الجمعة, 18 آب 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 95 تاريخ 10/5/2017 > أزمة خانقة في دمشق المواطن يهجر وسائل النقل العامة ويركب (البسكليت)!
أزمة خانقة في دمشق المواطن يهجر وسائل النقل العامة ويركب (البسكليت)!


وائل حفيان:

صورة صباحية ومسائية يمكن مشاهدتها في أي موقف من مواقف انطلاق وسائط النقل.. أزمة قديمة متجددة تنال من المواطن بشكل يومي حتى بات يقضي ساعات طويلة يركض وراء الباصات ليصل إلى أقرب نقطة من سكنه او مكان عمله، وهذه الأزمة طالت حياة الموظف والطالب، وأصبح التنقل ضمن العاصمة دمشق إحدى المشاكل التي لا يستهان بها، إضافة إلى المنغصّات الأخرى من مصروف يكاد يصل إلى ربع الراتب أو أكثر، عدا عن مزاجيات السائقين التي نتجت عنها مشاكل من سرقات وتحرّش في بعض الأحيان نتيجة الازدحام، مع أن هذه المعاناة اعتاد عليها المواطن يومياً وخصوصاً في ساعات الذروة، حيث يتعذر غالباً إيجاد وسيلة للنقل، وتطول المدة الزمنية على الطريق، وفي حال وجد المواطن (ميكروباص) تكون ابوابه مقفلة، في حين يقع المواطن في نهاية المطاف تحت رحمة سائقي التاكسي، الذين يفرضون التسعيرة التي يرغبون بها، ما دفع الكثيرين للسير على الأقدام إذا كانت المسافة مقبولة، إلا أن المشكلة لم تحل مع المسافات الطويلة، وآخرون رأوا أن (البسكليت) هي الحل، في حين تساءل كثيرون أين المعنيون من هذه المشكلة التي بات معظمنا يقضي جلّ وقته في الشوارع!؟ «جهينة « استطلعت آراء بعض المواطنين من خلال جولات على معظم الخطوط العاملة ضمن مدينة دمشق للوقوف على أغلب المشاكل التي يعانون منها في التنقل.

أزمة متفاقمة
يوسف طالب جامعي ويعمل في أحد المحال ويقطن في منطقة دمر» وادي المشاريع» ما يجعله عرضة للاحتكاك اليومي مع أصحاب السرافيس، حيث قال: لـ «جهينة» يوجد نقص كبير في أعداد السرافيس العاملة على الخط، مضيفاً: إن أزمة النقل تتفاقم يوماً بعد آخر، وأصبحت همّاًّ كبيراً لدى سكان منطقة دمر (وادي المشاريع)، فالحصول على مقعد صغير في وسائل النقل مهمة صعبة تحتاج إلى خبرة سابقة في السرعة والخفة.
ثلاث ساعات انتظار
وتابع يوسف: أحتاج إلى ما يقارب ثلاث ساعات أو أكثر للوصول إلى منزلي، حيث أنتظر ما يقارب ساعتين للحصول على مقعد في أحد السرافيس تحت جسر الرئيس وأحيانا نمشي إلى ساحة الأمويين للحصول على مقعد وندفع للسائق ذهاباً وإياباً.
(إهانات) مع ازدياد حالات السرقة
وأعرب عمار عن استيائه من الوضع قائلاً: منطقة وادي المشاريع تبعد بحدود 7 كيلو مترات عن مركز مدينة دمشق، وتحتاج إلى ما يقارب عشر دقائق للوصول في السيارات الخاصة، ومع وجود الازدحام الشديد على الطرقات أصبحت تحتاج إلى ما يقارب نصف ساعة، مشيراً إلى الطريقة التي يتعامل بها أصحاب (الميكروباصات) مع الركاب في الفترة الأخيرة ومزاجيتهم من «الإهانات» - إن جاز التعبير- التي يتعرض لها المواطن بمختلف طبقاته الاجتماعية، مضيفاً: الازدحام فسح المجال للكثير من ضعاف النفوس للسرقة حتى إنه لا يكاد يمر يوم وإلا هناك أكثر من حادثة سرقة أثناء تجمّع المواطنين على أبواب السرفيس، إضافة إلى التحرش المستمر بالنساء والذي يؤدي إلى حدوث مشاكل.
ويقول أبو أحمد وهو سائق على الخط ذاته: إن هناك صعوبة في تأمين المحروقات التي تعدّ مشكلة كبيرة وصعوبة إيصالها ما أدى إلى وجود سوق ثان، الأمر الذي دفع بعض السائقين إلى العزوف عن العمل، إضافة إلى أن الكثير من الناس باتوا يغيّرون مواعيد خروجهم من منازلهم، فبعد أن كانوا يخرجون في أوقات مختلفة باتوا الآن يعودون في وقت واحد، ونتج عنه حدوث ضغط في فترة محددة من ذلك اليوم. أما المواطن هاني، أحد ركاب خط جرمانا فقال: إن السائقين باتوا يعاملون الركاب بمزاجية مكروهة وكأنهم «عبيد» من خلال الصراخ وقد تصل الحالة في بعض الأحيان إلى إنزال الراكب من السرفيس، عدا عن تقاضي زيادة على التعرفة من دون أي مناقشة و»إن لم يعجبك فانزل».
نص خط!
معاناة المواطنين الذين يقصدون (سرافيس) خط ميدان- برزة تكاد تكون يومية وهي معاناة لا تتعلق بالازدحام أو عدم وجود هذه السرافيس على الخط، بل تتلخص بجشع سائقي السرافيس، حيث يرفض السائقون السماح للركاب بالصعود من بداية الخط في ساحة الأشمر بالميدان، ويتحججون دائماً بالقول» والله مو طالعين» أو بعدم توفر البنزين لكون هذه السرافيس تعمل على هذه المادة، هذا ما قالته رجاء التي تابعت: ولكن الحقيقة في مكان آخر، فالسائقون يبدؤون بعد اجتيازهم موقف الأشمر بالتقاط الركاب القاصدين منطقة البرامكة حتى موقف (سانا)، ويتقاضون كامل الأجرة 50 ليرة ومن ثم يصعد ركاب آخرون إلى برزة بالأجرة المذكورة نفسها ما يعني أن السائق يتقاضى لقاء كل راكب مئة ليرة على أقل تقدير، وقد تصل إلى 150 ليرة باعتبار أن خط السرفيس يمر في منطقة الحمرا أو الجسر الأبيض، حيث إن عدداً كبيراً من الركاب لا يكملون الخط لنهايته، ما يفتح المجال أمام السائقين لكسب المزيد من المال، علماً أن الأجرة المحددة للسائقين 50 ليرة من بداية الخط إلى نهايته في منطقة برزة و40 ليرة إلى جسر الرئيس.
(فراطة) يا شباب
يقول المواطن محمد: ظهرت في الآونة الأخيرة مشكلة النقص الحاد في توفر النقد الصغير أو ما يعرف بـ «الفراطة» سواء في جيوب المواطنين أو لدى سائقي حافلات النقل، ما يسبب يومياً مشاكل كثيرة بين السائق والراكب.
ويدافع أبو اصطيف كما سمى نفسه وهو سائق يعمل على خط المزة بأن المشكلة الرئيسية ليست ناجمة عن السائق ولا الراكب، فالجميع يجب أن يمتثل للأجرة الموضوعة، لكنها تكمن في التعرفة نفسها، فمثلاً الخط الذي أعمل عليه تعرفته 40 ليرة ومن الصعوبة إعادة 10 ليرات للمواطن، لذا أضطر أحياناً لأخذ مبلغ أقل أي 25 ليرة إذا كان طريقه قصيراً، أو يسامحني الراكب بالعشر ليرات إذا كان ذاهباً لنهاية الخط.
انعدام ثقافة الشكوى
كل الحق على المواطنين الذين لا يتجرؤون على تقديم شكوى بحق السائقين، وأنا ولو كنتُ سائقاً فسأذهب إلى إدارة المرور وأقدّم شكوى بهذا الخصوص، هذه الجملة وردت على لسان أحد سائقي سرفيس خط ميدان - برزة لدى تهافت عشرات الركاب للصعود بعد انتظار دامَ أكثر من 45 دقيقة مرّ خلالها ثمانية سرافيس رفضت أن تقلّ الركاب، مضيفاً: أصبح معظم السائقين يعرفون وجوه الركاب القاصدين منطقة برزة ولهذا فهم خلال الطريق يسألون الركاب الآخرين عن مكان وجهتهم، ولكن الرد على كلام السائق يكون قاسياً، فمثلاً أحد الركاب قال له: (السائقون كما غيرهم من أصحاب المهن تخلّوا عن أخلاقهم ووجدانهم بعد أن رفعت العصا عنهم).
بدورها عبّرت إحدى السيدات عن غضبها من هذه الحالة، مشيرة إلى أنه إذا كانت حجة السائقين انخفاض أجرة النقل فعليهم التوجه إلى المعنيين للمطالبة برفعها وليس محاسبة المواطنين و(فش خلقهم بهم).
طار الراتب!
وعن معاناته اليومية في الوصول إلى عمله، قال محمود العامل في وزارة الشؤون الاجتماعية: (أسكن في منطقة المزة، وعملي في شارع الثورة، وأواجه يومياً مشكلة جديدة في الوصول للعمل، حيث أحتاج إلى حوالي ساعتين من الوقت، إضافة إلى الصعوبة في تأمين وسيلة نقل، لأن معظم السرافيس تنقل موظفين وعمالاً، وتغيّر خطوطها ومنها من تختصر خطها ولا تصل إلى أكثر من نصف الخط بحجة الازدحام. وأضاف محمود: « للأسف عدد كبير من سرافيس المزة على سبيل المثال، والتي يفترض أن تصل إلى شارع الثورة، تنهي خطها في البرامكة عند (سانا) من دون رقيب أو حسيب، وإن قررتُ الاستعانة بسيارة أجرة فيجب عليّ أن أدفع بين 700 - 1000 ليرة للذهاب ومثلها للإياب، ما يعني أن راتبي بالكامل سيذهب أجرة مواصلات «.
من جانبه أشار عامر، وهو موظف في البرامكة وسط دمشق ويقطن في مدينة جرمانا، إلى أنه يضطر يومياً لركوب سرفيس إلى باب توما أو كراج الست، ثم يكمل طريقه إلى البرامكة بسيرفيس آخر إن وُجد، وأحياناً أتابع سيراً على الأقدام نظراً لعدم وجود أماكن في السرافيس، كاشفاً بالنسبة إلى ركوب التاكسي « أنه يحتاج يومياً إلى حوالي 500 ليرة من ساحة باب توما أو كراج الست للوصول إلى عمله، وبالتالي طار الراتب».
الوقت يحدّد التسعيرة
أوضح أحد سائقي التاكسي أنه ليست هناك مغالاة في الأسعار لدى غالبية السائقين، ولكن الطريق أصبح يستغرق وقتاً طويلاً، فالطلب الواحد داخل مدينة دمشق قد يستغرق ساعة أو ساعتين، وتكاليف ترسيم السيارة مرتفعة وفي الفترة القادمة يمكن أن ترتفع أكثر، كما أن أجور الصيانة وقطع الغيار باتت بأسعار مضاعفة، هذا عدا معاناة الحصول على البنزين.
تعرفة حسب الحاجة
وحول (تاكسي السرفيس) التي لم يصدر قرارها إلى هذا الوقت، أكد عدد من المواطنين أن السائقين يعملون عليها من دون أي رقابة، ويضعون السعر حسب مزاجهم من دون أي رقابة أيضاً، مشيرين إلى أن أزمة النقل دفعت الكثيرين لتحويل سياراتهم الخاصة للعمل عليها كسيارات أجرة وتحويلها إلى «سرافيس»، ولا سيما في المناطق التي توجد فيها ندرة في السرافيس التي تخدّمها كخط « وادي المشاريع - جبل الرز- ضاحية قدسيا وجرمانا «، إلى جانب أصحاب سيارات الأجرة العمومية أيضاً الذين حوّلوا سياراتهم إلى سرافيس صغيرة أيضاً ولكن بأسعار خيالية، مضيفين: رغم تحوّل السيارات الخاصة والعمومية إلى سرافيس لحل أزمة النقل إلا أن هذا أدى إلى استغلال حاجة المواطن لوسيلة النقل من قبل أصحاب هذه السيارات بوضع تعرفة مزاجية خاصة بهم لا تقل عن 300 ليرة للشخص الواحد، وفي بعض الأحيان تصل إلى500 ليرة.
(ما إلنا غير البسكليت)!
(البسكليت) هي الحل، هذا ما قاله مجموعة من طلاب الجامعة أثناء لقاء «جهينة « بهم، وتابعوا: إن أزمة النقل فرضت علينا الاستعانة بـ(البسكليت) كحلٍّ لتجاوز هذه المعاناة التي تؤخرنا بشكل دائم عن محاضراتنا وامتحاناتنا، مشيرين إلى أن أصحاب السرافيس والتكاسي هم من جعلهم يفكرون بهذا الحل الذي وصفوه بالممتاز والذي يوفر عليهم الوقت إلى جانب أنها رياضة صباحية.
«جهينة» توجهت إلى عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق عن قطاع النقل هيثم ميداني لتنقل إليه معاناة المواطنين اليومية والتي زادت على حدها المعتاد، والذي قال: إن انخفاض عدد مركبات النقل الجماعي في مدينة دمشق كان نتيجة خروج العديد منها عن الخدمة بسبب الأعمال الإرهابية أو انتقالها إلى المحافظات الأخرى وتوقف العاملين عليها عن العمل بسبب سكنهم في المناطق الساخنة أو مغادرتهم المدينة، إضافة إلى ارتفاع عدد القاطنين في مدينة دمشق إلى الضعف، كل هذه الأسباب أدت إلى بروز أزمة النقل بشكل حاد وأزمة مرورية خانقة، مشيراً إلى أن هذه الأزمة جعلت العديد من المركبات المتبقية والعاملة على الخطوط تخرج عن الخدمة.
وبيّن ميداني أن عدم وصول (الميكروباصات) إلى نهاية الخط هو مخالفة مرورية يعاقب عليه قانون السير في حال حدوثها، لذلك يجب على المواطن تقديم شكوى خطية إلى إدارة المرور.
وأشار ميداني إلى أن باصات النقل الداخلي التي كانت تعمل في مدينة دمشق كان عددها 500 باص ولكن نتيجة الأعمال الإرهابية لم يتبق منها سوى 70 باصاً موزعة على جميع الخطوط.
وحول تغيير الخط بالنسبة للباصات التي تنقل الموظفين، بيّن ميداني أن السائقين يستطيعون من خلال الجهة التي ينقلون موظفيها إحضار مهمة وتقديم طلب رسمي إلى المحافظة، وبعدها يتم منح الباص ورقة تغيير خط بشكل نظامي لتحميه من دوريات شرطة المرور بشرط أن يشرح لها سير الباص بشكل كامل، مشيراً إلى أن ورقة تغيير الخط مجانية ولا تكلف السائق أي رسوم.
وبالنسبة لسائقي (الميكروباصات) الذين يغيّرون خطوطهم لنقل الموظفين، أكد ميداني أن كل سائق يحصل على موافقة لنقل الموظفين يؤخذ توقيعه على تعهد بأن يؤمّن الموظفين ومن ثم يعود للعمل على خطه الأساسي، وفي حال مخالفة التعليمات تلغى الموافقة على تغيير الخط، ويعاد النظر في حصته من المازوت، داعياً المواطنين للتوجه بالشكوى إلى مديرية التموين في حال كان هناك سائق يتقاضى أجرة زائدة وإلى إدارة المرور في حال أساء السائق في معاملته للراكب وعدم وصوله إلى نهاية الخط، وكل من يتقاضى أجوراَ زائدة يُخالف بقيمة 25 ألف ليرة، مؤكداً أنه ليس هناك أي تغيير على التسعيرة في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التعرفة التي يعمل بها عادلة للسائق ومالك السيارة والمواطن.
أما موضوع مراقبة الخطوط من قبل اللجان فأوضح ميداني أن جميع خطوط النقل الداخلي وشركات الاستثمار تتم مراقبتها من قبل الشركة العامة للنقل الداخلي عن طريق لجان مهمتها مراقبة الخطوط، أما (السرافيس) فلا يوجد لها في الوقت الحالي لجنة مراقبة، وتتم مراقبتها من خلال شرطة المرور ومتابعة عملها.
واعتبر ميداني أن غياب ثقافة الشكوى لدى المواطنين في حال وجود مخالفات من قبل السائقين هو الذي يشجع السائقين على المخالفة، لافتاً إلى أن عدم وصول المركبات إلى نهاية الخط أو تغييره أحياناً لأسباب طارئة، هي أمور ليست من اختصاص المحافظة، ويصعب التحكم بذلك، فهذه مسؤولية شرطة المرور بالنسبة للسرافيس، كما أن هناك صلاحية لضابط المرور بتكليف باصات لنقل المواطنين إذا استدعت الحاجة لذلك.
100باص جديد
كشف ميداني أن محافظة دمشق بصدد استيراد 100 باص للتخفيف من أزمة النقل، مشيراً إلى أن المحافظة رفعت طلبها إلى الوزير لتتم الموافقة عليه من قبل مجلس الوزراء.
وبالنسبة للتاكسي التي تعمل كسيرفيس قال ميداني: المشروع الذي كانت المحافظة بصدد تنفيذه توقف لعدة أسباب، مبيناً أن (التكاسي) العاملة حالياً هي تعمل بمفردها من دون تدخل المحافظة، وأي مخالفة في التسعيرة يجب على المواطن التقدم بشكوى بشأنها لدى فرع المرور.
وأخيراً نقول إن أزمة النقل في ازدياد مستمر، وتتطلب من المعنيين إيجاد حلول سريعة وناجعة لها وعلى الأقل في ساعات الذروة، ويبقى أن نقول: الله يعين المواطن (شو بدو يتحمّل).
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة