الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > (الألغارشية) الخليجية.. بين حلم القوة ووهم الاستقواء
(الألغارشية) الخليجية.. بين حلم القوة ووهم الاستقواء


تقودُ احترافيةُ السياسة وممارساتها في الغالب إلى سقطات كثيرة، نتيجة حلمٍ يقود إلى تهوّر أو وهمٍ يقود إلى خطأ لا محالة، أو رغبةٍ تضخّمت حتى عادت مرضاً أو شعوراً باستقواء يقود إلى خواء، وفي كل هذه الحالات هناك تشخيص خاطئ وعدم رؤية لحركة ومسارات السياسة بشكل عام، فالسياسة قدرةٌ ورؤيةٌ وتقديرٌ، وعلمٌ ومنهجيةٌ وتدبيرٌ، تعتمدُ فيها مصالح البلاد والعباد، ولا يصلحُ فيها التمنّي ولا الرغبات، ولا تجدي أحلام القوة من دون مرتكزات، ولا أوهام استقواء من دون إمكانية، لذلك فإن أول ما يقود السياسة إلى فعل صحيح هو أن تمتلك الرؤية الصائبة والإدارة الناجحة والمبنية على قواعد مؤسساتية سليمة كي تنتج قراراً واضحاً بعيداً عن التهوّر أو مقاربته، وبالتالي لا بدّ للسياسة من مرتكزات مؤسساتية تراتبية لا ألغارشية.
و(الألغارشية) في السياسة هي عجز وتردٍّ، لأنها غير قادرة على أن تحقق فعلاً على الأرض بسبب بنيتها وتركيبها، ولأنها بالأساس غير مرتبطة بواقعها، وهذا- أي عدم الارتباط- يجعلها تبقى بعيدةً عن هذا الواقع، فلا تشعر بمعطياته، ولا تفهم تقديراته، ولا تعترف بطموحاته.
وإذا كان مصطلح “الألغارشية” يشكّل توصيفاً دقيقاً للشكل السياسي الذي بُني عليه ما يسمى نظام دول الخليج، فلأن - ومن دون تجنٍّ على هذا النظام- أية دولة من دول الخليج لا تمتلك أي شكل من أشكال النظام المؤسساتي، ولا تمتلك أيضاً أي أساس ديمقراطي أو ديمقراطي شعبي، أو حتى الشكل الدستوري، وإنما آلت أنظمة الخليج برمتها إلى (ألغارشيات) ضيّقة وصلت حداً فاضحاً في الفكر السياسي. ولكي يكون التوصيف دقيقاً لا بدّ من الوقوف على معنى الألغارشية أولاً، ومن ثم نرى هل ينطبق هذا المصطلح على النظام الخليجي أم لا؟
فالألغارشية بمعناها الدقيق هي حكم “قلّة” وليس حكم “أقليّة”، وذلك بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، والقلّة هنا تعني طبقةً أو شريحةً أو “عائلةً”، أما “ الأقليّة” فتعني جماعةً من الناس دينية أو مذهبية أو إثنية.. إلخ.
وبناءً عليه، فإن الألغارشية تعني ضمن السياق سياسة التسلّط والاستبداد التي تحدّ من التعبير الديمقراطي للمواطنين، والتي تضع بينها وبين الدولة كذلك حاجزاً من الامتيازات الشخصية التي تخذل بها، وبصورة نسقية، نزعات الجمهور التحررية، لأنها تُغذى بشعور القرابة والوحدة العائلية.
إذاً، فالألغارشية ضمن هذا المفهوم لا تشكّل أطراً للترقي الفكري ولا السياسي، ولا تبحث عن أي شكل من أشكال الترقي الاجتماعي وحتى الأخلاقي، بل على العكس من ذلك فهي تكون قد تدّنت فيها الدولة إلى مستوى العشيرة أو العائلة أو ما يدعى
(الدولة القبلية)، وإذا وصلت الدولة إلى هذه المرحلة تصبح وكالة رعناء لحماية امتيازات واستثناءات غير شرعية، ما يلغي المجتمع، ويختصر مصالح الدولة بمصالح العائلة أو العشيرة “الألغارشية”.
أما الألغارشية الجديدة، وهي التي تمتلك السلطة والثروة معاً والتي يمثل النظام الخليجي خير نموذج لها، فقد نزعت إلى استخدام السلطة العارية لحراسة الفاحشة، وذلك من أجل دوامها الذاتي بعيداً عن بُنى المجتمع والدولة.
من هنا، جاءت أولويات هذه الألغارشية منطلقةً من أولويات الذات السلطوية، وبناءً عليه فإن على البنى الاجتماعية أن تكون في خدمتها وتأمين مصالحها وامتيازاتها من أجل زيادة فُحشها ووحشيتها، ما يوصلها إلى حالة التسلّط الضيّق الذي يفضي إلى الفصل الكلي بين هذه “القلّة” وبين الجماهير.
وعليه، فإن ما تمارسه هذه “القلّة” الخليجية هو حالة عداء داخلي لمجتمعاتها لكونها أصبحت غريبةً عنها، وكذلك حالة استعداء حاقد على الأمة العربية، لأن مصالحها وانتماءاتها أصبحت تتناقض مع مصالح وانتماءات الأمة العربية، وبالتالي لم تعدْ هذه الحالة حالة “عداء” وإنما حالة “استعداء”، أي حالة طلب استجلاب الأجنبي من أجل إفراغ حقدها وشرورها لكونها عاجزةً عن القيام به بمفردها نظراً لعدم امتلاكها قدرات خاصةً بها، فيصبح الاستقواء بالأجنبي هدفها، وهذا الهدف سيحوّل هذه الألغارشية إلى أدوات طيّعة بيد الأجنبي الذي يُملي عليها أوامره وهي تنفّذ ما يريد، وهذا حال حكام خليجنا!.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة