الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 97 تاريخ 20/7/2017 > روحُ القيامةِ والحياةِ الأديبة أحلام غانم في مسيرتها الإبداعية
روحُ القيامةِ والحياةِ الأديبة أحلام غانم في مسيرتها الإبداعية
لعلاقتها مع الحروف - انفتاحاً واكتشافاً- تراكيب مدهشةٌ، دهشة الفجر الأول، والرعش الأول، وهمسْ البحر لزائريه، لكنه البحر

الذي ما اعتاد يوماً أن يكون مرايا الخصب، موجةً موجةً وقصيدةً قصيدةً تتكثّف تجربتها في وعي سوري يلتقط اللحظة ليجعل منها

صحواً، إذ كيف لها وهي القائلة: (أنا أنثى من الماء، أنام في سرير الوجود وأفتشُ عنه، أتقصى الجمال في كل تصاريفه، كل بداية لابد

أن تمتصّ رحيق الحياة)، إلا أن تكون هي المثال لقوة الروح السورية في فطرتها المركبة وبحثها عن الجمال تقابلاً وإنتاجَ معنى،

والأدلّ مواقف ورؤى نضرة تتصل بالإبداع نسباً وإنسانيةً ووطنيةً.

مرايا الذات الشاعرة
إنها الشاعرة والأديبة المبدعة أحلام غانم في تجربتها وصيروراتها الإبداعية المدهشة منذ احتكاكها بلحظة الشعر- لحظة الحياة،

احتكاكاً يولم لعائلة الكلمات والسفر والارتحال من صفحات البياض ليأتي مسكوناً بما خطّه قلم رؤيتها، أي ما دوّنته جوانيتها من

عوالم طليقة ترفلُ بثوب الشعر، وتنبضُ خلاياه برؤيتها وخيالها، ذلك الخيال الرهيف المطبوع والذي يشتق معادلاته الجمالية الباذخة

حد الانتصار للبياض بوصفه البراءة الناجزة، فهل أرضَتْ ذاتها الشاعرة لتخوض في التجربة وعياً وانتباهاً إلى فطنة الكلام وفرح

المعنى، المعنى الذي يأخذها لتبثَ طاقات النور، وتنثره على ضفاف الحروف مضرجاً بعطر الروح منذ بدأ ميلها للكتابة وعقدت

أصابعها صداقةً مع القلم، توّجت توهجها؟! إذ تقول: (وعندما تبدأ تراتيل الياسمين بين أوردتي ويصبح العطر لغةً والصمت مملكة

الشعور، وكل ما عداه تفاصيل الخيال).
جدلية الأسود والأبيض واسطة عَقْد الكتابة
لطالما جهرت برأيها غير مرة لذاتها ومتلقيها بأن الكتابة هي وسيلتها لمجابهة الإحساس بالفقد والتمسك بقشة الأمل، فهي إذن تذهب

إلى عوالمها عارفة ويقظة الإدراك بماهية ما تكتب، ليصبح الإبداع وعياً جديداً يتجاوز هنا ويرسم هناك لحظات التجلّي الفارقة التي

تميّز أكوانها الشعرية بحساسية الأمل، وصلوات الياسمين الخالبة، فهي إذن تذهب إلى عَقد مع الجمال توقّعه بروحها قبل قلمها،

والكتابة لا شأن لها عندها بموعد مسبق أو حالة انتظار عابرة، هي الدخول فحسب في غابة المعنى لاصطياد غزالة الروح ووشوشة

اقحوانة غفت على ساعد الكلام، وكيف يحضرُ همسُ السواقي الباهية في الكلمات/ الحكايات منذ عرفت عوالم (ألف ليلة وليلة)

الحكائية، وتماهت مع فطرتها بوصفها مكوناً حيوياً لخبرتها، ذهاباً إلى حقيقة الأشياء ونسبيتها، وتوسلاً لعشبة الخلود، واستدعاءً

لمستحيل مخاتل، إذن هي في هذه الصيرورات عقدت علاقتها مع اللغة، وظلت على خط الأفق شهرزاد حكايتها الأولى بوصفها

سادنةَ تعبيرٍ ونديمةَ معنى يفضي إلى كينونتها امرأة كاتبة مازال الوجود يشكل تحدّيها الكبير لتحاكيه بروحها الشاعرة، وتشتق له قولها

المغاير والذي يعني تشكيل رؤيتها في العالم وفي الوعي الجمعي، تقول الشاعرة أحلام غانم: (عذراً أينشتاين... لماذا لا نرى الأشياء

كما هي؟، لماذا نرى الأشياء وفق تصوراتنا الذهنية..؟ عذراً أينشتاين لم يعد الخطُ المستقيمُ هو أقصر المسافة بين قطبين، كما تقول

لنا الهندسة التقليدية، فالعيب ليس في عقل أينشتاين الجبّار ونظريته التي غيّرت النظرية الموضوعية للعالم.. بل على العكس العيب

فينا وببصيرتنا الغائبة، وقد كشف عن ذلك الخطأ سقراط منذ زمن، نحن لا نرى الأشياء كما هي، نراها كما نحن... وإذا سرنا مع

إليوت بشكل دائري هل يلامس الماضي المستقبل ويكاد يكرر لنا مقولته الشهيرة ربما كان كل من الحاضر والماضي جزءاً من

المستقبل، وكان ذلك المستقبل نفسه زماناً مضى)؟.
جلنار البحر
وحديث البدايات لأي مبدع هو حديث محفوف أبداً بمغامرة الشعر الأولى والوقوف على عتبات الحرف، وعند الشاعرة أحلام غانم أو

جلنار البحر كما قدّمت نفسها ذات يوم، كان حلم الذات الشاعرة لا ينفك يتماهى مع ذاتها الوطنية والإنسانية لتكون سرقة النار،

ولتتماهى أكثر لتكون هي القصيدة السورية الناهضة وسط الأمواج العاتية، الأكثر تطهراً لتقف على جهات الشعر وأقاصيها ودروبها،

لا لتذهب إلى الإيقاعات والجرس والموسقة الباذخة، بل لتعي سيرورة اللغة في وعيها، وكيف بثّت صورها وتراكيبها وهي الأكثر

انتباهاً إلى ما تعنيه القصيدة في مفهومها من عمارة-عمارة الوجد والوجدان والذاكرة، عمارة الحلم والوجود والأسئلة في تمظهراتها

الوجودية، تقول الشاعرة أحلام غانم: (الشعر ابن الميتافيزيقيا الذي يلهب شموع الروح، والجسد وأداة المعرفة المطلقة الوارد من كل

شيء، والحاوي كل شيء، والجوهر المقطر من ماء الروح).
وفي ذلك كثافة علاقتها بالشعر، وكما تذهب هي: (إن كل كلمة في قصائدي كانت وستبقى مشدودةً بحبل من الضوء السري الندي،

على هذه الأم التي اسمها سورية، إلى قلبها المشتعل بالحنان). وإن من يعي القصيدة كشكل وأسلوب حياة وموقف تكتمل لديه تخوم

المغامرة أو تراها في طريقها إلى الاكتمال، ذلك أنها سعي إلى اكتمال الرؤيا والرؤية، لاسيما إذا كان كل ما يصدر عن روحها من

مدونات مسكونة بالحبر النبيل، صادراً عن امتثال لشرط فلسفي- تأملي ظل كما هاجس تحت جلد الكلام، يأخذها إلى غابات الكلام

المسحورة عبر باب الشمس، وعبر محكيات شعرية، موسقها الألم والفرح، وجدلية الحياة والموت، كل ذلك في سبيل إنتاج المعنى،

ولأن المعنى كما تقول الشاعرة أحلام غانم هو: (ابن الواقع والشعرية ابنة اللغة الصادقة، التي تهز الحلم البشري بكل قوة لكي تتولد

أنساقٌ جذريةٌ جديدةٌ تتفرع على شكل أمكنة معرفية متجددة، وأزمنة وجدانية دائمة الانبعاث، لتكثّف ذلك الوعي الشعري الطليق

بقولها: (القصيدة جسد أنثوي شعري قوامه اللغة)، وهي من كانت تعشق الرسم والشعر والموسيقا، لنجد ذلك حاضراً في عوالمها

الشعرية غير المكتفية بذاتها/ ذاتها المتطيرة إلى اقتناص اللحظات الفارقة، من الحيوات الإنسانية وصراعاتها الخفية، كان جلنار

البحر اسمها المضمر والمكشوف بآن، لا تتوارى وراء قناع كما يُخيل للبعض، بل لتقف في خط دفاع ذكي عن أنوثة الشعر وشعر

الأنوثة، لطالما تساءلت قائلةً في هذا السياق: (لم يكن التخفّي خلف الاسم المستعار ظاهرة ضعف أو قلّة ثقة أبداً، بل مواجهة الخوف

للخوف على هذه الذاكرة التي ترى الأنوثة في خانة الضحية، والتي تواجه كل ذلك خوفاً على بكارة الأشياء في الروح.. ألم يكتب

غسان كنفاني مقالات باسم فارس فارس؟)، ولعلّها تستحضر غير أديبٍ كتب بأسماء مستعارة كأنسي الحاج، وبدوي الجبل، وفي

الذاكرة الثقافية العربية الكثير من الأسماء النسوية من كتبت من خلف أسماء بعينها، كبنت الشاطئ وسواها الكثير، معللةً ذلك بقولها:

(نحن نصنع الأسماء وليست الأسماء من تصنعنا).
مقاومةٌ من طراز خاص
لطالما كان هاجسها الانحياز للإنسان، ولتكون مدوناتها الشعرية متماهيةً مع منظومة الحق والخير والجمال، فهي إذن المشغولة حدَ

الامتلاء بتأسيس ذلك المعنى الذي يأخذ من البوح مسافاته الخضراء، ويبثّها طاقة القيمة ليكون صوتاً للضمير الجمعي، منذ ابتدأت

بقصائد (لجلنار البحر، ورقص على رماد الوقت، وامرأة بكى في عينيها أوليس، ومن الماء أنثى، لتقف على رتاج الشمس)، في

سيمفونية الوجد السوري ومكابداته المشرعة على النزيف تارةً، وعلى الإشراق تارةً أخرى.
حبر السوريين
تلك قصيدتها وذلك ميلاد العاشق، حينما صدحت لغتها بالقول: (انظر والدم دال وميم وسناء/ انظر والدم ملاحم ومسالك وسماء/ انظر

وإني رأيت مريم من زينب/ تسقيه كوثراً وبخوراً وشموخاً في انتشاء.. وحبر السوريين يحمله ماء العاشقين/ والدم شاعر/ وفي ظلهم

سرَت جداول الصابرين/ تعيد قلماً رهنه القلب/ وتلمسه العقل/ وتناوله العشق/ فرددناه عاشقاً.. سمياً/ وسبيل لنحل دليلنا/ إليه الشعر

يعدو/ والشعر في ذراه آلاء/ ونحن مازلنا هنا/ نعصر الشهد كي نكون الإناء/ أنت كل الفصول).
شاعرة تصالحُ الشعر بالفكر، وتذهب منه إلى ما يواسي لغتها المتطيرة إلى براءة الحلم والذاكرة، براءة الحياة حينما يحطّ طائر قولها

على غصن أخضر، هي ثقافة الحياة، التي يظل الشعراء والمبدعون يولمون لها كل متخيل اللغة، ومسارب التاريخ، كل ذلك تمجيد

للإنسان السوري في بُعده الكوني - كما تقول الشاعرة- بل أكثر من ذلك، هي الحياة بمرئياتها وكيف تهب غراس الفرح لأصابع

العاشقين، وليأخذهم معراج الحلم إلى حقيقة الأرض التي أنبتتهم وصيّرتهم على مقامها، في مقام الشاعرة أحلام غانم، ذلك التنوع

الأسلوبي والبياني، المحايث لفكرها ونزعتها الفلسفية لكي ترى الأشياء كما هي، أي في أبعادها الأكثر حضوراً في البصيرة، كما

ديوجين حامل المصباح، (الذي أشعل مصباحه في وضح النهار كي يبدد العتمة ويمدّ الناس بالبصيرة الغائبة).
من الشعر إلى الرواية
ومن فجريات لغتها الطافحة بما يعد به الشعر، ذهبت أحلام غانم إلى الرواية والمسرحية لتكون صاحبة (في حضرة الرصاص)،

روايتها المشغولة بهواجسها كما رواية تالية (زفاف الياسمين)، وتعدنا بالقول: (حتى تنطق أجنة الحياة بالموعد اليقين، وتمجّد شهداء

سورية وطن المحبة والسلام)، فإذا كان الإنسان منطلقها لتجسد رؤيتها الإبداعية بتنوع مقصود ما بين الفكر والشعر والنثر وإمامة

العقل، فإن ذلك كله سيحيلنا إلى أبعاد ذاتها المقاومة، بثقافة الكلمة مواجهة مضادة للقبح والعدوان وانقلاب المعايير، لاسيما التي

استهدفت إنساننا السوري في ثقافته وحضارته وكلمته، لكن الرواية التي شاءت الأديبة أحلام غانم الذهاب إليها ستظل هي رواية

الحياة بكل محكياتها في الراهن السوري، والأدلّ في المستقبل السوري، الذي بدوره لا يجعل من خطابها الإبداعي انحيازاً لجنس

إبداعي بعينه، بل انفتاح دلالي في وعي مبدع سوري يؤرخ بالروح وجوده، وبطاقة اللغة كينونته، تماماً كما هي أحلام غانم، في تعبير

صورها من حاملة مصباح ديوجين إلى حاملة شعلة (الأولمب)، إلى أنموذج المرأة السورية في صورتها المشتهاة، فعوالم المبدع هي

مثال روحه التواقة للانعتاق، وهي بيانه الأمضى ليكون مقاوماً من طراز خاص، والمبتدأ هو المقاومة بالجمال، لكن المنتهى هو أن

يظل الوطن بكل مكوناته مرآة التحولات الأكثر جهراً بثقافة الحياة، ثقافة التجدد والانبعاث والقيامة لتكتمل سيمفونية العشق السوري،

ويكون الإبداع هو المرايا الصادقة لبصيرة المبدعين في الأزمنة السورية كلها، كما شأن المبدعة أحلام غانم في لحظتها الشعرية

المفتوحة على آفاقها البعيدة.
الشاعرة والأديبة أحلام غانم- سطور وعناوين:
- مواليد سورية- طرطوس.
- عضو اتحاد الكتّاب العرب – جمعية الشعر.
- رئيسة مجموعة سيدات سورية الخير في طرطوس.
- عربية الانتماء يرتبط لسانها بالفضائل البشرية، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بدائرة الفكر السورية والأخلاق الإنسانية لخدمة الرسالة

الكونية.

من أعمالها:

- قصائد لجلنار البحر، رقص على رماد الجسد، امرأة بكى في عينها أوليس، ومن الماء أنثى، الوسط البعيد، تيم البنفسج، وينكسر

الغياب، رتاج الشمس، (في حضرة الرصاص) رواية، (وأبحث عن آدم) مسرحية.
- عشرات الدراسات الأسلوبية والفكرية والقراءات التأويلية لعدد من الأدباء والشعراء.
- لها مشاركات عديدة في مهرجانات شعرية محلية ودولية، منها: المهرجان الدولي للشعر (بتوزر) تونس، ومهرجان الإسكندرية

للشعر العربي، والمهرجان الدولي بإيران، والمشاركة في الذكرى الحادية عشرة لوفاة الشاعر العربي التونسي منور صمادح في

قمرت.
- تنشر في صحف الوحدة والبعث والأسبوع الأدبي.
- حصلت على جائزة مهرجان همسة للآداب والفنون.
- حصلت على شهادة دكتوراه فخرية من الجامعة البريطانية- المصرية.
- تقول الشاعرة والأديبة أحلام غانم: (أحلم بأن أكون في زمن الشعر، فمن الحلم تنهضُ شعرية الأشياء، وأحلم بأن أقيم حيث أقام

الشعر دوماً في الانتماء حارساً للقيم التي تتأسّس عليها الحياة: قيم الجمال والمحبة والإخاء والتسامح.. لذلك أشعر بأنني فراشة

صوفية ملونة هفت على أجنحة الضياء لا تكفُّ عن الرغبة في الملاحظة والتجريب).
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة