع الناس
طبعاً الأولوية للباس... فإن كانت الفتاة ترتدي تنورة قصيرة فهذا أفضل بكثير من الشهادات والإمكانيات العقلية، المطلوب في معظم فرص العمل التي تؤمنها هذه المكاتب مواهب أخرى وإمكانيات أخرى لا تمسّ العقل لا من قريب ولا من بعيد، فمثلاً ديمة خريجة قسم المكتبات اتصلت بأحد هذه المكاتب بعد أن قرأت الإعلان في إحدى الجرائد الإعلانية، وذهبت إليهم وملأت الاستمارة ودفعت مئة ليرة سورية وأخبرتها السكرتيرة أنها ستكلمها لاحقاً أي عندما تجد لها الوظيفة التي تناسبها، وفق ما جاء في الاستمارة، وفعلاً بعد يومين اتصلت السكرتيرة بديمة وطلبت منها أن تتصل على الرقم الذي ستعطيه لها، وهو طبعاً رقم المكتب الذي ستعمل فيه، اتصلت ديمة وأخذت موعداً مع السكرتيرة والعنوان على أساس أنه مكتب دعاية وإعلان، في اليوم التالي كانت ديمة على الموعد تماماً وحسب تعبيرها (شعرت وكأن أحداً سكب الماء البارد على رأسها) فقد كان المكتب مكتباً لتأمين الخادمات، وبينما جلست تنتظر صاحب العمل دخل رجلان وصراخهما يسبقهما، سألا عن صاحب المكتب ولكنه لم يكن موجوداً، وبعد لحظات توجه أحدهما إلى ديمة بالحديث ونصحها بألا تعتمد على هذا المكتب في تأمين الخادمات، وقال إنهم نصابون فقد أخذ منهما أجرة أسبوعين ولم يشاهدا الخادمة بعد... وهنا لم تملك ديمة سوى الخروج بماء وجهها وبعدها عاودت آنستنا الجميلة الاتصال بديمة لتسألها عما حصل معها، وعرفت ما دار في المكتب إلا أنها طمأنتها بأن هذا قد يكون التباساً أو لغطاً، ورغم أن ديمة كانت متأكدة مما حدث أمامها إلا أن الأمل في الحصول على العمل بقي قائماً فعادت واتصلت، فإذ به يسألها عن بلدها ودراستها ولباسها ونوعيته (وموديل ما تلبس) وكما قالت لي فإن فمها كاد يسقط أرضاً، وسألها إن كانت ترتدي الملابس الضيقة والقصيرة، فإن طبيعة العمل تتطلب من الفتاة أن تكون (شيك وعلى الموضة) اليوم ديمة قاطعت الجرائد الإعلانية بشكل كامل خوفاً من أن يجرها أملها ثانية إلى مثل هذه الورطات، لأنهم في الغالب يطلبون موظفات وليس موظفين... وهنا لابد أن أذكر أني قصدت أحد هذه المكاتب ووجدت شاباً واحداً فقط سألته عن دراسته فقال تجارة واقتصاد، وكان واضحاً أن لا مكان له هناك وشأنه شأن ديمة دفع رسماً إدارياً (كما تسميه هذه المكاتب).
سنتان والاتصالات لم تتوقف
هذه مشكلة أخرى تضاف إلى كل السلبيات، فرقم الهاتف الأرضي والجوال كانا لديهم وهم (كلما دق الكوز بالجرة) سيطلبون هذا الرقم مبشرين بالعثور على وظيفة جديدة... وهذا ما حصل مع خديجة خريجة الجغرافيا التي لم تطق الجلوس في البيت بعد كل هذه الدراسة، إلا أنها ومنذ سنتين لم تستطع التخلص من اتصالات مالك مطبعة كانت قد تعرفت عليه بنفس الطريقة بقصد العمل، مثلها مثل الكثيرين وفي ذلك الوقت دفعت مائتي ليرة سورية، ندمت لاحقاً لأنها دفعتها، العمل كان ضمن المطبعة والتسويق خارجها ولها مكتبها الخاص، كما أنه طمأنها بشأن المواصلات كون لديه سيارته الخاصة أما الراتب فسيزيد على العشرة آلاف إضافة إلى نسبة، اعتذرت خديجة عن العمل ولكنه منذ ذلك الوقت حتى اليوم يتصل على هاتفهم الأرضي، ما دفع أهلها لمنعها من الرد على الهاتف إضافة إلى جلسة تأديبية تلقتها من والدها، وكي توفر على نفسها وعلى والدها عناء التأديب أعطت هذا الرجل رقم جوالها وما تزال تعاني.
الجيران يعرفون عمله..!!
كان من المفروض أن يكون مكتباً هندسياً إلا أنه عرف لدى كل سكان البناية بقذارة صاحبه... إن ما قاد سهير إلى هذا المكتب هو مكاتب التشغيل تلك... في المقابلة شرح لها عن طبيعة اللباس وليس العمل، وقال يجب أن يكون الصدر ظاهراً وسيكون اللباس موحداً إذا ما جاءت أكثر من فتاة، وما إن خرجت سهير من المكتب حتى تلقفتها شابة مثلها وحذرتها من العمل في هذا المكتب، وقالت لها إن بإمكانها أن تسأل أمها وهي سيدة كبيرة في العمر ولا تكذب، وفعلاً ذهبت إلى تلك السيدة فقالت لها (يا ابنتي كلما دخلت إليه فتاة تأتي إلينا وتبكي وتشتكي التحرش بها، لذلك كلما رأيت فتاة قادمة إلى هذا المكتب أحذرها) من يومها لم تخاطر سهير أو تجرب حظها ثانية.
مكاتب غير مرخصة ولا معترف بها
إن مكاتب التشغيل المعترف بها في القطر هي وكالة التشغيل العامة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وذلك بموجب قانون العمل رقم (3) وهو جزء من قانون العمل الأساسي، ونصّ على هذا الموضوع وذلك حسب ما أدلى لـ «جهينة» أحد المسؤولين في دائرة التشغيل التابعة للوزارة... فالوزارة على حد قوله ضمن بحثها في موضوع كيفية تشغيل العمالة والتخلص من البطالة طرحت عدة أفكار من ضمنها محاولة تغيير بعض القوانين فيما يخصّ العمل، بما يواكب العصر وذلك عن طريق امتصاص الفائض من القوى العاملة في القطر من خلال التشغيل داخل القطر وخارجه، وبالنسبة للتشغيل في الداخل فإن المسؤول الوحيد لدى القطاع العام والخاص والمشترك هو وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهناك هيئات رديفة مثل هيئة مكافحة البطالة وتنمية المشاريع مهمتها المساهمة مع مكاتب التشغيل كهيئة متكاملة وإيصال العامل إلى رب العمل مع حفظ حقوقه كاملة.
مكاتب التشغيل يجب ألا تتقاضى عمولة
لا يوجد في مكاتب التشغيل التابعة للوزارة عمولة أو أجر، بينما المكاتب الخاصة تأخذ عمولة أو نسبة محددة مقابل تشغيل الزبون في مكان محدد، فمثلاً قد تكون إحدى الشركات قد أخذت ترخيصاً بتنمية موارد بشرية فتظن أن لديها الإمكانيات للتصرف كما تشاء وأن تكون الوسيط بين صاحب العمل والعامل. إن الموضوع عندما عُرض على دائرة التشغيل (وحسب نفس المصدر) كان رد الدائرة بالموافقة على أن تعلن الشركة بأنها بحاجة إلى موظفين، لا أن تعمل على تأمين موظفين لشركات أخرى فهذا عمل الوزارة، كما أن ضمان حقوق العاملين من مهامها كي لا يكون المواطن عرضة للاستغلال، أما إذا أرادت الوزارة فتح المجال أمام الوكالات الخاصة فسيكون ضمن شروط محددة، والفكرة في قانون العمل الجديد مطروحة.
ما هي وكالة التشغيل
التي يمكن أن يثق بها الشباب
مكاتب التشغيل الخاصة لم تعد محط ثقة الشباب أولاً، لأنها لا تتمتع بالصفة القانونية وغير مرخص لها، فضلاً عن المشكلات الجمة التي تحدثها ولعل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هي الأخرى فقدت هذه الثقة. إن آلافاً من الشباب تقدموا بأوراقهم منذ خمس أو ست سنوات وما زالوا ينتظرون، أليس هذا من أهم الأسباب التي تعرّض شبابنا للاستغلال، ألا يوجد طريقة نحمي بها شبابنا ونستثمر إمكانياتهم قبل أن يمر العمر ويتجهوا إلى الشوارع والمهن الأخرى، ولعلهم اتجهوا... فبدل أن تكون مساعدة تصبح مستقبلاً، وحول هذا فإن المسؤول في دائرة التشغيل قال إن الوزارة قامت بأتمتة كل الطلبات خوفاً من الضياع والترشيح للوظائف يكون الكترونياً ووفق ما تطلبه الجهات العامة (الحكومية) وهنا لا مجال للغش أو التلاعب.

بيانات عن انخفاض نسبة البطالة ولكن...؟!
دائماً هناك دراسات وبيانات عن انخفاض البطالة في سورية، ومع ذلك فإننا نجد شبابنا دائماً معرضين للاستغلال والنصب والاحتيال من التجار، ونرى شبابنا دوماً في ملل واكتئاب وضجر وانعزال، مع ذلك نجد من يقول إن البطالة في سورية أدنى بكثير من دول أخرى.
نأمل ذلك...
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة