الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > الحُبُّ.. شكلُ الحياةِ ولونُها
الحُبُّ.. شكلُ الحياةِ ولونُها
د. محمود شاهين

هذا السرُّ الغريبُ العجيبُ الذي ما أُكتنه ولا سُبر بعد: من أين يأتي؟ وكيف يأتي؟ وما شكله؟ يعيشه الإنسان منذ صيرورته الأولى، يعيشه الحيوان والطير والشجر والزهر وعشب الحقول، تعيشه الفصول وكل هذا المدى الممتد من الوجود، تعيشه الحياة! كل شيء يشيخ، وهذا الحرون الوسيم لا يشيخ! كل شيء سُبر كهنه، وهذا المتمرد المستعصي ما عُرف بعد على حقيقته! هو كالعاصفة، يأتي من دون ميعاد، يسكن أرض قلبين، فتعطي تارةً خصباً وفرحاً وأولاداً وسعادةً وحياةً هنيةً رضيةً، وتارة أخرى يباباً وجدباً وحزناً وألماً وعذاباً وتعاسةً! ناعم أملس كالزئبق، يتسلل من دون إذن، يضرب ضربته ويمضي، فتشتعل خلفه الحرائق، أو تنتشي في مسافات خطواته حقولُ القلوب المجدبات الحزينات! خجول كعذارى بلادي المصلوبات خلف نوافذ البيوت العتيقة يزرعن الزهر، وينتظرن قدومه.. وجريء كعذارى البلاد البعيدة المزروعات على الطرقات، ومحطات القطارات والباصات والميترو، وفي الشوارع والحدائق والأسواق، يقطفْنه من دون خوف أو وجل، ويشربْنه حتى الثمالة من دون ارتباك أو تردّد أمام الرائح والغادي والصغير والكبير!.

قِيلَ عنه الكثير، وسيقال عنه الأكثر.. وهو ما زال كما هو: لا تغيّر، ولا تلوّن، ولا اختلف، ولا تبدّل تبديلاً. يمنح قِدمه للأرض الخصبة فيحيلها جدباً، ويمنحها للأرض اليباب فتشتعل خصباً.
لا زمن لقدومه ولا فصل: يأتي متى يريد، ويرحل متى يريد، لا شكل له ولا لون، كل الأشكال هو، كل الألوان هو، من دونه الحياة مجدبة، ومعه الحياة مجدية، يَتعبُ الجميع وهو لا يتعب، يَشيخُ الكل وهو لا يشيخ، ينتهي البشر وهو لا ينتهي! ما شكله؟ ما لونه؟ في أي الأزمنة يأتي؟
أسئلة معلّقة
لا جواب حتى تاريخه عن مثل هذه الأسئلة، فقد حاول الشعراء أن يكتبوه كلمةً ونصاً فما استطاعوا.. حاول الفنانون أن يرسموه: خطاً ولوناً وحركةً ولحناً وصورةً وإيماءةً وكتلةً في فراغ فما استطاعوا.. حاول المفكّرون والفلاسفة والأطباء أن يسبروه: كنهاً وعمقاً وماهيةً فما استطاعوا!.
قالوا: يهوى سكنى القلوب فوجدوه في الخلايا.. قالوا: لونه أحمر فوجدوه في كل الألوان.. ترصدوه عند منعطفات اليفاعة والشباب فوجدوه في كل منعطفات العمر، بدءاً من الطفولة ثم اليفاعة والشباب والكهولة والشيخوخة.
لا يميز بين فقير وغني، ولا بين رجل وامرأة، ولا صغير وكبير.. يسكن من يريد، ومتى يريد.. يتلاءم مع كل الطقوس والمناخات والأزمنة والأمكنة، وحتى تاريخه ما عُرف عنه انتسابه لأمة محددة أو شعب بعينه، أو انتماؤه لحزب أو ملّة، أو تبنيه سياسة خاصة، ذلك أنه مدينة من السياسة قائمة بذاتها ولذاتها! كما أنه لا يُؤطر، لا يُعرّف، ومع ذلك يملأ شرايين الحياة بصخبه، وتعيش دورته كل الكائنات فوق الأرض! إنه الوجد، الهوى، الموافقة، العشق، الميل، الهيام، الانجذاب، إنه الحُبُّ، هذا الوجع اللذيذ _ القديم _ الجديد: شكل الحياة ولونها وطعمها، لا يتقادم عليه الزمن، ولا تملّ منه الكائنات.
أصوله
تشير القواميس إلى أن الجذر الثلاثي لكلمة الحب LOVE هو (حبَبَ) الذي يعني ودَّ، فالحُبُّ يعني الوداد، وهو نقيض البغض، أي المحبة والموافقة والميل إلى الحبيبة أو الحبيب، وهو الشخص المحبوب، أو هو موضوع الحب ذاته الذي يُعبّر عنه بمصطلحات متباينة تتعلق بمستواه وشدته، كالعشق والهيام والصبابة. وللمحبة في العادة أربعة ألقاب هي: الهوى، أي سقوط الحب في قلب المحب. والحب، أي وصول الهوى إلى القلب، والعشق ويعني الإفراط في الحب. أما الودُّ فيعني ثبات الهوى أو العشق أو الحب، وبشقيه الإيجابي والسلبي في قلب المحب أو الحبيب.
يرى معجم (لالاند) أن الحبُّ اسم عام مشترك بين كل الميول التجاذبيّة، وخصوصاً عندما لا يكون موضوعها الحصري تلبية حاجة مادية أو إشباعها: كالعواطف الأسريّة (حب الأهل للأولاد) والعواطف التكافليّة (حب الوطن، العصبية) والمنازع الفرديّة (حب اللعب، حب الأناقة، حب المهنة).
من جانب آخر، وحتى تاريخه، لم تستطع الدراسات النفسيّة تحديد الكيفيّة أو الآليّة، التي يتم من خلالها فعل الحب، وهل هو ذاتي أم اجتماعي؟ هل يولد مع الإنسان أم يكتسبه عبر التنشئة؟ ولماذا يكون الإنسان محباً ومحبوباً في آنٍ معاً؟.
نظريات وآراء
اختلفت الآراء وتعدّدت في تفسير آليّة وماهيّة وضرورة الحب، ومن ثم حاجة الإنسان إليه أو عدمها، فهناك من يرى أن الحبَّ لا يختلف عن أي حاجة مادية لازمة للإنسان أثناء حياته، تماماً كالماء والطعام، بدليل أن عدم حصول الطفل عليه من قبل والديه ومحيطه أثناء نموه يحوّله إلى كائن معطوب ومعقّد ومعاق، وقد يؤدي به الأمر إلى أن يفقد حياته، ما يؤكد حاجته الضرورية للإنسان من أجل سلامة صحته الجسديّة والنفسيّة، فالحب يشبع الناحيتين في الإنسان، ويرمم روحه وفكره، ويصون عواطفه وخياله، ويحفظ جسده من الأمراض، ويوفر الظروف المثاليّة لتعلّمه وإبداعه وإنتاجه ونجاحه في العمل والحياة.
من هنا، واعتماداً على هذه النظريّة، فإنه من المهم جداً إشباع حاجة الطفل واليافع والناضج والكهل من الحب لتستقيم حياته، فحاجة الطفل إليه أكثر من غيره لمساهمته في تكوين بنيته الجسديّة والنفسيّة خلال مرحلة تشكّلها، وجعلها سليمةً وصحيحةً خاليةً من الأمراض الماديّة والنفسيّة، إذ إن عدداً لا بأس به من الأمراض الجسديّة ذات منشأ نفسي (وهي الأخطر في حياة الكائن البشري)، وهذه حقيقة أكدتها الأبحاث والدراسات الفيزيولوجيّة والسيكولوجيّة.
وعلى هذا الأساس، يجب أن يتشبّع الطفل بعاطفة الحب والاهتمام والرعاية جنباً إلى جنب مع تشبّعه بالحليب في البداية، ثم بالطعام وباقي متطلبات استمرار الجسد بالنمو والحياة.
نظريات أخرى ترى أن الحب حاجة طبيعيّة تولد مع الإنسان، بحيث لا يمكن لأي كائن بشري أن يعيش بعيداً عن حبه للآخرين وتعاطفه معهم، وهذه الحاجة لا تقتصر على مرحلة عمريّة محددة، بل يحتاج إليها الإنسان في مراحل حياته كافة بدءاً من الطفولة وحتى الشيخوخة. كما ترى هذه النظريات أن لونه لا يقتصر على مجرد الحاجة الجنسية الموجودة هي الأخرى لدى الحيوان، لكنها لدى الإنسان تأخذ بعداً أرقى، مع تأكيدهم أن يقظة الغرائز الجنسيّة لدى الإنسان تساعد على تهيئة الجو المناسب والملائم لولادة الحب وحيويته واستمراره. لذلك كله يتجاوز الحب الحاجة إلى التناسل ليطول كيان الإنسان الجسدي والنفسي، التربوي والأخلاقي، الاجتماعي والوطني، ولأن الحبَّ يتم في الزمان فهو معرّض للموت، وهو أيضاً نسبي في شدته وقوته، في حضوره وغيابه، في حياته وموته، وأخطر أنواع الحب ذاك الذي يتحول إلى كراهية قاتلة.
تقبّل الآخر
يقول ماسلو (Maslow): إن الحبَّ هو قبل كل شيء تقبّل للذات، ثم هو تقبّل الآخر، ولا يعني التقبّل هنا أن يتغاضى الواحد عن عيوب الآخر، بل رؤيته كما هو في الواقع من دون أي محاولة لوصفه بما ليس فيه أو تجاهل صفاته غير المألوفة وإنكارها.
من جانب آخر، يختلف الحبُّ من عصر إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى أيضاً، فثمة مقوّمات عديدة تؤثر فيه: العادات، التقاليد، الموروث، العرق، الدين، الأخلاق، التربية، الثقافة، الحاجات العاطفيّة، والمناخ .. وغيره. وهو كما يراه العرب ثلاثة أنواع: الحبُّ الطبيعي الغريزي، والحبُّ الغريزي الخالص، والحبُّ الإلهي أو الروحي. وقد تناولته كتبٌ عدة، لعل أولها كتاب (الزهرة) الذي ألّفه محمد بن داوود الأصفهاني المعروف بـ(ابن داوود) الذي عَدَّ الحبَّ الشاكلة والموافقة والمجاذبة النفسيّة الروحيّة، وسلوكاً عقلياً تأملياً روحياً نفسياً يهدي الإنسان للسمو بعاطفته إلى المستوى الروحي.
ومن الكتب التي تحدثت عن الحب، كتاب (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف) لمؤلفه أبو الحسن الديلمي الذي يصنّف الحبَّ في خمسة أنواع هي: الحب الإلهي ويسعى إليه أهل التوحيد، والحب العقلي وهو هدف أهل المعرفة، والحب الروحي ويرتبط بخاصة الناس، والحب الطبيعي ويرتبط بعامة الناس، والحب البهيمي، وهذا الأخير لرذال الناس. أما الحبُّ عند إخوان الصفا فهو فضيلة أو أمر موجود في العالم وفي طباع النفوس، وهو قائم ما دامت الخليقة موجودة. وتناول ابن حزم الحبَّ في كتابه (طوقُ الحمامة في الألفة والآلاف) من زاوية نفسيّة تحليليّة متأثراً بأفلاطون. والمعروف أن غالبية الشعراء العرب، القدماء منهم والمحدثون، تناولوا الحبَّ في أشعارهم، وكان متبايناً ومختلفاً عندهم، ما دفع الدارس لتصنيف أشعارهم وفق نظراتهم إليه، فكان الشعر الغزلي العذري، والنسيب.. وغيره.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة