الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > الأديبة لمى توفيق عباس.. حكايةٌ سوريةٌ بامتياز ساحليةُ الروح دمشقيةُ الهوى
الأديبة لمى توفيق عباس.. حكايةٌ سوريةٌ بامتياز ساحليةُ الروح دمشقيةُ الهوى
أحمد علي هلال
تتعدد أقانيمها، فمن أمٍ إلى مبدعةٍ تكتمل صيروراتها الإنسانية والإبداعية، فهي المقاومة التي عرفت كيف تكون خط دفاع عن وطنها سورية كلمةً وموقفاً يتماهيان ليشكلا أنموذجاً يجهر برسالتها العابرة للغة والمكان، فمن الحبر اشتقت ممالك الرؤيا شاعرة وروائية وإعلامية، ومن الموقف اشتقت صلابتها أماً تحرس ظلال رجال سهروا على حدود الوطن، لكنها الكلمة في المبتدأ لتظل سادنتها، وهي ما انفكت تقول: طوبى لمن وجد في الكلمة مخلصاً ومنجى وخير ملجأ، إنها جوهر ما نناضل من أجله ولها نعيش.
لمى توفيق عباس أنموذج حي للمرأة السورية التي عرفت كيف تقيم في بيت لا حدود لشرفاته، لكنه بيت الثقافة الوطنية التي انفطرت على المقاومة بوصفها تجلٍّ للجمال، الجمال الذي لا يُستنفد كجمال الوطن الذي قاربته وعبر غير مدونة لها، منذ (صهيل الغمام) ديوانها الأول الذي افتتحت به رؤية للعالم وللذات، وعبر متخيل الشعر ذهبت لتولم للأرواح حكاية سورية بامتياز، عاشتها دهشة وفرحاً ممزوجاً بقبس ألم نبيل، ظل يجوّهر محكياتها، لتكون في سدرة العشق إنساناً وقضيةً، وفي توهج التراب حقيقة باذخة.

تلك السيرة الملونة
في سيرتها علامات كثيفة ولا سيما حينما صافحت هواء دمشق، لتكون شهادة ميلادها معطّرة بتراب مبلل بالمطر، وهذا ما يكثّف أبعاداً انطوت عليها سيرتها الإبداعية، منذ أن عانقت جدران حارات الشام العتيقة، ولعبت (الحيزة) على جمر ذاكرتها، مشاكسة بياض الياسمين، ومشاغبة مع النارنج والكبّاد، ولتلك روائح لا تستنفد من محكي حبرها/ رؤيتها لتصطفيها الأوراق، هي أوراق العمر أم الحلم، أم بقية حيوات عاشتها، واستمرت بها لتكون منمنمات روحها ونسيج وجدانها الوطني بامتياز، وسرت في شرايينها على عجالة ما بين كرياتها وخلاياها حتى حققت حلمها في دراسة الصحافة.
فطرة العشق.. فطرة الحياة
انطلقت للعمل والكتابة محمولة على هواجسها الأولى، كيف تفتتح تلك العوالم الساحرة الخالبة، المشبعة بروح اللغة، إذ إن اللغة لا تستقيم عندها بلا حامل موضوعي، وليكن هو الوطن والإنسان وجدلية العلاقة بينهما، وكيف تذهب إلى تلك المنظومة لتتقرى بهاء تفاصيلها، مسكونة بشغفها الكوني لكي تمتلك تعبيرها كامرأة سورية أدركت ما يعنيه الإبداع في كل لحظاته المتغيرة، أي في لحظاته السورية الفارقة، بسطت رؤيتها لتجلو مفردات ذاتها وفطرة العشق، والحياة الملونة فكان (صهيل الغمام) وما استمطرته من غيم اللغة في مرئيات إبداع يأخذنا إلى المحلوم به، إلى المشتهى، إلى فرادة الصوت الأول الذي شكّل أول احتكاكاتها مع العالم، وعبر إرهاصات مؤسسة كان لها أن تنتج دلالاتها الأكثر جلاء، وكأنما كانت إيقاعاتها هي ضبط لإيقاعات كون برمته على خط رؤيتها هي، وأمام مراياها الصادقة كانت ذاتها تعبر برزخ الألم والأمل معاً لتصطفي من تلك المرئيات قولاً شعرياً نبيلاً، تقول الكاتبة لمى عباس: (الأدب حين يكون عظيماً لا ينفصل أبداً عن هوية المبدع وضميره الحي، الأدب مرآة ما نكون عليه حين نكون صادقين مع أنفسنا أولاً، ومع قضايانا العادلة، انحيازاً لقيم الحق والخير والجمال، وبقدر ما نتمسك بجذورنا نرتقي بوحدتنا.. بانتمائنا الأصيل لكل ما هو جميل في بلادنا، كما السنديان الطالع من صم الصخور في جبالنا السورية، هذا هو النقاء، مكمن الضياء، حيث لا مكان لغير الشمس شمس الوطن).
ولأنها عاشت تجربة وطنها خفقةً خفقةً، ورأت إلى المصائر كيف تؤول، ورأت الوطن ذاته كيف تناهَشه المعتدون كانت روايتها (ست ساعات).
الرواية/ الرؤيا
في استبطانها لأسئلة هي أسئلة حالنا، أسئلة الواقع والحلم والمتخيل والموت والحياة والأمل، والحرب والحياة والحنين، أسئلة السيرة الكبرى لسورية ومعادلها سيرة مريم وعائلتها التي قضت قبل أن تفتح عينيها على انتصار حلب، هي أطياف السيرة الذاتية والجمعية بآن والتي صاغتها الروائية لمى عباس بنسيج روائي خاطت من قماشته منمنمات روحها، وتصادي وجدانها الوطني والإنساني معاً في محكي روائي شفّت لغته بواقعيتها وتخيّلها، وبنزوعها إلى أن تكتب الرواية السورية الكبرى، رواية الحرب والأمل، رواية الموت والحياة، وفي تلك النقائض وتلك التضادات والتي كانت مريم الساردة والمسرود عنها، الراوية والمروي عنها تُحيلنا إلى أكثر من متن خصّ شخصياتها –أبناءها- لعلنا في تلك السياقات الزاخمة بشعرية الروح، وآثام الواقع، وتغوّل الإرهاب، سنقف على دلالة الزمن في عنوانها الباهر (ست ساعات)، ليس اختزالاً لتلك الحيوات الطازجة والمترعة بالأمل والحياة، بل تطييف لسيرة مريم الكبرى، الصحافية والإعلامية والأم والمناضلة أم الشهداء، وكيف ترجمت وجع الندى على ذلك الورد اليابس في كثافة أحداث تلتقطها عين الروائية، لتصوغ منها محكيات الواقع السوري ونقائضه، والأدلّ سجالاته المثيرة لتشتق منها أسئلة الوطن حينما يذهب إلى قيامته حافياً على جمره.
إنها رواية المكان، والأمكنة الأخرى ذات الظلال المضيئة التي تحوط قلب سورية دمشق، والتي نراها ونتحسّسها ونشمّ رائحتها، ليجثو فؤادنا مضرجاً بجينات الحنين، تلك الأخيرة هي كثافة جماليات لغة الرواية التي تتراسل فيها غير ذروة جمالية، (لامرأة نازلت كل مواسم الربيع، كي تصل إلى خريف يقنعها بالبوح بأنها كانت وستبقى).
مرايا الحرب والحب
إذ تنفتح الرواية هنا لتشي بحرب مريم على الفساد والمفسدين، في مقابل اجتراحها خطوط الدفاع الذكي عن سورية، الوطن والحلم والحب، فضلاً عن خصوبة الشهادة بوصفها أفعال حياة، وتمجيداً لبطولات كانت وشماً نبيلاً على كل الجغرافيا السورية، فإلى أين تأخذنا مرايا الحرب المحدّبة والمقعّرة في التقاطها للمباشر والمتخيّل، للمألوف واللا مألوف، نذهب كما عين الساردة/ الراوية إلى التقاط ما هو أكثر من جوهري في (ست ساعات)، نذهب إلى ذلك النداء القيامي: (قومي يا مريم)، رغم ما تجهر به الرواية من مناخات الحزن والألم والغصص المتواترة، كل ذلك سيستوي في معادل بصري درامي، تبهرنا فيه لغة عارفة جارحة كسكين، وعميقة كآهٍ، وندية كوردة الصباح، لغة تُحيلنا مونولوجات بطلتها –مريم- إلى اكتشاف لغة في اللغة، لا نعني هنا محض (شعرنة) سرد كثيف مضرّج بالبوح، بل أكثر من ذلك، كيف تكون هذه اللغة معادل كينونتنا، وصيرورات تأريخنا لما جرى، ولحدث بعينه تناسل لأحداث، ليكون غير خطاب في الرواية يستحق التأمل السيكولوجي والتاريخي-التأريخي بالمسألة السورية إن جاز التعبير، خطاب الواقع أم خطاب الأنا الساردة التي تُعيد مرويات السوريين أمام شاشة المعنى، خطاب الذات أم خطاب المعرفة، لنظفر بغير تأويل لفداحة الحرب، ونبل الوطن المتعالي عما أراده الظلاميون والفاسدون؟.
رواية تنفتح على ذاكرة الحرب ويومياتها وتفاصيلها، في مقابل راوية عليمة أرادت أن تجترح معادلاً فكرياً وجمالياً بلغة طازجة وغير مسبوقة، وقادرة على صوغ الأمل لتكون روايتها هي رواية الأمل بامتياز، رواية الاستشراف، الذي قال: إن حلب ستنتصر، ولتنتصر حلب، ولتكون سورية كلها على أبواب النصر الكبير، ويا له من استحقاق تُحيلنا إليه هذه الرواية، قائم أبداً على امتحان الوجود والمصير، وفي ذلك كثافة سؤال كبير، ما الوطن؟.
ولطالما كانت الكاتبة تقول: إن أبسط تعريف للشعر في أدبيات النقد هو أنه كلام مختلف عن الكلام العادي، كلام يهزّ ما يستخدمه الناس من صيغ معتادة، وما توافقوا عليه.. ابتعاداً عن الواقع لفهمه بشكل واعٍ والالتصاق به أيضاً، وهذا ما فعلته في الرواية أيضاً، أي إنني انصهرت في شخصياتها وعشتُ أحداثها معهم، ففي كل شخصية جزء مني، يزيد أو ينقص بحسب الحالة الشعورية، ولا سيما مريم التي تشبهني حدّ التمازج، ففي كل موت إرهاصات حياة جديدة، هكذا أفهم خلود الحياة واستمراريتها، هكذا أفهم الإبداع الحي وثقافتنا السورية ولاّدة ومتجددة.
وما ذهبت إليه الكاتبة لمى توفيق عباس في ائتلاف النثر والشعر، كان صورة عن آمالها وآلامها ورؤيتها، لترسم على طريقتها جدارية الحياة من بديهيات النصر الذي لا ريب فيه، الحياة خُلقت لمن هم جديرون بالنور والآفاق المضيئة، حيثُ الروح السورية التي تملأ الكون، بعد خمسين عاماً أو أكثر سيستلهم أحفادنا قيم الحياة من نصرنا على دعاة الظلام، وهذه الرواية شاهد أدبي.
من الكتابة إلى الميدان
تقول الكاتبة لمى عباس: إن للمرأة السورية دوراً تاريخياً كبيراً لا يمكنها إلا أن تقوم به على أكمل وجه من الإشراق والبهاء، منذ (عناة) الملكة السورية الأوغاريتية آلهة الخصب و(الحب والحرب) مروراً بـزنوبيا، وصولاً إلى خنساوات سورية أمهات الشهداء، وجلّ ما يمكننا القيام به يمثّل روح المرأة السورية كتابةً وإبداعاً، وهكذا اختارت لمى عباس بوصفها مقاومة أن تكون إلى جانب بواسل الجيش العربي السوري في لحظات فارقة، أن تعد الطعام لهم، وتسهر على إطعام أولئك المرابطين على الثغور، فهم أبناؤها لأنها من حملت في أمومتها رمزية سورية الأم، وهي ترى أن كل فعل مقاوم وكل نضال أبيّ وحر، هو من أجل نشر بهاء الجمال وبثّه في النفوس وتعزيزه في المجتمع، تتساءل: أليس تحرير الأرض والإنسان فعلاً جمالياً بامتياز؟.

سطور وعناوين
مواليد دمشق 6/5/1970.
• حققت حلمها بدراسة الصحافة وأنشأت عام 2008، موقع زنوبيا الإخباري.
• أصدرت عام 2005، مجلة تُعنى بالفن والجمال والسياحة والمجوهرات (أور).
• صدر ديوانها الأول بعنوان (صهيل الغمام) عام2015.
• صدرت روايتها (ست ساعات) عام 2017.
• تقول عن روايتها: رواية (ست ساعات) تختزل سنوات الحرب الست، وتحكي عن وطن كان وسيبقى ولن يموت، الوطن الذي كثيراً ما عانى من تلك الحرب اللعينة عليه، هي حكاية كل بيت سوري، وحكاية كل أمٍّ سورية صمدت وضحّت في هذه الحرب.
• ومن روايتها: رحلت مريم كما رحل من سبقها ممن عشقوا الوطن حدّ الثمالة، وافتدوه بكل غال، ممن جادوا ولم يبخلوا عليه حتى بأنفاسهم الأخيرة، رحلت مريم بعد أن عرّشت روحها على جدران دمشق العتيقة، ياسمينة سيبوح عطرها لكل زائر بقصة وطن لن يموت.
• قال د. نضال الصالح رئيس اتحاد الكتّاب العرب عن الرواية: لمى عباس في هذه الرواية تؤكد حقيقة انتمائها إلى المثقف الفاعل بامتياز، المثقف القادر على صنع اللحظة الإبداعية، كما اللحظة التاريخية بامتياز أيضاً، وتؤكد في روايتها أهمية البطولات العظيمة التي أبداها المقاتل السوري وهو يدافع عن الجغرافيا السورية، يدافع عن التاريخ السوري وعن الهوية السورية، ويدافع عن الحضارة والمدنية السورية.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة