الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > غرف الأطفال.. بين الفن والتصميم حلول جمالية تحاكي العالم المرئي للطفل
غرف الأطفال.. بين الفن والتصميم حلول جمالية تحاكي العالم المرئي للطفل

د. حسام دبس وزيت

يجسّد الفن إحدى اللغات البصرية المتقدمة لدى الإنسان، وهو بالضرورة لغة تشكيل ولغة تعبير، وهذه اللغة تعيد رسم الصورة الذهنية أو الانطباع لدى المصوّر أو النحّات، أما المصمم عامة والمصمم الداخلي خاصة فهو يقوم بوضع إطار معرفي ووظيفي لمجمل تلك الصور، ويعيد إنتاجها في الفراغ. كما أن التصميم أو الفن الذي يخاطب حواس والطفل وذهنه يجب أن يقوم على معرفة جيدة بالعالم الذهني والمعرفي والبصري وكل محددات الاستجابة الإدراكية لديه في مراحل عمرية مختلفة، وأن العلاقة بين مستوى الوعي الذهني لدى الطفل وبين القيمة المعرفية التي يملكها الكبار تعدّ التحدي الأكبر لدى كل فنان أو مصمم يريد أي يعرض أو يقدم نتاجه إليه سواء أكان الهدف جمالياً أم وظيفياً.
لقد جذب عالم الطفل العديد من الفنانين والمصممين، الذين قدموا عدداً كبيراً من الحلول الإبداعية التي تحاكي العالم المرئي للطفل، وتطبع الذاكرة البصرية لديه، وهذه الحلول، وإن تمايزت فيما بينها، ارتكزت في معظمها عملياً على الاستعارة من عالم الخيال والقصص المحببة عنده، والذي يتجسّد في عدد من الشخصيات الكرتونية التي تعرض عليه في الفضاءات السمعية والبصرية والرقمية منها خاصة.


لون وخط
يعدّ اللون من أهم العناصر البصرية التي تلفت انتباه الطفل وتثير حواسه، حيث يكون اللون هو المحفّز البصري الأول له بعد السمع، والذي يساهم في ترجمة أسهل للعالم المرئي لديه، حيث تعمل الألوان كإشارات بصرية وتشكل قواعد لإدراك المفردات والجمل والعلاقات للأشياء من حوله. وهنا يأتي دور المصمم أو الفنان في الاستفادة من عنصر اللون في التحديد البصري لمجمل الخطوط والأشكال التي ينتجها في عمله الفني المصمم، بعد أن يضبط الأهداف المعرفية أو السلوكية التي ينشدها في تحقيق الاستجابة المرجوة عنده، إذ إن توظيف عنصر اللون في التصميم الداخلي للأطفال يقوم على منظومة من المجموعات اللونية المتمايزة فيما بينها، وبالتالي يتم استخدام الألوان الصريحة والمشبعة لونياً من دون اللجوء إلى الألوان الممزوجة أو إلى المنظومات أحادية اللون. وبدورها يكون للخطوط والأشكال البسيطة في التصميم الأثر ذاته في التأكيد على البساطة والصراحة في هذا التصميم بحيث تكون أكثر حضوراّ وفاعلية في زيادة الاستجابة الحسية الجمالية لديه.
مرونة ونشاط
إن التصميم الفني لغرف الأطفال يجب أن يعتمد على المرونة في الحركة والتنقل والتغيير، وأن يكون لهذا التصميم هامش مقبول لإعادة تنظيم هذه الغرف وضبط العناصر فيها، ولا مانع من ترك فضاء من التعبير الذاتي للطفل ليقوم بنفسه بعملية إعادة نظم أو تحريك بعض عناصر الفراغ من أثاث وإكسسوارات بهدف تعزيز شخصيته وانتمائه للمكان، إضافة إلى الارتقاء بمستويات إدراك الطفل من اللون والمساحة والشكل والخامة، والسعي إلى تطوير مهارات البناء التشكيلي والبصري لديه.
ويبرز التحدي الآخر لدى المصمم في عملية فهم طبيعة النشاط الحركي لدى الطفل في الفراغ، وبالتالي ضرورة المواءمة بين المتطلبات الوظيفية الأساسية في غرفة الطفل في تأمين مكان اللعب وركن الدراسة وسرير النوم، وحاجته الماسة إلى إيجاد عالم خاص به يزيد من إحساسه بكينونته وتفرّده، ويدعم في الوقت ذاته البناء أو التكوين الأساس في شخصية هذا الطفل مستقبلاً.
لعب وتعليم
كما هو معروف لدى الاختصاصيين في مجال تربية الطفل فإن عملية التعليم لديه ترتبط في الغالب بموضوع اللعب، لذا كان من الضروري بمكان أن يتم تصميم ألعاب الأطفال وفق معايير تساهم في تطوير مهاراتهم وقدراتهم المعرفية، وهنا نعيد التأكيد في موضوعنا هذا على أهمية تصميم الفراغات الداخلية للأطفال وفق هذه المعايير نفسها، أي أن تبنى فكرة التصميم بالأساس على منظومة تعليمية تساهم الصور والألوان والخطوط فيها في تعزيز دور هذا التصميم في التأكيد أو إعادة الإنتاج لقواعد معرفية جديدة عند الطفل.
تجربة وتذوّق
من الجدير بالذكر أن عملية التذوق الجمالي لدى الطفل مختلفة كلياً عنها لدى جمهور الكبار، إذ ترتبط عملية التذوق هذه أكثر بالتجربة الجمالية أكثر ما ترتبط ببنية فكرية أو فلسفية أو مرجعية ما، حيث تخضع كل القيم البصرية لمدى ملاءمتها لما يختبره الطفل من حوله، والرابط هنا في الغالب هو الذي يعزز ما هو مرغوب أو محبّب لدى الطفل، فالمكونات البصرية التي تُعرض عليه جميلة بقدر ما تعيد إليه الذاكرة لشيء سبق واختبره وأثار اهتمامه.
قيمة وجمال
تعمل البيئة، التي تتضمن وعياً تاماً بالمفردات الثقافية والتعليمية والاجتماعية، على إحداث قيمة إيجابية وفارق مهم في عملية تربية والطفل وتنشئته، وهذه البيئة لا بد أن ترتبط بالأساس بالمكوّن البصري الذي يحيط به، والذي يعمل على تفعيل نظام علامات يساهم في تطوير قدراته الإدراكية، ويرتقي بمستويات الوعي الفني والجمالي لديه. ولابد أيضاً من التأكيد على أن يرتبط أي عمل فني أو تصميمي للأطفال، وخصوصاً في مجال التصميم الداخلي، بوعي وفهم كاملين بعلم نفس الطفل ومحدثاته، وأن يُعهد هذا العمل التصميمي بعد الانتهاء منه إلى الاختصاصيين بعد الانتهاء منه من علم النفس والاجتماع لدراسته وتقييميه قبل وضعه قيد الاستخدام الوظيفي عند الطفل.
وأخيراً، لابد لنا من التأكيد في عرضنا هذا على أن الهدف الأساس في ضبط النتاج التشكيلي والبصري الذي يختبره الطفل، ليس العمل على تأطير أو تحديد مجالات الإبداع عنده، وإنما هو عملية تحرير للفكر في مقابل مستوى أعلى من الاهتمام بالصحة النفسية له، وانعكاسات الفن وتصميم الفراغ بأبعاده الثلاثة على بناء المهارات والبنى المعرفية لديه، وبالتالي أن نعمل على إيجاد لبنة في عمارة مجتمع أكثر إنتاجاً وإبداعاً، وأكثر وعياً بقيم الثقافة والجمال والفن.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة