الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > «الفنُّ السَّابع).. بانوراما شاملة عن سينما الخمسينيّات
«الفنُّ السَّابع).. بانوراما شاملة عن سينما الخمسينيّات


جهينة - أيمن الحسن
تشهد سوريَّة حاليَّاً غزارة إنتاج سينمائيٍّ، فعلينا أن نكمل هذا العطاء المشكور بجهد إعلاميٍّ توثيقيٍّ لهذا الإنتاج المتميِّز الَّذي نواجه به الحرب الظالمة على بلادنا الحبيبة سوريَّة والخراب والفكر المتخلِّف الواقع عليها بسلاح السينما والوعيِّ الفنيِّ الأصيل.
كتب الأستاذ محمد حاج حسين في المقدّمة: إنه كتابٌ جميل، يفتح أمامك بوداعة ويسر مغاليق هذا الفنِّ حتَّى تكتنه أسراره ودقائقه، فتدبرْهُ برفقٍ وأناة، حتى ترى أنَّه ينقلك إلى عالم مجهول ترى فيه السينما على عريِّها وجلائها، ويضيء أمامك السبيل إلى التعرُّف إلى حقائقها الَّتي طالما تُقت إلى الإحاطة بها. فالسينما في عصرنا المتشابك أضحت أداة لهوٍ وتثقيفٍ، تتيح لنا أن ننفض على أبوابها همومنا، وتثقِّفنا بما تعرضه من تصوير دقيق للنفس، والحياة الحُبلى بالغرائب: لقد أضحت السينما كخبزنا اليومي لا قِبلَ لنا بدفعها.
« الفنُّ السابع» كتابٌ يقدّم، على الرغم من قدمه، معلومات مفيدة لكلِّ من يهتمُّ بهذا الإبداع الجميل، نظراً لإحاطته بتقنيَّات الفيلم السينمائيِّ وأدواته، إذ جاء عنوانه الثاني «موسوعة سينمائيَّة جامعة» وهو أوَّل كتاب صدر في سوريَّة عن السينما بتاريخ إصدار معلن على الغلاف 1950م- المطبعة التجاريَّة باللاذقيَّة في 156 صفحة. وقد كان مؤلفه سكرتير دار الكتب الوطنيَّة في محافظة اللاذقية الأستاذ محمَّد شيخ ديب، كما أنَّ في الكتاب بعض النصائح الَّتي أراها مفيدة لأصحاب الاختصاص، وحتى نرى معاً مدى ما توصَّل إليه هذا الفنُّ الرائع في ذلك الزمان.
نظريَّة السينما
لاحظ المدقِّقون عند دراسة العين والرؤية أنَّ الصور الَّتي ترتسم على الشبكيَّة بوضعٍ منعكسٍ لا تزول في الحال، ففكَّر الأب نوللي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بتطبيق هذه النظريَّة صناعيَّاً، ومن هنا برزت فكرة السينما الأوَّليَّة، وساعد الرسم الفوتوغرافيُّ على التصوير حتَّى تمَّ اختراع آلة (البيوسكوب) الَّتي تمكَّنت من استبدال الرسوم بالصور الشمسيَّة. كما كرَّس العلماء أوقاتهم لأبحاث تتعلَّق بتركيب الحركة، وكان لاختراع (فوت مونك هوفن) للُّوحات الحسَّاسة تأثير كبير، فاستطاع تلميذه جورج ديمني بذكائه الفطريِّ أن يصوِّر منظراً قصيراً ناطقاً لكلمة أحبُّكِ، دام ثانيةً واحدة، وقد استهلك 18 صورة.
تاريخ مجيد
تنازع السينما مخترعون كثيرون، واشتركت الأدمغة الجبارة لتوطيد قدميها الساحرتين، ولكن النهاية أخلصت للأميركيِّ توماس أديسون وللأخوَين لوميير الفرنسيَّين، وقد مرَّت بمراحل عديدة:
1- المرحلة الصامتة: في عام 1887م، فكَّر أديسون باختراع آلة فوتوغرافيَّة تصوِّر الحركات بكاملها، لكنَّه وقف أمام نقصٍ كبيرٍ هو إيجاد الفيلم الحسَّاس، الَّذي بإمكانه التقاط الصور المتحرِّكة، وبينما راح يفكِّر في هذا الأمر، كان جورج أيستمان يعمل على اختراع هذا الفيلم، فجاء ذلك من حسن حظِّ أديسون، وفي فرنسا كان الأخوان لوميير في مدينة ليون يجدّان في ابتكار آلة التصوير حتى وفّقا إلى صنع الكاميرا الكاملة في يوم الثالث من شهر شباط 1895م، فصوّروا عمالهم أثناء الغداء، وكان طول هذا الفيلم 15 متراً جرى عرضه في 22 آذار 1895م، وقد حملت آلة لوميير بادئ أمرها ميزةً خاصةً فكانت تصلح للتصوير والعرض على الشاشة في آنٍ واحد.
2- المرحلة الناطقة: سهَّل ذلك بادئ ذي بدء أديسون حين اخترع الحاكي فكانت تعرض الصور مع الأسطوانات المسجلة إلى أن توصَّل إيدور كيز في أميركا وأوغست لوك في فرنسا إلى اختراع الخليَّة الفوتوغرافيَّة وبعد تجارب عدَّة أدَّت إلى طريقة ناجحة في تسجيل الصوت، إذ تمَّ عرض أوَّل فيلم ناطق عام 1926م، أخرجته شركة وارنر، هو فيلم المغامرات (دون جوان).
3- المرحلة الملوَّنة: توالت السنون، وازدادت السينما بمرورها تطوُّراً وازدهاراً فإذا بالفيلم الملوَّن يظهر إلى الملأ بعد مجهودات الدكتور هيربور كالموس، إذ إنَّه بمزج الألوان الثلاثة: الأحمر والأخضر والأزرق نستطيع إخراج صور ملوَّنة، فيُحدِّث باختراعه هذا ثورة في عالم الفنِّ السابع.
4- الرسوم المتحركة: عُرِف هذا الفنُّ منذ بدء اختراع السينما ، لكن لم يعمل به حتَّى أواسط الربع الثاني من القرن العشرين، ولندع والت ديزني يقصُّ علينا كيف وُفق إلى معجزته الخالدة بأفلامه الباهرة: كان لاشتغالي بالرسم قصَّة لست أخجل من ذكرها فقد عشت فقير الحال، مَّا اضطرَّني للعمل في إحدى الشركات التجاريَّة لرسم الإعلانات، ولم تكن لديَّ أية فكرة عن ابتداع الرسوم المتحرِّكة، لكنَّ الظروف شاءت ذلك عندما خطر في ذهني أن أحاكي صورة ذلك الحصان الَّذي يركض بالحركة السريعة، مضيفاً: ثمَّ رحت أروِّج لأفلام الدعاية بين سائر الأعمار وصوّرت بوساطتها إبان الحرب بعض الأشرطة الصحيَّة الَّتي كانت سبباً في الإقبال على المداواة من الأمراض المعديَّة، ما سبَّب بعضها إضعاف معنويات دول المحور في الحرب الأخيرة. ويثبت ذلك حكم الزعيم النازيِّ أدولف هتلر على (والت ديزني) بالإعدام لإخراجه مثل هذه الأفلام.
مواضيع أخرى
يتحدَّث مؤلِّف (الفنِّ السابع) عن العديد من القضايا التقنيَّة والفنيَّة في عالم السينما من بناء الاستديوهات الَّتي هي مدن صغيرة تحتوي على بنايات عديدة متنوِّعة تتعلَّق بالأعمال الفنيَّة وإدارة الشركة السينمائيَّة، إضافة إلى صالات عرضٍ كي يتمكَّن المنتجون والفنيُّون من مشاهدة عملهم اليوميِّ.
وعن المونتاج السينمائيِّ لإدارة دفَّة أعمال الفيلم بدقَّة وسهولة فلا بخل أو إسراف بل تدقيق في الاختيارات والتعاقد مع الأكفأ، ذلك أنَّ المنتج هو المسؤول عن النجاح الماديِّ للفيلم عادةً.
كذلك فن السيناريو الَّذي هو قصَّة سينمائيَّة لحوادث مسرودة بلا وصفٍ رائعٍ وبلا خيالٍ سامٍ بعيدٍ عن الحقيقة الواقعيَّة كما يوجد في القصَّة الأدبيَّة، إذ إنَّ أهمَّ عوامل نجاح السيناريو التشويق والسرُّ، فالتشويق أن تؤجِّل حلّ عقدة من عقد الفيلم كي ينتبه المتفرِّج إلى حوادث القصَّة جيِّداً، فبهذه الطريقة تتركه يتلهَّف لمعرفة النتيجة، كما تدعه يشغل عقله وخياله في حلِّ هذه العقدة بنفسه، أمَّا السرُّ فهو أن تكون في القصَّة قضية صعبة الحلِّ أو مشكلة شائكة تتخللها الأسرار بوفرة، وكما ترى فإذا أردتَ كتابة سيناريو قصَّة سينمائيَّة أنت بحاجة إلى دماغ ووقت وعناء كبيرين.
ثمَّ يعرفنا المؤلِّف مَنْ هو المخرج ومساعده الموزِّع والريجيسير (الكومبارس) ومهندس الصوت والماكيير، وما التصوير السينمائي، والتوليف والدوبلاج والإكسسوارات، ويشرح لنا بعض الحيل السينمائيَّة، كاللوحة الشفافة التي تجعلنا نرى الدجاجة أكبر من الرجل، وخدعة الرجل الخفيِّ وبساط الريح الطائر.
هوليوود وأسرار حميمة
دعته صديقته شيليا جراهام، الناقدة السينمائية الأميركية، إلى زيارة الكواكب الوهاجة والنجوم.. ولم تكن هوليوود - كما يظنُّ الناس- مدينة ضخمة مثل نيويورك بل هي ضاحية من ضواحي لوس أنجلوس، يرجع بناؤها إلى رجل أميركي بسيط فرَّ من حياة الصخب إلى هذه المنطقة الصحراوية، فأنشأ الفنَّانون حياَّ خاصّاً بهم هو حي بيفرلي هيلز، حيث تترامى الآن بيوت وفيلات نجوم ونجمات السينما العالميَّة تحت ظلال الأشجار وحيث الهدوء الشامل مع مناظر خلابة وجمال الطبيعة الساحرة.
وذهب صاحبنا إلى رؤية تلك المدينة الآسرة التي طالما حلم بها وتخيَّلها مثل جنَّة عدن، وما إن اقترب منها حتَّى سألته شيليا وهي تضحك: هل تعرف الفرق بين النجوم في صحراء الأهرام وصحراء هوليوود؟ فأجاب : لا. فردّت: في صحراء الأهرام تنامُ والنجوم فوقك، وفي صحراء هوليوود تنام وبجانبك النجوم. ليكتشف أنَّ سمعة الفنَّانين السيئة، واشتهارهم بالعبث والفجور مبالغ فيهما، فليست كلُّ ممثِّلة سينما تتزوَّج خمس مرَّات وتتطلَّق ستَّ مرَّات، ولا كلُّ نجمة تستحم باللبن والحليب، وليس الغرام هو العمل الوحيد لسكان هوليوود.
السينما والثقافة
لما كان هدف السينما تعميم الثقافة بكافَّة أنواعها انبرى المخرجون إلى الكتب الأدبيَّة والعلميَّة، فأخرجوا لنا تحفاً رائعة، فمن يشاهد «السيمفونيَّة الريفية» يشهد بعظمة أندريه جيد، ويعرف أسلوبه الأدبيَّ الدقيق. كما أن «مدام كوري» قصَّة اكتشاف عنصر الراديوم، وفيلم» حياة باستور» عن الطبيب الإنساني الشهير الَّذي أنقذ العالم من عدوى الأمراض وانتشارها لأكبر شاهد على سمو رسالة السينما الَّتي أخذت على عاتقها خوض جميع جوانب الحياة، وأنَّها في سائر الأفلام تعتمد على علم النفس فتصوِّر لنا الخوف والفرح، النشوة والخجل، الغضب، والتذكر والتداعي، بل تذهب إلى أكثر من ذلك فتأخذ على عاتقها تحليل نفسيات الأشخاص غير العاديين.
وها هي السينما السوريَّة تواجه حاليَّاً هذه الحرب الظالمة على بلادنا الحبيبة سوريَّة الغالية مع ما تحمله من قتل وتدمير وخراب شامل وفكر رجعيٍّ متخلِّف، لنستنتج أنَّ السينما فوق أنَّها أداة لهو وترويح عن النفس المتعبة في هذه الأيام العصيبة تؤدي كذلك خدمات جلَّى نحو الثقافة المتنوِّرة والفكر الحضاريِّ السامي، ما يجعلنا نعدُّها عاملاً كبيراً من عوامل مواجهة التخلف المستشري في منطقتنا العربيَّة، والنهضة والارتقاء بالمجتمع إلى درجات أعلى من الوعيِّ والتحضر الإنسانيِّ، وأداة كبرى لنشر ثقافة المواطنة الحقَّة والتسامح والمصالحة بين أبناء الوطن الواحد، وإبراز الثقافات المتنوِّعة للشعوب والأمم جمعاء.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة