الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > الشاعرة ماريانا الحسني قرشولي: الشعرُ.. ريشةٌ خفيفةٌ على جرحٍ
الشاعرة ماريانا الحسني قرشولي: الشعرُ.. ريشةٌ خفيفةٌ على جرحٍ

جهينة-أحمد علي هلال

في رحلتها مع الشعر والحياة والدراما، تكثّف الشاعرة ماريانا قرشولي تجربتها بنزوع تأملي خالص يمزج التجربة بالوعي، ويشتق منهما المعادل الجمالي بمحكيات الواقع، والأدلّ هو محكيات الذات الشاعرة التي شكلت في أقانيمها الأربعة مرايا صافية لحبر متوثب يجهر بحريته، ويتعالق مع منظومة جمالية متسقة، تشي بروح الشعر الذي لم يأتِ مصادفة لتجربة مفتوحة ومازالت علاماتها تتواتر.. التقتها (جهينة) وكان لها معها الحوار التالي:

الشعر كبرياء الروح
اختيارك قصيدة النثر –هذا الجنس الإشكالي- هو نتاج نشأتك الأولى في عائلة مثقفة عمادها الشاعر والمحامي السوري الراحل عدنان قرشولي، والسيدة الفاضلة المربية عفاف ملا رسول، هل تعتقدين أن لتلك النشأة علاقة باكتشاف موهبة المبدع بالضرورة؟.
في المرحلة الإعدادية وتحديداً في الثاني الإعدادي كتبت أولى قصائدي على مرأى من مُدرستي في اللغة العربية (ملك الحافظ) التي كانت على وشك أن تغادر المدرسة، ولم يخطر بخلدي يوماً أن أتوسل ما يسمى التقعيد بالكتابة، وربما كتبت بضع قصائد عمودية مصادفة، وأنا التي كنت أجيد في موضوعات التعبير لأسكب فيها مشاعري، كما تجلى ذلك في نصوص كتبتها من دون أن أزعم أنني شاعرة، وقرأت الرواية الروسية بأقلام كتّاب عظام من أمثال ديستويفسكي وتشيخوف وغيرهما من الروائيين العالميين.. كل ذلك كان بتأثير غير مباشر من والديّ الراحلين، وهما قارئان بامتياز وهذا ما ترك أثره على ما تسميه ببذور الكتابة الأولى، لم أختر الذهاب إلى الشعر إلا كريشة خفيفة على جرح، أما الرواية فهي فائض بوح خلافاً للشعر الذي هو بلاغة الروح، فقد تقودنا مثلاً كبرياء الروح لنختصر بالكتابة على حرفين، وأحسب أنني الآن أكثر ميلاً للكتابة بعمق، أي أكثرَ بحثاً عن العمق.
*هل أنت مع فكرة أن الشعر هو صانع الأسئلة؟.
**الشعر هو قاموس الأجوبة، هو صانع الأجوبة، وعنده تنتهي عتبات الأنا والآخر والعالم، فهو حوار مع الكلي-الجمعي.
التشرّد المقدّس
عبر رحلتك في ميدان الشعر وما أنجزتِه من أعمال أدبية بوصفها علامات في مسيرتكِ الإبداعية، تُرى هل وصلتِ إلى مقاربة هذا الكوني، وكيف تجلى ذلك؟.
من البداهة بمكان القول إنه لا يصدر مطلقُ نصٍ عن ذات مبدعة إلا بوصفه مرآة لتجربة في الحب أو الموت أو السفر، فقد منحت ذاتي قدرةً على التحرر من القيود، سافرت كثيراً وتعرفت إلى العديد من الأمكنة ذات الفضاءات الرحبة، ولم أكن أسيرة الأمكنة الضيقة، وهكذا أدركت في السفر كلية الوجود، السفر هو كأنكَ عشتَ أكثر من حياة، إذن السفر: هو (التشرّد المقدّس)، بمعنى أن ثمة نزوحاً اختيارياً ليقبض المرء على حريته، ويدخل ملكوت الشعر الذي يملّكنا إياه السفر، فالشعر في هذا السياق يعطينا مفاتيحه وأسراره حينما نذهبُ إلى ملكوته طائعين، فهو (الملك) المتوج ليفتح لنا الكثير من الأبواب في الفن والتمثيل والإعلام وغير ذلك، فإذا اجترتَ أن تكون شاعراً فسيعطيك الشعر، والحياة تُملي علينا اختياراتنا بمحض إرادتنا.. وأذكر أنني في السنة الجامعية الأولى طُلبت للتمثيل، فاعتذرت لأن وقتي لا يتسع للأضواء، لكنني دخلت السينما من خلال فيلم (الكومبارس) كمساعدة مخرج وعملت ملاحظةً بالنظر، أن أرى كل شيء وألاحظه، بمعنى رؤية التفاصيل الدقيقة والصغيرة، ويومها قال لي مخرج الفيلم الراحل نبيل المالح بتعبيره: أنتَ الفتاةُ الصحُّ، أي في المكان الصحيح ربما.
ما الذي استفدتِه في تجربتك الشعرية من خبراتك الدرامية؟.
الشعر سرقني من السينما، فهو استنزاف للطاقة، وكيف تستثمر دهشتك الصباحية عندما يكون الحرف معادلاً لألف صورة، لعلّنا في الشعر وحده نمتلك أكثر من أداة للتعبير.
يقال عن العمل الأول إنه عتبة ضرورية للمبدع، لكنه لا يخلو من خطورة التجربة بوصفها تأسيساً أو مغامرة، كيف كان صدى هذا الديوان (معك أستطيع أن أكتمل)؟.
عندما نملك قرارنا ونوجهه إلى أهداف عليا، ليس بوسعنا أن نندم عليها، فلا بد من بوصلة للمبدع ليعرف أكثر، من أجل والدي –الشاعر عدنان قرشولي- جمعتُ كل أوراقي عام 1996، أي بعد عام واحد من رحيله، وقررتُ إرساله إلى وزارة الثقافة ليقرأني أهل الاختصاص، كأنطون مقدسي وغيره، وهو كان في دائرة التأليف آنذاك، فإذا لم يوافقوا على تجربتي أتوقف لأعيد النظر فيها، لكن الموافقة تمّت، وعدتُ من الكويت لأقتني نسختي الأولى، وقالت لي يومها الأستاذة روز مخلوف: إن الأستاذ أنطون مقدسي أبدى إعجابه الشديد بتجربتي، وكان يقرأ مقتطفات لمن حوله مشيداً بجمالها، لقد ترك ما كتبته انطباعاً لدى من قرأه وأجاز طباعته.
ثقافة المحو
بعد طباعة ديوانك الأول (معك أستطيع أن أكتمل)، ما الذي خرجتِ به لتدخلي في تجاربك الأخرى، وأعني أعمالك الأخرى؟.
الآن فقط أستطيع النظر إلى تجاربي السابقة نظرة أكثر ثقةً، صحيحٌ أنني لم أخطط للوصول إلى هذه اللحظة، وأحسب أن ما صدر عن ذاتي هو مشاعر ذات قيمة يمكن الحديث عنها، إذ من الطبيعي في سياق المراجعة والقراءة أن أمارس ما يسمى ثقافة المحو، فأنا جريئة في تمزيق مالا يلزم، وأتذكر أن الناقد الراحل صبحي محي الدين العجّان قال لي ذات يوم وفي أحد المنتديات الثقافية: )أنت تقصّين رقبة القصيدة قصّاً)، وأيضاً كتب الشاعر محمود درويش إثر تلقيه أحد دواويني: (لو كنت أعلم أن النثر سيكون بهذا الجمال لكتبته).. ومعروف أن محمود درويش قال في حواراته الأخيرة قبيل وفاته إن ما يكتبه الشباب، ويقصدُ قصيدة النثر، لأمر جميل ويستحق المتابعة، مبدياً تفاؤله بقدرة الجيل على التعبير عن ذاته بما امتلك من رؤيا.
اجتراحً الحياة
هل من الضروري أن يمارس الشاعر/ الشاعرة المبدعة رقابةً على القصيدة؟.
إذا كان لا وعي الشاعر غير ناضج فسيظهر ذلك، وأتساءل مثلاً عن قصيدتي هل تتجاوز المسموح به؟ وهل تقتربُ من غضب غير مقبول، أم تجترحُ حياة،؟ إذاً يرفض وعيي أن أكون (مباحةً) حتى ديواني الثاني (قلب من ورق الخرشوف) كان بسبب عاطفة، والأول كان بسبب والدي، أما الثالث (فراقيات في التشرّد المقدس) فهو بسبب وفاة والدتي، و(النصُ اللعين) الذي فررتُ من طباعته، فلا يزال لعيناً، لأنني لم أستطع جلبه من المطبعة، هو النصُ الكاشفُ للعنات، هو النصف الضائع، وبقدر ما يكون النصف ملعوناً يكون النصف الآخر مباركاً.
حالة حرية ولكن..
دخلتِ تجربة قصيدة النثر بإجماع النقاد، فهل مازالت هذه القصيدة الإشكالية قادرة على أن تقدم ذاتها بشكل صحيح؟.
إذا كانت الأرضية الثقافية ضعيفةً أو سيئةً، فإن قصيدة النثر ستهرب وتتطيّر إلى الفراغ، كيف وهي موجودة بالضرورة، وتسعى لتقدّم ذاتها بوصفها حالة حرية، ويجب أن تكون الثقافة المجتمعية حاملاً لها حتى تستطيع أن تستمرَ وتشقَ طريقها بين الأجناس الإبداعية الأخرى، فكل من لم يستطع كتابة قصيدة النثر يطعن بها من دون أن يجتهد أو يجترح في تصوره للجمال (فإذا لم يجدوا في الورد عيباً قالوا...).
تحت مسمى قصيدة النثر تدفقت كتابات كثيفةٌ بذريعة النص المفتوح ما رأيك؟.
هي في الأعمِّ الأغلب، وبصرف النظر عمّن يكتبها لا سيما من استسهلوا ذلك، كتابات مكشوفة، وليس بوسعها أن تعمّر طويلاً، وما يمكن قوله عن ظاهرة الكتابة النسوية في هذا الجنس بالذات سيحتاج إلى بيئة متحرّرة ومثقفة، وستحتاج إلى أعمدة مثل أعمدة بعلبك أو تدمر، فإذا أُزيل عمود واحد من تلك الأعمدة فستنهار حتماً.
عرّابو الاختلاف
هل علينا أن ننتظر الزمن في هذا الكم الهائل من كتابات الحرب؟.
لا قواعد للشعر جاهزة، وأيضاً نحن نعيشُ حرباً من طراز خاص، هي حرب النثر والشعر، حرب التنوير والظلام، فاستعارات الحرب كثيرة في سورية، دمشق آبدة من الأوابد لا يستطيع أحد أن يلغي مكوناتها الثقافية والحضارية، هي أرض رسالات وإبداعات وحضارة تكتنز بتخمّرها وتجمّرها، ولطالما كُتبت قصيدة النثر باللغة العربية من قلب إنسان دمشقي وبلغة الحياة، فهي ستستمر كدمشق تحت ضوء النهار.. وأعتقد أن وسطنا الثقافي ينبغي له أن ينجو من مركبات نقصه، فلا بدّ من حامل حقيقي للإبداع، فكل قلمٍ يحتاج إلى عرّاب يطوّره بعيداً عن استدخال التجارة في الثقافة.
هل وقفتِ عند آراء النقاد لتريّ مقاربتهم فيما كتبتِ؟.
تلفتني في ميراثنا العربي تجربة الصعاليك، الذين لم يأبهوا كثيراً لمن تصدّى لهم، وكذلك كـ(صعلوكة) أمضي إلى شأني وأدعُ الآخرين يتعرفون إلى الإبداع بوصفه ذاتاً مستقلة ومنذ زمن بعيد كانت أمي تقرأ ما أكتبه لصديقاتها.. وبوسعي القول إن نقّادي كانوا والدي وأستاذتي، ففي البداية ربما لم أعترف بالنقد، لكنّ ثمة نقاداً بثقافتهم الواسعة قادرون على اكتشاف الإبداع، وهكذا اكتشفتهم فشعرت بشيء من الرضا النسبي حول ما يكتبون، وأميّز بين من قرأ لي منهم ذات يوم في ديوان لي، فثمة من أخطأ في قراءة المفردات ولم يميز إن كان المقصود ذكراً أم أنثى، وآخرون انتبهوا فدللوا على وعيهم النقدي، ولذلك لا أقترب بجسدي الفيزيائي كصاحبة النص، بل أدع نصوصه لنقّادها، فهم من يقررون إن كنت مبدعة أم غير مبدعة، فالإبداع هو أسلوب حياة، وعندما أحتاج إلى الشعر أذهب إلى البحر أو إلى الجبل كملهمين لي، ولا أبقى حبيسة المدن المغلقة.. وعندي أن الشعراء هم (الرضوانيون) الذين يغذّون الروح الشعرية، ويصنعون الفرح، فالشعر هو ريشة الروح، نكهةٌ علويةٌ لا ثمن لها، لأن الشاعر هو الكلمة الحق.

سطور وعناوين:

• من مواليد دمشق 25/كانون الثاني/ 1972م.
• انتسبت إلى جامعة دمشق آداب/ لغة انكليزية عام 1988.
• بدأت نشر قصائدها عام 1983، بالجرائد كالبعث ومجلة فتح، والقبس الكويتية.
• ألفت عام 1994، أول دواوينها: «معك أستطيع أن أكتمل»، وصدر عن وزارة الثقافة دمشق.
• كتبت قصة قصيرة «ليلة سقوط» حازت على جائزة اتحاد الكتاب العرب عام 2002 في دمشق.
• وفي عام 2003، صدر لها ديوان بعنوان «قلب من الخرشوف» عن دار دون كيشوت وعين الزهور في دمشق.
• وفي عام 2006، صدر لها ديوان «فراقيات» عن دار التكوين في دمشق.
• عملت في مجال الأزياء في مسلسل «حد السيف» إخراج هاني الروماني، إنتاج التلفزيون العربي السوري.
• عملت مخرج منفذ في «رباعية الحقيقة» من إنتاج تلفزيون الأردن والمخرج محمد حينه.
• عملت سكريبت غيرل في فيلم «الكومبارس» مؤسسة السينما المخرج نبيل المالح.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة