الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 96 تاريخ 15/6/2017 > تدويرُ النفايات في الفن تجميلٌ للحياة بمخلّفاتها
تدويرُ النفايات في الفن تجميلٌ للحياة بمخلّفاتها

د. محمود شاهين

بدأت تظهر في سوريّة، وبشكل متواتر ومنظّم، ظاهرة جديدة تدعى الانضواء، ضمن توجهات وضع الفن البصري المعاصر في خدمة البيئة وتخليصها من النفايات المتعددة المصادر والمواد والخامات من خلال تدويرها وتحويلها إلى أعمال فنية معاصرة مسطّحة (لوحات، معلّقات)، ومجسّمة (كتل في فراغ) بهدف التخفيف من تراكمها الذي يشكل ضغطاً وعبئاً على النظام البيئي، وبالتالي تحفيز وتشجيع بعض الفنانين المشتغلين في حقول هذه الفنون، ولاسيّما الشباب منهم، على استخدام مواد وخامات ووسائل جديدة للتعبير عن أفكارهم وانطباعاتهم عن العالم المحيط بهم، ومن ثم توعية قطاعات واسعة ومختلفة من الناس والصناعيين والحرفين والتجار، وتوجيههم لممارسة أساليب وطرق صديقة ورفيقة في تعاملهم مع البيئة حولهم.
يستخدم الفنانون الذين يتصدّون لعملية تدوير النفايات وتحويلها إلى أعمال فنيّة مسطّحة ومجسّمة، مواد وخامات عديدة في إنجازها، بعضها تخلّفه الصناعات والحرف كالخردة والورق والكرتون والأسلاك والأقمشة والبلاستيك والعلب الفارغة المتعددة المواد، والزجاج والخشب، والأدوات التي استنفدت مهامها ووظائفها في خدمة الحياة اليوميّة للإنسان، والبعض الآخر من هذه المواد والخامات، تخلّفه الطبيعة نفسها كأوراق الشجر والثمار الجافة والبذور والنباتات والحشائش والأغصان.. وغيرها.
المتابع لهذه الإنجازات التي تعرضها صالات العرض، أو تضمّها الحدائق والساحات والشوارع وجدران المدارس والأبنية السكنيّة والخدميّة المختلفة، أو تنشر صوراً لها المجلات والصحف والكتب المتخصصة ووسائل الاتصالات البصريّة المختلفة، يجد أن بعضها يجمع بين الطرافة والابتكار المقنّع، وبعضها الآخر لا يتعدى الشطحات العبثيّة المبالغ فيها، وبعضها الثالث يكتنز قدراً كبيراً من البشاعة المنفرّة المتعارضة كلياً مع الفن الذي أهم وأبرز مقوماته وخصائصه (الجمال) وفتح الشهية على الحياة وحب الحياة، ما يجعل مثل هذه الأعمال أقرب إلى العبث والممازحة منها إلى الفن المفيد والجميل!.


دوافع ومبررات
يسوق المروّجون لعملية تدوير النفايات في أعمال فنيّة معاصرة، من فنانين مغامرين ومعاهد فنيّة وجمعيات حماية البيئة ومراكز ثقافيّة وصالات عرض وإرساليات ثقافيّة أجنبية.. وغيرها من الجهات الرسميّة والخاصة، جملةً من الأهداف والمبررات والدوافع والغايات لتبنيهم وتشجيعهم ودعمهم لهذه الفنون منها: زيادة الوعي البيئي، ولفت انتباه الناس عموماً والمشاركين في إنجاز هذه الأعمال خصوصاً إلى أهمية هذه العملية الفنيّة التي تقوم بتوظيف مواد وخامات ووسائل مجانيّة أو رخيصة جداً لإنجاز أعمال فنيّة بيئيّة جماليّة، مصدرها الأساس القمامة ومخلّفات المصانع والورش المهنية ونفايات المدن والطبيعة.. وغيرها، ومن ثم تشجيع الفنانين على اعتماد هذا النمط من التعبير الفني، ونقل أعمالهم إلى حيث توجد شرائح واسعة من الناس لتعويدهم عليها، وحثّ ذائقتهم على تقبّلها، بل المساهمة بتوفير مستلزماتها، ما ينعكس إيجاباً على الوضع البيئي بتخليص أو تخفيض أحجام هذه النفايات، وضغطها المتزايد على البيئة. يضاف إلى ما تقدم إيجاد ثقافة فنيّة جديدة غير معروفة أو مألوفة، يمكنها تحريك ركود الحركات الفنيّة التقليديّة، والمساهمة في تفعيلها ومنحها حيوية وتجدداً وآفاقاً واسعة للابتكار والإبداع، ولاسيّما بعد أن يأنس غالبية الفنانين التشكيليين إلى أساليب واتجاهات، يكررون من خلالها أعمالهم الفنيّة من دون أي تجديد أو إضافة إبداعيّة تُذكر!.
فنُّ الطليعة وما بعدها
في الحقيقة، إن مثل هذه التوجهات الفنيّة ليست جديدة، فقد سبق للفن الغربي الحديث أن قدّم تجارب ومحاولات انضوت ضمن الإطار العام لمفهوم إعادة التدوير، وأخذت مسميات عديدة منها: فن الحداثة وما بعدها، وفن الطليعة وما بعدها، والفن المفاهيمي، والمركب.. إلخ.
ويعدّ الفنان (دو شامب) الأب الروحي لمثل هذه التوجهات الفنيّة، حيث حاول تحويل الأدوات العاديّة المستعملة في مرافق الحياة اليوميّة المختلفة (بما فيها المبولة) إلى أعمال فنيّة، إذ كان يكتفي بوضع توقيعه على السلعة المسبقة الصنع والتالفة لتتحول فوراً إلى عمل فني، معتقداً أن للفنان المعاصر كل الحق بأن يستخدم ما يشاء في تحقيق منجزه البصري الجديد، ومهما كان هذا العمل فإن مجرد توقيع الفنان عليه ودخوله أروقة المتاحف وصالات العرض يتحول إلى عمل فني حقيقي.
يقول بعض أنصار هذا الفن: إن هدفهم منه الانتقام من الحياة والتقدم والفن ذاته، وتعظيم البشاعة والنفايات والضوضاء والتلوث، على اعتبار أن الفن موجود في كل مكان، وأن الجمال والبشاعة متساويان! وهذا ما ذهب إليه شاعر الدادائية (تزارا) عندما أعلن: (لقد حاولنا من خلال الدادائية (وهو اتجاه فني معروف انطلق من أوروبا) ليس تدمير الفن والأدب فقط، وإنما بالدرجة الأولى خفض المستوى المثالي، فنحن نريد إذلال الفن والشعر، لأن الدادائية هي ضد الفن والأدب، وتدمير الفن وتعكير صفائه والحطّ من مثاليته إنما هو نضال ضد الجمال والإتقان والأخلاق والروح، فنحن نريد إعادة الاعتبار للقباحة والبشاعة والقرف)؟!.
بعد (الدادا) و(دو شامب)، مارس هذا النوع من الفن عدد كبير من الفنانين، من بينهم الفنان الألماني (أودبنورغ) الذي أنجز عملاً فنياً من المبولة أيضاً، والفنان (بويس) الذي كان يقيم معارض دون أعمال فنيّة، والفنان (آرمان) الذي قام بوضع محتويات علبة الزبالة ومخلّفات (التواليت) كالمحارم الملطخة بدم العادة الشهرية عند المرأة، وبقايا القطن المستخدم في تنظيف الآذان وفراشي الأسنان، في قالب من البلاستيك الشفاف، وعرضه في متحف الفن الحديث بباريس ليتحول إلى عمل فني مدهش، ومنهم أيضاً الفنان (هو آن لونغ) الذي قام بعرض مجموعة من الأفاعي والجرذان الحيّة في قفص زجاجي في المتحف نفسه. بل لقد ذهب الفنان (كازيروفسكي) أبعد من ذلك، إذ قام بالرسم بنفاياته الخاصة، والفنان (جورج فكان) رسم بالبصاق، واكتفى الفنان (بورا) بوضع عناوين أعمال فنية فوق جدران صالة العرض (دون الأعمال)، قائلاً: (أنا لستُ بفنان، مع أنني فنان، وهذا هو المهم لأن العمل أُفني، لم يعد له أي ضرورة).
وقام الفنان (دونواييه) بعرض 24 لوحة فارغة من أي شكل أو لون، قائلاً: ( ليس لي أي هدف من ذلك سوى أن تكون اللوحة الفارغة معلّقة هنا على الحائط، فأنا أعرض نيتي في تكوين هذا السطح فقط، لأن اللوحة تأتي من لا شيء، وإذا أتت من شيء ما فهي لن تكون لوحة)!.
أشباه وقرائن في العالم العربي
أصبح (اليوم) لهؤلاء الفنانين أشباه وقرائن في دول العالم كافة، ومنها دولنا العربيّة (خاصة مصر ودول الخليج العربي)، علماً أن هذا النوع من الفن تراجع وتقلّص إلى حد كبير في الدول الغربيّة لصالح الاتجاهات الكلاسيكيّة والواقعيّة، وحول هذا يقول (إيليل) في كتابه (إمبراطورية اللا معنى): (إن الفن الطليعي في أزمة حقيقية، وهو يتفجّر ويتناثر في كل الاتجاهات، وهذه الشجرة لم تعط أي ثمرة سوى الفوضى والعقم والتناقضات.. هذا الفن لم يعد يبحث عن إعطاء لذة وفرح وحلم الرؤية الجمالية للمشاهد، بل صار يهتم بالبشاعة والقذارة والجنون والعفن والساديّة). ويرى (بيل) أن فن الطليعة (يكرر ويعيد ما طرحته (الدادائية) في بداية القرن العشرين، فتحوّل إلى طقوس رخيصة وظلاميّة مختلفة). أما (ناتالي هينيش) فتقول: نأسف لعمل فني لا يستجيب لتطلعات الجمال، بل على العكس يبحث عن البشاعة، هذا الفن المنعزل عن المجتمع عادي جداً وغير نظيف). وتسأل الناقدة الفنية (كاترين مييه): (أين هي الآن هذه الطليعة، لم يعد لها وجود، لقد ذابت كما ذابت أعمال الفنان الطليعي (سالمون) الذي نفذّها على الثلج والرمل. أما فنانو العالم الثالث فهم في يأس أمام متاحفهم المفلسة مادياً)!.
وحول التجارب العربيّة الطليعيّة، يقول الناقد الفرنسي (جاكوماتي): (لقد جاء الفن الطليعي العربي إلى البيناليات ليبيع الماء الملوث في حارة السقايين.. إن المتذوق والمشاهد العربي لم يعش تطورات الفن التشكيلي المختلفة من كلاسيكيّة وباروك ورومنطيقيّة وواقعية وانطباعيّة .. إلخ، فكيف يستطيع القفز واجتياز القرون ليتمثل عبثية فننا الطليعي، وتقبّل تقلّبات مدارسه وتناقضاته المختلفة، وخاصة بعد أن تحوّل إلى ترف ثقافي مرفوض عندنا).
لكن الفن الذي تطمح بعض كليات ومعاهد الفنون والمبادرات الفرديّة وجمعيات البيئة إلى تحقيقه من خلال مسابقات وورش عمل تدوير النفايات، يختلف تماماً عن الفن الذي بدأه (دو شامب) وسلالته. ففي الوقت الذي جاء فيه فن الطليعة وما بعدها تتويجا ًلحالة من البطر الحضاري الغربي والفراغ الروحي والتوجهات السياسيّة الخبيثة والغايات التجاريّة المشبوهة، تأتي تظاهرات إعادة التدوير مشروطة بالعمل على ابتكار وإنجاز أعمال فنيّة، تُظهر مواهب وأفكار ووجهات نظر أصحابها من جهة، ومن جهة ثانية التذكير وتسليط الضوء على ضرورة حماية البيئة، بتخليصها من كميات كبيرة من النفايات التي يمكن الاستفادة منها، والتي تساهم بتراكمها في زيادة الضغط والعبء على النظام البيئي، وتالياً تحريض من يعنيه الأمر على اعتماد طرق صديقة ورفيقة بالبيئة في أساليب تعاملهم مع النفايات المختلفة، لكن بشرط أن تُضبط عملية التدوير هذه، بحيث تكتنز الأعمالُ الفنيّة التي تفرزها قيماً فنيّة وجماليّة ومعرفيّة مقنعة، تبرر الهدف النبيل الذي ترفعه شعاراً لها وهو (إعادة التدوير لبيئة أفضل)، وفي الوقت نفسه استنهاض حالة جماليّة تزيينيّة في محيط يفتقر إليها. وتزداد أهمية مثل هذه الأعمال الفنيّة إذا ما أخذت طريقها إلى المكان الصحيح، القادرة من خلاله على تحقيق هذه الحالة، والفعل والتأثير والتحريض في قطاع واسع من الناس، ولاسيّما طلاب مدارس التعليم الأساسي.
أمثلة وقرائن
على جدار مدرسة بسام حمشو في منطقة التجارة بدمشق ومدارس أخرى في أوتوستراد المزة، أنجز مجموعة من الفنانين التشكيليين السوريين من مديريّة تربية دمشق لوحات تُقدر مساحتها بمئات الأمتار المربعة، نفذت بخليط من المواد والخامات المصنّعة التالفة في غالبيتها كقطع المرايا والزجاج والحجارة والحصى والسيراميك والصحون والبراغي ومخلّفات الآلات والأجهزة الكهربائيّة وديسكات القص والجنازير والنباريش ودواليب الدراجات الهوائيّة والمفاتيح وعلب الكونسروة الفارغة.. وغير ذلك الكثير.
وتتألف هذه اللوحة الجداريّة من تشكيلات زخرفيّة، ضمن صياغات وألوان مختلفة، يمكن تجزئتها إلى مئات التكوينات واللوحات التجريديّة الزخرفيّة، وقد استعمل الملاط الإسمنتي الملون لتثبيت عناصرها، ما يؤمّن لها ديمومةً واستمراريّةً، كما قام الفنانون الذين أنجزوها بتحريك نهاية السور العلوي من خلال مجسمات مُشكّلة من البلوك المرشوش بالإسمنت الملون، جاءت على هيئة مثلثات ومستطيلات مفتوحة إلى الأعلى لكي تتشابك مع السماء، وتحرك رتابة خط السور العلوي، كما تم ربط الأبواب والفتحات الموجودة في السور بتشكيلات فنيّة مشابهة لتلك الموجودة في اللوحة بحيث تشكل وإياها وحدةً فنيّةً متكاملةً.
وبكل المقاييس تُعدّ هذه التجربة الفنيّة هامة وجديدة ونوعيّة، ولأن القائمين عليها ينوون تعميمها على مطارح عديدة في دمشق، فإن هذا النوع من الثقافة البصريّة المتعددة الأغراض والأهداف والغايات: الوطنيّة والبيئية والفنيّة، سوف يساهم في تطوير الذائقة الجماليّة لدى قطاع واسع من الناس، غير أنها بشكل عام جاءت مرتجلة، فجّة، ومزحومة، وغير منسجمة مع محيطها لكثرة ما أُلقي فيها من نفايات، أساءت كثيراً إلى فنيّتها وجماليتها. ولهذا يجب دراسة مكانها ونوعيّة المواد والخامات المستعملة في تنفيذها، وحقن تكويناتها الفنيّة المزحومة بالعناصر والأشكال بفراغات تريحها، وتخفف من وقعها الفج في عين المتلقي.
من جانب آخر، شهدت محترفات كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق في وقت سابق، ورشة عمل لتدوير النفايات في الفن، حملت عنوان (الفن المعاصر من خلال إعادة التدوير لبيئة أفضل) وذلك ضمن إطار النشاطات الثقافيّة المحليّة والإقليميّة التي تموّلها وترعاها جزئياً بعثات عالميّة في سوريّة. وهدفت الورشة إلى التعريف بالقدرات الإبداعيّة لطلبة الفنون الجميلة، وبعض الفنانين التشكيليين المحترفين في سوريّة، وبالتالي تعزيزها عن طريق تحفيزهم وتشجيعهم على استخدام مواد وخامات جديدة للتعبير عن أفكارهم وانطباعاتهم عن العالم المحيط بهم، وأكدت الورشة أن غالبية هذه المواد والخامات يجب الحصول عليها من النفايات أو القمامة أو نواتج النشاطات الصناعيّة والزراعيّة أو غيرها من المهن التي تنتج عنها مخلّفات يمكن إعادة استعمالها بهدف التقليل ما أمكن من تلويثها للبيئة في حال تراكمها في هذا المرفق الحياتي أو ذاك.
أهداف ونتائج
تهدف ورش العمل هذه إلى تركيز وتسليط الضوء على جانب مهم من البيئة هو: إعادة التدوير أو الاستعمال لكميات كبيرة من النفايات التي يمكن الاستفادة منها، والتي تساهم بتراكمها في زيادة الضغط والعبء على النظام البيئي من خلال زيادة الوعي، وتنبيه المواطنين والفئات المشاركة لأهمية آليات ووسائل التدوير على البيئة، وإمكانية تحقيق جمالية خاصة في الأعمال الفنيّة التي يمكن إنجازها وتنفيذها من مواد مجانيّة أو رخيصة جداً تُستخلص من القمامة ومخلّفات المصانع والورش المهنيّة المختلفة أو النفايات البلديّة، الأمر الذي يساهم في إيجاد ذائقة فنيّة وحساسيّة جماليّة جديدة لدى الناس تجاه الفن بشكل عام ومثل هذه الأعمال بشكل خاص. كما تساهم مثل هذه التجارب في تعزيز وتحسين تقبّل سلوك التدوير بين مختلف شرائح المجتمع، ما يؤدي على المدى البعيد إلى تخفيض ملحوظ في أحجام تأثيرات الكميات الضخمة من النفايات والقمامة اليوميّة الناجمة في أرجاء البلاد كافة.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة