الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 96 تاريخ 15/6/2017 > نجاح حفيظ.. نبضُ الذاكرة.. فليكنْ ذِكرُكِ مؤبداً
نجاح حفيظ.. نبضُ الذاكرة.. فليكنْ ذِكرُكِ مؤبداً

جهينة ـ فؤاد مسعد:

لأنها ليست مُنتجاً أو نجماً (بيّاع) على المحطات، وأيضاً ليست أماً لمنتج مهم أو مخرج مشهور، وبالتالي فإن حضور جنازتها لن يأتي لهم بعمل جديد أو بعلاقات يمكن أن يعمّقوها ليحققوا مصالحهم هنا وهناك، ولأنها لم تكن تتبع لشلة معينة، ولأنها.. ولأنها.. اكتفوا بنعيها وتشييعها على صفحات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت (فيسبوك) فبكوا ورثوا، ولم يعرفوا أن مشاركتهم في تشييع جثمانها الطاهر شرفٌ لهم بأن يسيروا للمرة الأخيرة خلف نعش واحدة من أهم نجمات سورية لعقود طويلة، ولمن بقيت في الذاكرة الجمعية العربية منذ أعمالها الأولى وحتى الآن، لأنها فنانة أصيلة أعطت من قلبها وتعاملت مع زملائها وزميلاتها بحبٍ وودٍّ.

فنّانة الشعب
هي الفنانة الكبيرة نجاح حفيظ التي شُيّع جثمانها الطاهر ظهر يوم الأحد (7 أيار 2017)، حيث ارتسمت الدمعة على محيا محبيها الذين حضروا الجنازة، لم يكن موكباً يوازي اسمها وقيمتها، ولكن كثيرين تسلل الحزن إلى قلوبهم لفقدهم فنانة عاشت معهم ولسنوات طويلة من خلال الشخصيات التي أدتها، وهنا لسنا بصدد اللوم والعتب، فلكل ظروفه، ولكن الوجع لمشهد كنا نأمل أن يكون مختلفاً. والمفارقة أننا لو عدنا إلى العديد من نجومنا الكبار الذين رحلوا عنا لوجدنا أن موكب تشييعهم لم يكن أكبر، والأمر ينسحب على نجوم رحلوا في مصر ولبنان أيضاً، ولكن كما يقول المثل (هذه هي الحياة ..)، وهنا حدود الزمالة والصداقة والمحبة والوفاء.
تاريخ فني
ما حدث في جنازة الفنانة الكبيرة لم يكن أول المطاف، فقد غابت نجاح حفيظ عن الأعمال الدرامية، ولم تعد تُسند إليها الأدوار، فبقيت في الظل لسنوات، وكانت قليلة الظهور، ليس لابتعادها أو لأنها لا تريد العمل وإنما لأنهم لم يطلبوا منها العمل، وهي من الفنانات اللواتي يفضلن الجلوس في المنزل على أن يطلبن المشاركة في عمل ما، والسؤال المؤلم: أمِنَ المعقول أنه ليس من دور كان يناسبها من سيل ما كان يُقدم.. وهي الفنانة التي أعطت من روحها الكثير لشخصيات كثيرة ومتنوعة، لا بل حفرت في قلوب الناس بشخصية باتت واحدة من كلاسيكيات الشخصيات الدرامية (فطوم حيص بيص)؟!.
نجاح حفيظ التي غيّبها الموت بسطوته وجبروته، لن يقوى على تغييب تاريخها الفني الحافل بالعطاء، فبرحيلها تودّع الحركة الفنية في سورية واحدة من القامات الشاهقة التي أعطت من دفق قلبها بلا حدود، نال منها الموت جسداً، لكنه لن يستطيع الاقتراب من ذاكرة وتاريخ ذاخر امتد عقوداً، وما أشد الحزن الذي يكتنف النفوس عندما يترجل الكبار ويخطفهم الموت، هؤلاء الذين حفروا عميقاً في نفوس الناس ووجدانهم، سطّروا عبر ما قدموا أعمالاً لها خصوصيتها وبصمتها التي لا تُمحى في الحراك الإبداعي.
مما لا شك فيه أن الكلمات في مثل هذه المناسبات تخون صاحبها، وغالباً ما تأتي أقرب للبعثرة ولكن في مجموعها تشكل حالة حب ووفاء لفنانة أعطت بصدق وحب لفنها وجمهورها، لقد كانت محبتها للآخرين تفوح كعطر ياسمين الشام بطيبة وعفوية وقلب كبير، ذلك العطر الذي يصعب تجاهله إن حلّ في مكان لما يمتلك من سمات تجعل من صاحبه إنساناً بكل مقاييس الإنسانية وفناناً يعطي من قلبه وذاته الكثير.
انطلاقة دمشقية الهوى
الاسم نجاح حفيظ، من أصل ليبي، مواليد دمشق عام 1941، وهي ابنة حي الصالحية، انطلقت في مسيرتها الفنية منذ عام 1966 معلنةً التحدي في مجتمع كان من النادر أن تخرج منه فتاة لتقول إنها تريد التمثيل، شاركت في عدد من الأعمال إلى أن انتقاها المخرج خلدون المالح لتجسيد شخصية (فطوم) في مسلسل (صح النوم) عام 1974 ليكون نقطة تحوّل في مسيرتها بكل ما حفِلَ به من مقولات ودلالات وبساطة وعمق وغوص في وضع البلد وفي البيئة الشامية العفوية، وقد حفرت في الذاكرة منذ تلك المرحلة أغنية (فطوم فطوم فطومة.. خبيني ببيت المونة..) التي غنّاها لها (غوار الطوشة) في العمل، هذه التجربة التي جمعتها مع ياسين بقوش ودريد لحام ونهاد قلعي وناجي جبر، تكررت في العديد من الأعمال الأخرى. وقد شكلت شخصية (فطوم) بكل غناها وبساطتها مرآة تعكس وجهاً آخر للمرأة، فعلى الرغم من البساطة التي ظهرت عليها الشخصية إلا أنها في حقيقة أمرها كانت معقّدة في تركيبتها، فهي أنثى تتمتع بسلطة لأنها صاحبة فندق وتديره بقوة وحزم وسط مجتمع ذكوري، كما أنها امرأة بكل ما فيها من أنوثة تحب وترغب بالارتباط والزواج، يضاف إلى ذلك كله الحس الكوميدي الذي صبغ الكثير من تصرفاتها ومواقفها، هذه الخلطة الساحرة قُدمت ضمن لبوس شعبي قريب من الناس ويلامس نبضهم ويحكي بلسان حالهم، ومما لا شك فيه أن النجاح الذي تحقّق في هذه الأعمال التلفزيونية شكّل حافزاً لنقلها إلى السينما وتقديم أفلام ضمن التوجه والإطار نفسه وضمن شخصية فطوم.
دور الأم
اشتهرت الفنانة نجاح حفيظ بتأدية دور الأم، وخاصة تلك التي تحمل في قلبها الألم والحزن وتنضح عيناها محبةً وحناناً، وعلى الرغم من أن الله لم يرزقها بطفل إلا أنها كانت تقدم كل مرة دور الأم بإطار مختلف ومُشبع بالأحاسيس الصادقة الدافقة من عمق القلب والوجدان، وعُرف عنها أن دمعتها كانت سخيةً جداً، ففي المشهد الذي يتطلب منها البكاء لم تكن تحتاج إلى دموع اصطناعية، فيكفي أن تبدأ بتجسيد المشهد حتى تنزل دمعتها الحارة الحقيقية متفاعلةً مع ما تُقدم،
إذ إن شخصية الأم التي قدّمتها لم تقتصر على الأعمال الدرامية التلفزيونية، فنبض إحساسها انتقل أيضاً عبر أثير الإذاعة من خلال أعمال درامية وقفت فيها وراء الميكروفون لتوصل شعور الأم الحقيقي بكل ما يختلج من مشاعر عبر صوتها فقط.
أعمال خالدة
تعدّ نجاح حفيظ من الجيل الذي لم يطفُ على السطح وفي فمه ملعقة من ذهب، وإنما هي من الجيل الذي حفر الصخر ليؤسس ويضع حجر الزاوية لبناء فني شاهق البنيان، فقد عملت بجدٍ واجتهاد وحصدت النجاح، لأن ما يخرج من القلب إلى القلب يصل، وقد حققت الكثير من الأعمال خلال مسيرتها، فشاركت في أكثر من ثلاثين فيلماً سينمائياً، نذكر منها: (اللص الظريف) عام 1968، (لعبة الشيطان) 1966، (الليالي الملتهبة) 1960، (خياط السيدات) 1969، (الثعلب، قطط شارع الحمرا، امرأة تسكن وحدها) عام 1971، (زواج بالإكراه، المخدوعون، مقلب حب، العالم سنة 2000، رحلة عذاب) عام 1972، (شقة للحب، عروس من دمشق، وجه آخر للحب) عام 1973، (فاتنة الصحراء، عنترة فارس الصحراء، غراميات خاصة، النصابين الخمسة، غوار جيمي بوند) عام 1974، (عندما تغيب الزوجات، عرس التحدي، صح النوم، أموت مرتين وأحبك، الحسناء وقاهر الفضاء) عام 1975، (زواج على الطريقة المحلية) 1978، (الحب المزيف) 1980، (أمطار صيفية) 1984، (ضياع في عيون خائبة) 1989، (سواقة التكسي) 1989، وفيلم (حراس الصمت) 2009 من إخراج سمير ذكرى وأدت فيه دور الأم الحنون.
كما حَفِلَ سجلها ضمن إطار الدراما التلفزيونية بالعديد من الأعمال، منها: (الرهان، ملح وسكر) عام 1973، (صح النوم) عام 1974، (فوزية، تجارب عائلية) عام 1981، (لك يا شام، شجرة النارنج) 1989، (هجرة القلوب إلى القلوب) 1990، (البديل، بسمة الحزن، درب التبان، أحلام مؤجلة) 1992، (الجذور لا تموت) 1993، (نهاية رجل شجاع) 1994، (المحكوم، أهلاً حماتي، يوميات أبو عنتر، اللحظة الأخيرة) 1996، (الفراري) 1997، (دوائر الضياع، البحر أيوب) 1998، (رقصة الحبارى، أزهار الشتاء، زمن العطاش، ثلوج الصيف) 1999، (أنت عمري، الخوالي) 2000، (عش المجانين) 2001، (وردة لخريف العمر، صراع الزمن) 2002، (حكاية أم، الياسمين والإسمنت، أبو المفهومية، الهروب إلى القمة) 2003، (قتل الربيع، مرزوق على جميع الجبهات) 2004، (حاجز الصمت) 2005، (الأستاذ) 2006، (أهل الراية، الخط الأحمر، ليل ورجال) 2008، (آخر أيام الحب، هدوء نسبي، تعب الليالي) 2009، (شاميات، ساعة صفر، الخبز الحرام، البقعة السوداء) 2010، (أيام الدراسة) 2011، (فتّت لعبت) 2013.
وإضافة إلى ذلك كله كانت لها مشاركاتها في الإذاعة عبر عدد من التمثيليات والمسلسلات، من أبرزها سلسلة (حكم العدالة).

قالوا في رثائها
عبّر الكثير من المبدعين عن حجم الخسارة برحيل الفقيدة الكبيرة، فكتبوا على صفحاتهم في (فيسبوك) يرثونها بألم، ومنهم الفنان عارف الطويل الذي كتب بداية: (عشنا معك تاريخاً من الفن والكوميديا السورية.. وأعلم أنك رحلتِ وفي قلبك غربة وحزن)، ولكن بعد مشاركته في التشييع ودهشته من عدد المشاركين فيه كتب واصفاً ما رأى في تشييع واحدة من أعمدة الفن التلفزيوني في سورية: (نجاح حفيظ.. نحن آسفون).
كما أن الفنان فراس إبراهيم المقيم في الخارج حالياً، كتب عنها قائلاً: (تشاركنا عشرات الأعمال وكُنت بالنسبة إلي الأم والأخت والصديقة التي تنثر البهجة في كل مكان.. نجاح حفيظ لن تسعفني الكلمات لكي أرثي قامةً باسقةً بحجمك ومكانتك وموهبتك الأصيلة، سامحيني لأنني لم أكن في وداعك لوجودي خارج دمشق، لك الرحمة ولنا الصبر والسلوان). وكتب الفنان عدنان الشماط من مغتربه بعد الجنازة: (سامحينا على قلة الوفاء) ، أما الكاتب غسان شهاب فقال: رحمكِ الله وغفر لكِ وأسكنك فسيح جناته، ولا تزعلي مما حدث في تشييع جثمانك الطاهر، لأنهم (هم، وهنّ) مَنْ شيّعوا ضمائرهم ومشاعرهم الإنسانية بغيابهم عن وداعك يوم الرحيل.
المخرج السينمائي سمير ذكرى، كتب شهادته بها على صفحته قائلاً: ذِكرُها سيبقى خالداً إلى الأبد، منذ فيلمي الأول (حادثة النصف متر) استضفت السيدة نجاح حفيظ لتمثل دور الأم في الفيلم، ومن ثم عملتْ معي في فيلمي الأخير (حراس الصمت)، لقد أدهشتني منذ اللحظة الأولى بموهبتها الطبيعية وسرعة بديهيتها وذكائها وحُسن علاقتها بالآخرين، هي التي لم تنل من الدراسة والعلم إلا الشيء اليسير، نجاح حفيظ نموذج للعبقرية السورية سليلة آلاف السنين من الحضارة!.. خسارة كبيرة، فقدانها يصعب تعويضه لكنها لن تغيب عن أعيننا بأعمالها المتنوعة في السينما والمسرح والتلفزيون.
بدورها الكاتبة ابتسام أديب كتبت قائلة: (فطوم حيص بيص، تربينا على صدقها وأول نجمة شعشعت في حياتنا، لروحك السلام)، وكتبت الفنانة أمل عرفة: (ذاكرتنا ممتلئة بحضورك، نجاح حفيظ خسارة كبيرة)، والفنانة ريم عبد العزيز كتبت متأثرة: (الكبار يغادروننا)، أما الفنانة سوزان نجم الدين فقالت: (كم نحزن لفراقك وفراق كل الأحبة)، وقالت الفنانة ريم نصر الدين: (رحلتْ فطوم مثلما رحل جميع أبناء الزمن الجميل، رحلوا جميعهم إلى زمان ومكان يليق بهم ويليق بدفء أرواحهم.. الله يرحمك، مكانك يشبه كل شيء حلو وقديم مستحيل أن يروح).
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة